قصص إنسانية تدمي القلب هي تلك التي يرويها اللاجئون الآسيويون والأفارقة الذين ركبوا المخاطر والمهالك هربا من خراب بلدانهم ودمار ديارهم حتى انتهت بهم رحلات العذاب في معسكر في مدينة كالي الفرنسية القاسية القلب الكالحة الوجه. ماذا يفعل هؤلاء المساكين في بلاد لا تريد مجرد النظر إلى وجوههم؟ يحلمون جميعهم بترك فرنسا خلف ظهورهم، غير مبكيّ ولا مأسوف عليها، وببلوغ الأراضي البريطانية التي قال لهم أبناء عمومتهم ومعارفهم، ممن نجحوا في ملحمة الخروج العظيم، إنها أرض مباركة باللبن والعسل وسهولة السعي في طلب الرزق.
ولهذا فإن هؤلاء اللاجئين لم يتوقفوا، على مدى الأعوام العشرين الماضية، عن محاولات التسلل إلى الأراضي البريطانية. كان معظمهم يتربصون أسابيع بل شهورا، حتى إذا حانت الفرصة اختبأوا تحت جنح الليل بين الصنادل والصناديق على متن سفن الشحن المتنقلة عبر مياه القنال الانكليزي. ولكن تشديد الحراسة حول ميناء كالي منذ بداية حزيران/يونيو الماضي – بإقامة سياج بارتفاع ستة أمتار تعلوه الأسلاك الشائكة – قد ألجأهم إلى محاولة التسلل عبر نفق القنال إما سيرا على الأقدام أو قفزا وتخفيا في العربات والشاحنات والقطارات. بل إن بعضهم حاول اجتياز كامل المسافة الفاصلة بين فرنسا وبريطانيا سباحة في مياه القنال! وقد اكتشف صحافي نرويجي أخيرا أن لاجئا سوريا حاصلا على شهادة في الهندسة الالكترونية مات غرقا في القنال. وبعد التحقيق توصل إلى تحديد هوية الشاب الهالك والاتصال بأهله اللاجئين في الأردن.
ويبدو أن تعوّد فرنسا الرسمية على التنصل من التزاماتها القانونية – في سياق ما سميناه الأسبوع الماضي بـ»عشوائية السياسات وصبيانية التصرفات» الأوروبية في معالجة قضية اللجوء والهجرة – قد جعلها عاجزة، لطول العهد، عن إدراك مدى لاإنسانية تعاملها مع اللاجئين الذين دأبت على تجميعهم في معسكر كالي (حيث يوجد الآن خمسة آلاف منهم) دون منحهم أي أمل بدراسة طلباتهم. ومما شجع فرنسا على المضي في هذا المسلك المخزي ركونها الواضح إلى أمان الاعتقاد بأن هؤلاء المساكين لا يريدون البقاء في فرنسا ولا يحلمون إلا بالتمكن من الوصول إلى الأراضي البريطانية. والدليل أن 140 لاجئا تمكنوا ليلة 29 تموز/يوليو لوحدها (ناهيك عن بقية الليالي) من الوصول إلى بريطانيا رغم تشديد الحراسة والقيود. إلا أن مقتل ما لا يقل عن تسعة أفراد منذ بداية حزيران/يونيو الماضي يؤكد أن محاولات التسلل عبر نفق القنال بالغة الخطر.
ولكن تعريف الخطر مسألة ذاتية. فما لا يطاق بالنسبة للمحظوظين قد يكون أفضل الخيارات بالنسبة للمنكوبين. ولهذا عندما خاطبت صحافية لوموند الشاب الأرتري طارق سائلة: «والخطر؟»، أجاب: «أي خطر؟!» ذلك أنه مثابر منذ شهر مثابرة يومية على محاولة التسلل إلى بريطانيا. بل إنه أصبح أمضى عزما بعد أن نجح أربعة من رفاقه الأسبوع الماضي في تحقيق الحلم. وعندما سألت صحافية البي بي سي اللاجئ السوري محمد: «والخطر؟»، أجاب: «أي خطر؟! مقارنة بالحرب والقتل والدماء، ليس ما نقدم عليه هنا بشيء يذكر. إننا نريد الوصول إلى بريطانيا لأننا نستطيع العمل هناك. قولوا لحكومتكم أن تفتح الحدود. لا نريد منكم مالا أو مساعدة. لا نريد العيش على الضمان الاجتماعي. أنا ميكانيكي وسوف أجد عملا فور وصولي».
لقد كانت مفاجأة لبريطانيا أن تكتشف في الأيام الماضية شدة التهاون الفرنسي في مسألة منع اللاجئين من الإلقاء بأيديهم إلى التهلكة. وقد بلغ الاستياء لدى بعض الساسة حد إطلاق دعوات لنشر الجيش البريطاني على الحدود! صحيح أنه تم الاتفاق بين لندن وباريس على تخصيص مزيد من الأموال لإحكام الإجراءات الأمنية في محطة نفق القنال في مدينة كوكيل الفرنسية. ولكن هذه إجراءات محدودة الأثر. ولهذا فإن ما تريده بريطانيا، على المستوى السياسي، هو إقناع بقية البلدان الأوربية بالتعاون في محاولة إعادة كثير من اللاجئين إلى بلدانهم. وتعد «إعادة التوطين» هذه، على فرض تطبيقها، سياسة جديدة. ورغم أن هدفها الأول هو منع تدفق مزيد من اللاجئين المحتملين ممن لا يزالون الآن في الضفة الجنوبية من المتوسط، فإن الهدف على المدى البعيد هو إقامة مناطق آمنة في إفريقيا الشرقية والشمالية لإيواء أولئك اللاجئين حقا فرارا من الاستبداد والاضطهاد، بخلاف النازحين أملا في تحسين أوضاعهم المعيشية.
٭ كاتب تونسي
مالك التريكي