لائحة المحظورات التي يتنفسها المصريون

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي» محمد عبد الرحيم: أن تعيش في مصر، فلابد أن تحيا في ظِل لائحة طويلة من الممنوعات، المباح فقط هو الاستثناء، بينما حالة المنع هي الأساس، فكان لابد من التحايل واختلاس أبسط الحقوق الإنسانية. فعل الخفاء هذا هو سِمة الحياة في مصر، الخفاء في أن تتحدث، وتكتب، أو تحب، وبالطبع أن تصنع فناً. وتبعاً لذلك وبما أن الحياة تسير في مدار المنع، قامت المخرجة أمل رمسيس بتصوير فيلمها الوثائقي خلسة، من دون تصريح رقابي، ومن دون عرض السيناريو على الرقابة، فما كان إلا أن أطلقت عليه اسم «ممنوع» ككلمة تدل على الحالة التي يعيشها المصريون ــ مدة الفيلم 67 دقيقة، إنتاج مصري إسباني، عُرض مؤخراً في مركز دوم للثقافة والفنون في القاهرة ــ الفيلم تم تصويره قبل أشهر قليلة من ثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني 2011، وانتهت منه ــ حسب قولها ــ ليلة الثورة.
وقتها كان قانون الطوارئ تسري نصوصه فوق رقاب الجميع، وقتها كان الحزب الحاكم وانتخابات مجلس الشعب المزورة، وقتها كانت التظاهرات ممنوعة، وتكوين الأحزاب وضعت له الشروط المستحيلة، ليدخل ضمناً في دائرة المنع، وقتها كان رجال الشرطة وأيديهم المطلقة على الجميع، وقتها تم قتل خالد سعيد، وتم قمع إضرابات عمال المحلة بالضرب والغاز المسيّل للدموع والحبس، وقتها كان الجو العام خانق بدرجة مرعبة.

يتوحدون في المنع

تتخذ أمل رمسيس عدة شخصيات لتحكي من خلالهم حكايتها، بعضهم معروف للعامة، كالمخرجة عرب لطفي، نوارة نجم، ومحمد واكد، كذلك شخصيات أخرى تعبّر عن فئات اجتماعية مختلفة، كالموظفات وعاملة في أحد المنازل ــ كمحاولة لخلق حالة من التوازن في الشخصيات، وأن تشمل المجتمع بأكمله ــ حالة المنع تطول الجميع، بداية من منع التظاهرات، كما في حالة الناشطين السياسيين كنوارة وواكد، مروراً بالمنع الاجتماعي، كرغبة إحدى الموظفات خلع حجابها، فهي تكره ملامحها محبوسة في إطاره، لكنها تخشى المجتمع، فستوسَم مباشرة بالانحلال وسوء السُمعة، وصولاً إلى امرأة تعمل في منزل، وبما أن العمل في مثل هذه المهنة يُعد عاراً ــ اضطرت المرأة للعمل بعد مرض زوجها ــ فهي تعمل في الخفاء، من دون علم أهلها.
حاولت رمسيس أن تؤصل لحالة الفساد السياسي، وأن يصبح المجتمع بدوره آلة لهذا النهج. الفساد هنا يخلق أدواته من خلال الأفراد أنفسهم. فكرة السلطة وخلق المحاذير، فكرة توارث القهر والتمثل به هي أهم الأفكار التي طرحها الفيلم من دون مباشرة ــ رغم البناء التقليدي للفيلم ــ فالمخاليق بدورهم ينتظرون الفرصة ليصبحوا بدورهم سُلطة على الآخرين، هكذا شوّهتهم السلطة السياسية، وهكذا أصبح للسلطة الاجتماعية اليد العليا بين بقية الناس، والتواطؤ بينها والدولة غير خفي، بداية مما يُطلق عليه الحجاب، وصولاً إلى حماية الآداب والأخلاق، فلا يستطيع شاب أن يمسك بيد فتاة في الشارع، من دون أن تطاله نظرات الاستهجان أو السخرية، والكارثة لو كانت الفتاة تحمل قدراً من جمال ــ ليست من وجهة نظر صديقها أو حبيبها، بل من وجهة نظر أمين الشرطة المُكلّف ببث طمأنينة الأخلاق بين أفراد الشعب ــ هذا السؤال تم طرحه على جميع الشخصيات الرئيسة في الفيلم.. فما هو معيار خدش الحياء أو الفعل الفاضح، وما الحل إن حدث ــ 80٪ من المحاضر الرسمية والقضايا توجّه لعشاق كورنيش النيل ــ قالت نوارة نجم في بساطة «حسب البيه الضابط ما يشوف». الأمر متروك لهوى رجل الأمن، الذي أصبح بدوره يعتمد على مساعدات «الشرفاء» من المجتمع.

الأسوار الحديدية في القاهرة

تشير المخرجة عرب لطفي إلى شكل الأسوار في الشوارع والميادين، الأسوار من الحديد، وفيها بعض السلاسل الثقيلة، عند الفتحات والممرات، حتى سور الكورنيش، أصبح من الحديد المرتفع، هكذا المدينة الكبيرة، سجن كبير يحيط الجميع. وعن سيناريو أحد أفلامها تتحدث، فقد رفضته الرقابة، بينما تستعرض أمل رمسيس الأفلام المعروضة بالسينمات، التي بالطبع وافقت عليها الرقابة، وهي أعمال تتسم بالدونية وتخاطب غرائز الشعب المكبوت. في المقابل تنتشر المدرعات وسيارات الشرطة في الشوارع والميادين، لقمع مظاهرة تحسباً لقيامها. حالة الأسوار هذه تبدو في رحلة بعض الناشطين إلى غزة، عبر بوابة رفح، فالدولة لم تمانع في ذهابهم، وبعد تركهم أكثر من يوم أمام البوابة، لم تمنحهم التصريح بالدخول، وعادوا كما كانوا سيرتهم، في حلمهم أو وهمهم يعمهون. هكذا سياسة الدولة.. أنت حر في محاولة أن تفعل، أما المنع فهو الحد والحل الوحيد لتكف عن المحاولة.

تكوين الأحزاب وقضية خالد سعيد

يُشير محمد واكد إلى الشروط المستحيلة لتكوين حزب ما، يتساوى منع الحزب الديني والحزب الشيوعي ــ من دون وجود نص قانوني يمنع ذلك ــ وأن أمر إعطاء إنشاء حزب ما مرهون بموافقة أحد أهم رجال الحزب الحاكم ــ صفوت الشريف وقتها ــ وبالتالي فحركة «كفاية» رغم ما حققته ليست قانونية، كذلك «6 أبريل»، والجمعية الوطنية للتغيير، التي أسسها محمد البرادعي. والحركات والتنظيمات المُشابهة، كلها تعمل خارج الإطار القانوني.
من ناحية أخرى جاء مقتل خالد سعيد، الذي أوحى للجميع أنهم ليسوا بمنأى عن المصير نفسه، فالشاب لا علاقة له بضباط وزارة الداخلية، وليس من روادها، كخارج على القانون مثلاً، فالأمر أصبح أقرب للجميع مما يظنون.

أن تعيش في مصر

يتحدث الفيلم عن حال المصريين قبل يناير 2011، ولكن يبدو ــ للأسف ــ أن هذا الحال لم يتغير كثيراً، ليصبح الفيلم صالحاً للمُشاهدة، وإن لم تذكر المخرجة وقت وظروف إنتاجه ظننا أنها تتحدث عن اللحظة الراهنة التي نحياها، أو بمعنى أدق نحيا لائحة الممنوعات التي زادت، واتخذت أشكالاً جديدة.. حبس المتظاهرين، حبس أصحاب الرأي، مقتل المواطنين في أقسام الشرطة، والمُزحة الأخيرة، المتمثلة في القبض على المفطرين في الشهر الفضيل، من دون وجود أي نص قانوني يسمح بذلك.

لائحة المحظورات التي يتنفسها المصريون
الوثائقي «ممنوع» للمصرية أمل رمسيس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية