لاجئون للأبد

حجم الخط
0

الكشاف المتمركز حول محوره ويضيء في كل مرة زاوية مظلمة مختلفة في ساحات القتل في سوريا توقف للحظة على ساحة الرماية القاتلة التي يقوم بها النظام السوري في إقليم الغوطة الشرقية، حيث يعيش هناك تحت الحصار أكثر من 300 ألف شخص. المعاناة الجماعية تثير حقا عددا من التصريحات الجوفاء ونتج عنها قرار واحد للأمم المتحدة، نجح في التوصل إلى وقف لإطلاق النار لمدة 90 يوما، ولكن النار لا تتوقف حقا. وعندما تكون بؤرة واحدة بجذب انتباه العالم تبقى بؤر أخرى في الظلام، بعيدة عن العين العامة وعن الإعلام، الذي شبع إلى حد التقيؤ من وصف هذه الحرب، وخاصة عندما تملي الأرقام الكبيرة الاستطلاع.
وهكذا فإن مخيم اللاجئين اليرموك في جنوب دمشق قد نسي منذ فترة بعد ان أخذ مجده قبل حوالي سنتين. فقط 5 آلاف ساكن، معظمهم من الشيوخ والأرامل والأطفال بقوا في البيوت المهدمة، حيث كان في يوم ما يسكن فيه أكثر من 150 ألف شخص. على ثلثي المخيم تسيطر داعش وعلى الباقي تسيطر «سلطة تحرير سوريا» والتي عرفت في الماضي باسم جبهة النصرة. المعركة في المخيم بين هذين التنظيمين تجري تحت حصار مشدد من قبل الجيش السوري الذي لا ينجح في السيطرة عليه. والى جانبه تعمل حقا ميليشيا فلسطينية ولكن اساس عملها هو الدفاع عن السكان الباقين. غذاء وأدوية تصل بالقطارة، وقود للتدفئة لا يوجد، ولا يمكن الحديث عن خدمات مدنية.
إن ما زال مهتما بالحديث عن وضع اللاجئين الفلسطينيين في سوريا والذي لم يعد أحد تقريبا يهتم بهم، هو موقع «مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا»، التي تعمل من بريطانيا وتحاول نقل تقارير محددة عن الأحداث لمخيمات اللاجئين. حسب الموقع، 3.663 فلسطيني قتلوا حتى الآن في الحرب. في الإحصائيات التراجيدية لسوريا هذا رقم لا يثير الانطباع بشكل خاص، عدد القتلى الشامل يصل كما يبدو إلى أكثر من نصف مليون. وأكثر منه إثارة للقشعريرة هي القصص الشخصية التي يجمعها الموقع ضمن مشروع خاص الذي اسمه «هذه قصتنا» والذي بُدئ بنشره في 2017. هذا الأسبوع نشرت قصة رقم 33، قصة عبدالسلام الذي ولد في قرية عين التينة في محافظة صفد.
عبدالسلام هاجر إلى لبنان في 1948، انضم إلى منظمة التحرير وحارب في صفوفها ضد إسرائيل. في أعقاب حرب لبنان الثانية هرب من لبنان إلى أحد الدول العربية، ورجع إلى لبنان وسكن في مخيم شاتيلا، تزوج وعاد لسوريا. وهو يسترجع سيرة حياته منذ بداية الحرب في سوريا، تذكر من بين ما تذكر كيف طلب منه اطباء العيون في لبنان الذي هرب إليها من سوريا، أكثر من 2.000 دولار مقابل العلاجات التي لم تفد، لأنه احتاج إلى عملية عيون تكلفتها حوالي 10 آلاف دولار. «من أين يمكنني جلب مبالغ كهذه؟»، تساءل. عبدالسلام قرر ان يأخذ عائلته ويعود إلى سوريا. كانت تلك سفرة سلبت منه بضعة مئات من الدولارات لدفع رشوة للموظفين اللبنانيين في المعبر الحدودي، ودفع أموال عن كل شهر من الأشهر الثلاثة التي مكثها في الدولة متجاوزا فترة صلاحية الفيزا التي يحملها. أيضا الجانب السوري لم يوفر عليه المصاريف. لقد وضع كل واحد من الضباط السوريين في المعبر الحدودي في جيبه بضعة عشرات من الدولارات من أجل أن يسمحوا له بالدخول إلى البلاد التي هرب منها.
من سوريا قرر عبدالسلام الذهاب إلى تركيا، ولكن سرعان ما اتضح له ان كل حاجز على الطريق هو «دولة قائمة بذاتها» والتي يجب أن يتم فيها دفع رسوم مرور للميليشيات المحلية. 13 حاجزا اضطرت العائلة اجتيازها إلى ان وصلت إلى حاجز معروف في أوساط سكان في حماة كـ«أكثر الحواجز شرا».
في هذا الحاجز تعرض عبدالسلام إلى ضربات على رقبته، التي كانت ملفوفة بضمادة ثبتت فقرات العمود الفقري العلوي بعد أن عانى من انزلاق غضروفي. موظفو الحاجز فتشوا في جيوبه وغضبوا عندما تبين لهم أنه لا يوجد بها شيء يمكنهم أخذه. وحتى لا يوجد تلفون محمول.
«لماذا لا يوجد لديك تلفون محمول؟»، سألوه. «لأنني لا أعرف القراءة والكتابة»، أجاب. ولكن كان لدى عبدالسلام 2.500 دولار خيطها على ملابسه الداخلية، ولدى التفتيش الدقيق في اليوم التالي وجد الجنود المبلغ. «الضابط أحضر لي ورقة عليها صورة 500 دولار وأمرني بالتوقيع بأنهم وجدوها لديهم. فهمت ماذا يريد، ووقعت». هكذا اختفت الـ 2.000 دولار في جيب الضابط.
باقي الطريق أكملها في سيارة عسكرية برفقة خمسة جنود سوريين معتقلين، اتهموا بالفرار من الخدمة، وسوية معهم سجن ثانية في سجن البولوني في مدينة حمص، والذي نقل منه إلى سجن في دمشق. هناك تعرض لتعذيبات مختلفة ومتعددة، من ضربات بالعصي وضرب الكرسي على رأسه حتى الصدمات الكهربائية. استمر التعذيب ثلاثة شهور إلى أن أطلقوا سراحه. من السجن توجه عبدالسلام إلى عمته في دمشق من أجل الحصول على مبلغ 700 دولار من أجل الهرب إلى تركيا. بعد أن نجح في اجتياز الحواجز على الطريق حاول عدة مرات الدخول إلى تركيا، وفي كل مرة اعتقل وأعيد إلى سوريا إلى أن نجح أخيرا في التسلل وحتى انه وصل إلى اليونان، مكث هناك تسعة شهور ومن هناك انتقل إلى ألمانيا التي وصلتها عائلته قبل ذلك.
كما يبدو، قصة عبدالسلام ليست مختلفة عن قصص ملايين اللاجئين السوريين الآخرين. على الأقل هو وأبناء عائلته ظلوا أحياء ووجدوا ملجأ. ولكن خلافا للاجئين السوريين الذين يوجد لديهم وطن للرجوع اليه في يوم من الأيام، فإن اللاجئين الفلسطينيين الذين ليس لديهم مواطنة أو انتماء. سيواصل كونهم لاجئين للأبد، أيضا عندما يستطيعون العودة إلى سوريا.

هآرتس 5/3/2018

لاجئون للأبد
الفلسطينيون الذين تمكنوا من الهرب من سوريا لن يكون لديهم وطن آخر
تسفي برئيل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية