لأنه يتغنى ويُتلهى به في الشعر: عبد القاهر الجرجاني وحظ الوزن داخل معمار نظريته

حجم الخط
1

يقدم لنا عبد القاهر الجرجاني في كتابيه «دلائل الإعجاز» و«أسرار البلاغة»، بنسبٍ ومستوياتٍ متباينة، ما يمكن أن نصطلح عليه بتفسيرٍ لغوي ـ دلالي لوجوه النظْم التي بها يتحقق الإعجاز في القرآن، مستنداً إلى خلفية نظرية تمنح لنحو المعاني/ معاني النحو فاعليةً في تحليل المبادئ الناظمة للمعمار اللغوي. وقد بذل عبدالقاهر جهداً مُضنياً لكشف إبهام البلاغة الذي ورثهُ، وتَوْقاً إلى «أنْ تُقَر الأمور قرارها، وتُوضع الأشياء مواضعها، والنزاع إلى بيان ما يُشْكل، وحل ما ينعقد، والكشف عما يخفى».

تأرجحٌ بين اللفظ والمعنى

كان بلاغيو القرآن قد ردوا الإعجاز إلى فصاحته باعتبارها جِهازاً يكشف عن نظم الكلام، وضم بعضها إلى بعض على نحوٍ مخصوصٍ تظهر به الفائدة، كما انتهى ذلك إلى القاضي عبد الجبار، الذي جعل الكلام «كالبناء، والنساجة، والصياغة»، وحدد موقع الفصاحة فيه من اعتبار أن طرائق الضم والتأليف تتباين ويتسع مجالها للإمكانات التي يُتيحها السياق، «فتختلف لذلك مراتبه في الفصاحة». وإذا كان ذلك يكشف تطوراً في فهم النظم وآليات عمله، إلا أنه يوحى لنا من كلام القاضي بأن طرائق الضم والتركيب تنحصر فعاليتها وحسب، في الألفاظ المتضامة وفق الموقع والإعراب، بدون اعتبار للمعنى، وهو يقول: «فإن قال: فقد قلتم في أن جملة ما يدخل في الفصاحة حسن المعنى، فهلا اعتبرتموه؟ قيل له: إن المعاني، وإن كان لا بد منها فلا تظهر فيها المزية، وإن كانت تظهر في الكلام لأجلها». وبالنتيجة، فإن شرط الحسن في المعنى ليس آكداً في تحقيق الفصاحة، ذلك أن «المعاني لا يقع فيها تزايد، فإذن يجب أن يكون الذي يعتبر التزايد عند الألفاظ التي يعبر بها عنها».
بيد أن عبد القاهر، في «دلائل الإعجاز» بخاصة، تجاوز ذلك إلى وضع اليد على الخصائص التي تعرض في نظم الكلام، وزعم أن المعرفة بها «معرفة الصنع الحاذق الذي يعلم عِلْمَ كل خيْطٍ من الأبْرِيسَم الذي في الديباج»، فكان مسعاه بحث المكونات التي تستخلص من مظان هذا النظم، بما في ذلك غرض المتكلم أو قصده، والتشكيل اللغوي، والقرائن المقالية والحالية، وفَهْم المخاطَب، عدا تحديد العلاقة بين القاعدة النحوية وفهم الدلالة، وكيفية وقوع المواءمة بين الاختيار أو القصد والائتلاف. ولقد أقر عبد القاهر، من البداية، بـ«أن لا جهة لاستعمال هذه الخصال غيْرُ أن يؤتى المعنى من الجهة التي هي أصح لتأديته، ويُختار له اللفظ الذي هو أخص به، وأكشف عنه، وأتم له، وأحرى بأن يُكسِبه نبلاً، ويُظهِر فيه مزية». فالفصاحة، في تصوره، لا تتوقف على كَوْن هذه الكلمة مألوفةً مستعملةً، وتلك غريبة وحشية، أو أنْ تكون حروف هذه أخف، ولكن تعتبر فصاحتها بالنظر إلى مكانها في النظم، و«من ملاءمة معناها لمعنى جاراتها، وفضل مُؤانَستها لأخواتها». ومن ثمة، يبحث في خصائص النظم حسب المعاني والأغراض المقصودة، مؤكداً أنه «ليس من فضلٍ ومزية إلا حسب الوضع، وحسب المعنى الذي تُرتب، والغرض الذي تَؤم».

أفضلية المعنى

مع ما يمكن لنا ملاحظته من تَأرجُح فكر عبد القاهر بين اللفظ والمعنى، ومن أن وجه الفصاحة لا يتم إلا إذا تعلق اللفظ بالمعنى؛ فالمُرَجح أنه، بالنظر إلى وفرة الشواهد التي حاج بها، قد اهتَم بالمعنى دون اللفظ، وأعلى من شأن المعنى، وبدا كأنه يُناظِر مذهبًا جعَل المزية للفظ دون المعنى؛ فهو يُرجِع المزية إلى المعاني في حُسْنِ الاتساق والترتيب، لا إلى الألفاظ التي هي عنده مُجرد «أوعِيَة للمعاني» تتبعها في مَواقِعها، مثلما هي عنده «خدم المعاني، والمصرفة في حكمها». فالغرض، إذن، من نظم الكلام ما تَناسَقت دلالاتها وتلاقَتْ معانيها، لا تَوالِي ألفاظها في النطق على الوجه الذي اقْتَضَاه العقل؛ لذا جعل النظم رديفاً للصياغة والتحبير، والتفويف والنقش. إنه جعل الأمر في هذه الأشياء المعتمدة على اللفظ مصروفاً كله إلى المعاني التي تحكمها في باب التشبيه أو الاستعارة أو المجاز. وقد كشف عن ذلك في «أسرار البلاغة». يقول: «وأما التطبيق والاستعارة وسائر أقسام البديع، فلا شبهة أن الحسن والقبح لا يعترض الكلام بهما إلا من جهة المعاني خاصة، من غير أن يكون للألفاظ في ذلك نصيب، أو يكون لها في التحسين، أو خلاف التحسين، تصعيد وتصويب».
لقد كان رهان عبد القاهر، هنا، هو تحليل الألفاظ المتصرفة بأمر المعاني التي تحكمها، والبيان عن وجه حُسْنها وقُبْحها، أو خطئها وصوابها، ومراتبها من العلو والنزول. ولم يَفُتْه الحديث عن فصاحة اللفظ، إلا أن ذلك كان يتم في سياق دعم نظريته في النظم والمجاز، وبالتالي لم يحصر الإعجاز أو الفصاحة في الألفاظ، سواء تعلق الأمر بسهولتها أم بأصواتها، بل في ما لها من علاقات مع المعنى. فالمحسنات البديعية، بالنتيجة، ليست لها مزية في ذاتها، بل هي مجرد عناصر شكلية، متجاورة وثانية. ومن الخطأ اعتبار وجوهٍ كالجناس والسجع من فصاحة اللفظ، رغماً عن ارتباطها بالمستوى الصوتي للألفاظ، فقد «يتوهم في بدء الفكرة، وقبل إتمام العبرة، أن الحسن والقبح فيها لا يتعدى اللفظ والجرس. وعلى الجملة فإنك لا تجد تجنيساً مقبولاً، ولا سجعاً حسناً، حتى يكون المعنى هو الذي طلبه واستدعاه وساق نحوه، وحتى تجده لا تبتغي به بدلاً، ولا تجد عنه حولاً».

