تحتفل السينما التركية هذه السنة بالذكرى المئة على تأسيسها، حين انبثقت من خلال الفيلم الوثائقي «انهيار النصب الروسي في أياستوفونوس» سنة 1914، حيث شق المخرج فؤاد أوز قيناي حائط الواقع الأليم في فترة الحرب العالمية الأولى، من خلال نافذة الفن السابع، موثقاً ما حصل في تلك الحقبة العصيبة من عمر العالم.
تلك المبادرة المنفردة صارت واحدة من أهم معالم الثقافة التركية، وجزءاً لا يتجزء من المشهد الثقافي والفني، لتكون شاهدة على كل ما مرت به البلاد من تقلبات سياسية واجتماعية. استلهم قيناي جمالية السينما وقدسيتها من الــمخــرج الرومـــاني سيغموند اينبرغ، الذي كان مقيماً في الدولة العثمانية، ونظم أول عرض أفلام في تاريخ الأستانة، شهده قصر يلدز في اسطنبول سنة 1897. وقيناي، الذي يعتبر من منظري تلك الفترة البارزين، نجح في مبادرته التي أطلقها لفتح أول دور عرض سينمائية في الدولة العثمانية، بتاريخ 19 اذار/مارس 1914، أطلق عليها «السينما الوطنية» ثم غُير اسمها لاحقا الى «سينما علي أفندي». وصنع قيناي سبعة أفلام، ستة منها وثائقية لما اقتضته ظروف تلك الفترة، إذ ينعدم المعنى للفيلم الروائي ضمن التقلبات الكبرى.
تحولت السينما من عمل فردي الى صناعة، عندما أسس المخرج المسرحي محسن أرطغول أول شركة انتاج سينمائية سنة 1922، وكانت باكورة أفلامه «قميص من نار» سنة 1923 حول حرب التحرير الوطنية، ثم صنع أول فيلم ناطق بتاريخ السينما التركية سنة 1931، بعنوان «أزقة أسطنبول». سيطر أرطغول على صناعة السينما ونهض بها حتى سنة 1953، فأنجز خلال تلك الفترة ستة وثلاثين فيلماً، لكن رغم دوره المهم في تاريخ الفنّ السابع، إلا أنه صنع سينما ممسرحة، ليظهر المخرج لطفى عقّاد الذي أعاد للسينما روحها وحررها من الفكر المسرحي، من خلال عدة أفلام ناجحة أهمها «اضربوا الباغية»، سنة 1949.
تعد فترة الخمسينيات بداية نضوج السينما وصُنًّاعها، وإدراك رؤوس الأموال أهمية تلك الصناعة، فشكلت فترة الستينيات نقطة فارقة، حيث تم تأسيس أول اتحاد لصانعي السينما سنة 1960، وأنشئت أول كلية للسينما والتلفزيون سنة 1962. كل تلك العوامل أدت الى ظهور مجموعة من المخرجين الذين تركوا بصمات لا تُنسى في تاريخ السينما التركية، مثل عاطف يلماز صاحب المسيرة الفنية الحافلة بالجوائز، والذي تمكن من صنع مئة وستة عشر فيلماً. ومثله ميتين أركصان، الذي حصل على الكثير من الجوائز، أهمها الدب الذهبي في مهرجان برلين سنة 1963 عن فيلمه «الصيف القاحل»، وخالد فريغ وأرتم غوريك وديغو أوغلو ونوزاد باسان وممدوح أون، صنعوا ما يشبه الموجة الفرنسية الجديدة.
أخذت الوتيرة الإنتاجية بالتصاعد حتى وصل الإنتاج في منتصف الستينيات الى مئتي فيلم وسطياً، لكن تلك الأعمال أصبحت كمية وليست نوعية. دخول التلفزيون في أواخر سنة 1968 أدى الى كساد صناعة السينما وعزوف الناس عن صالات العرض، فصار الإنتاج يتناقص. ورغم ذلك وصل عدد الصالات إلى 2424 صالة عرض مع بداية السبعينيات، وظهر الكثير من المخرجين الشباب، أبرزهم يلماز غوناي، الذي حصل على الكثير من الجوائز السينمائية، أهمها السعفة الذهبية في مهرجان كان الفرنسي، سنة 1982، عن فيلمه «الطريق».
تم تنظيم العمل السينمائي في نهاية الثمانينيات بطرح عدة قوانين تكفل حقوق العاملين في الحقل السينمائي، وقيام وزارة الثقافة بإنشاء دائرة «الاتحاد المهني السينمائي» سنة 1987.
ولقد نافست السينما التركية عالمياً بشكل فعلي في التسعينيات، حيث غلب الطرح الفكري والفلسفي العميق ومناقشة اشكاليات المجتمع والمرأة والتحرر. ومن أهم من ظهروا في التسعينيات نوري جيلان، الذي حصد الكثير من الجوائز السينمائية، أهمها السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي، في دورته السابعة والستين، قبل أيام، عن فيلمه «السبات الشتوي».
٭ مخرج سينمائي سوري
مالك نجار