ذم الوزن… سلب الإيقاع

وإذا كان عنصر التجنيس، شأنه شأن السجع، قد أثار انتباهه باعتباره، إلا أنه أشار إلى أن لا مزية له في نفسه، أي باعتباره أصواتاً وتوقيعاتٍ مسموعة لا تتعدى الجرس اللفظي. ومع ما له من قيمة بنائية، واعتراف العلماء بالشعر برُكْنيته في معمار القصيدة العربية، لم يكن عنصر الوزن بأحسن حالاً داخل نظرية النظم عنده ، بحيث ذمه وسلبه المزية، حتى كاد يزهد في الاشتغال بالشعر بسبب أوزانه وتقفيته، ذاكراً ببعض الآثار الواردة عن الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك، وبأن الغناء شرطه الوزن ودعا إليه، إذ زعم «أنه إنما كُرِه الوزن لأنه سببٌ لأن يُتغنى به في الشعر ويُتلهى به».
بسبب هذا الموقف الأخلاقي الذي اتخذه عبد القاهر على نحو صريح، جعل الوزن لا يحظى بالاعتبار في بناء نظريته، مَعيباُ بـ«شبهة الكراهة». ومفهومٌ لدينا أنه وقع تحت رقابة القرآن والقول بإعجازه، وبقي نقاشه حول البلاغة مقيداً برؤيته إلى بلاغة الإعجاز التي تضمن تفوق النص القرآني، وتُقْصي كل العناصر والأنساق القابلة للقياس والعد في «ترتيب الحركات والسكنات»، بما في الوزن تحديداً. فهو، من جهةٍ، يريد أن ينفي عن القرآن القول بأنه تحدى العرب بأن «يأتوا بكلامٍ تكون كلماته على تواليه في زنة كلمات القرآن، وحتى كأن الذي بان به/ القرآن من الوصف في سبيل بَيْنونة بحور الشعر بعضها من بعض».
ومن جهة أخرى، ينفي عنه القول بأن يأتوا بكلامٍ له مقاطع وفواصل مما ليس يتجاوز مراعاة وزن، لأن «الفواصل في الآي كالقوافي في الشعر، وقد علمنا اقتدارهم على القوافي كيف هو». وزاد، قائلاً: «ولا يجوز أن يكون الإعجازُ بأن لم يلتقِ في حروفه ما يَثْقل على اللسان».
لو أن عبد القاهر الجرجاني تجاوز فرضيات بلاغة الإعجاز في تحليله بلاغة الشعر التي مهد لها وعاركها في «الأسرار»، لكُنا حقيقة أمام قيمةٍ مُضافة في تصوره للبناء الصوتي، وللإيقاع عامة. لكنه لم ينفتح على الشعر إلا في حدود من مستوى نظمه وبلاغته وبيانه، فيما أزاح كل ما له علاقة بالصوْت والانتظام الإيقاعي الذي وصمه وحط منه. ونتساءل كيف أنه حلل آليات النظم في الشعر بدون أن يلتفت إلى ثقل المكون الصوتي فيه، وكيف عالج الجمل الشعرية، وفككها بمنأى عن عقد الوزن الذي انتظمها وجعلها تأخذ الصورة التي هي عليها:
وَلما قضينا من منىً كل حــــاجةٍ ومسحَ بالأركانِ من هو ماسح وشُدتْ على دُهْم المهارَى رحالنا ولم ينظر الغادي الذي هو رائحُ
أخَذْنا بأطرافِ الأحاديث بَيْننا وَسالتْ بأعناقِ المطي الأباطحُ
ولنا أن نتأمل ما قاله في الأبيات التي أرجع جماليتها إلى الاستعارة والإصابة في الوصف وحسن الترتيب، لا إلى الإيقاع الذي بدا كأنه «الماء جرياناً والهواء لطفاً»، حتى إن توسم فيها شيئاً من هذا الإيقاع السريع المتدفق، بقوله: «أراد أنها سارت سيراً حثيثاً في غاية السرعة، وكانت سرعةً في لين وسلاسة، حتى كأنها كانت سيولاً وقعت في تلك الأباطح فجرتْ بها».
مثل هذا التحليل الذي غلب فيه عبد القاهر الجرجاني ما هو دلالي على ما هو إيقاعي يكثر عبر شواهد الشعر التي ساقها، فما كان يهمه فيه هو المعنى والنظم، أما الوزن «فليقل في الوزن ما شاء، وليضعه حيث أراد، فليس يعنينا أمره، ولا هو مُرادنا من هذا الذي راجعنا القول فيه». ففي نظره، إذن، ليس هناك كلامٌ شعري حتى يكون هناك قصْدٌ إلى صورة وصنعة، وأنه ليس ذلك في الألفاظ، وإنما الذي يُتصور أن يكون مقصوداً في الألفاظ هو «الوزن»، وليس هو من كلامنا في شيء، لأنا نحن في ما لا يكون الكلام كلاماً إلا به، وليس للوزن مَدْخلٌ في ذلك».
بهذا المنظور الذي يكشف تحرج عبد القاهر وذمه له، فلا حظ للوزن من البلاغة في شيء؛ وبالتالي، فكل دال من جملة دوال البناء الصوتي- الإيقاعي مما ينتظم الكلام إيقاعياً، هو مُجرد حلية، هيئة صورية، وخارج دائرة الفصاحة، وخارج مسار إنتاج المعنى: السجع، التجنيس والوزن.
ولهذا نفهم لماذا كان يعرض لهذه العناصر التي احتفى بها الشعر العربي واختصت بها بنيته، في سياق السلْب. لا قيمة للمكون الصوتي داخل نظريته في النظم المدعومة بالمنظور الإعجازي، المتعالي وغير القابل للمحاكاة والقياس.
إنه، نظراً لذلك التمايز المتحدي الذي اتصف به أسلوبه، ليس للشعر وحسب، وإنما لجميع أساليب القول النثري، فقد أصبح القرآن بـ«مبعدةٍ عن التقليد ومحاولة العرب النسج على منواله أو التطلع لمجاراته والاحتذاء به»، لأن «حواجز القدسية والإعجاز» صرفتهم عن ذلك.

٭ شاعر مغربي

لأنه يتغنى ويُتلهى به في الشعر: عبد القاهر الجرجاني وحظ الوزن داخل معمار نظريته

عبد اللطيف الوراري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية