لاسرائيل فم كبير، ولسان طلق، وصوت جهوري. بهذه الميزات النادرة، تمتلك اسرائيل قدرة خارقة على اسماع صوتها، ونشر اخبارها، وتعميم افكارها، وتعريف العواصم الاهم في العالم بقناعاتها وادعاءاتها، وتشويه سمعة الفلسطينيين ونضالاتهم اساسا، وسمعة العرب وما هم عليه ايضا.
لكن لاسرائيل، ذات الفم الكبير، أُذنا صغيرة. فهي ما سمعت في الماضي، ولا تسمع الآن صوت ضحاياها الفلسطينيين والعرب. وهي تعايشت مع هذا الواقع لعقود كثيرة. ولما لم يكلِّفها صممها هذا لا ثمنا باهظا ولا ثمنا بخسا ايضا، استمرأته، فأدمنته.
تغيرت الاوضاع، بطبيعة الحال، وهي متغيرة على الدوام بفعل قوانين الطبيعة، فانضمت إلى الصوت الفلسطيني والعربي اصوات كثيرة اخرى، اصوات من كانوا عاجزين عن النطق في ايام الاستعمار لدول وشعوب آسيا وافريقيا، وعندما استعادت هذه الشعوب لسانها وقدرتها على النطق، مع اندحار الاستعمار، وقفت باعلى صوتها مع الحق الفلسطيني والعربي. لكن هذه الاضافة ايضا لم تقوَ على اختراق أُذن اسرائيل الصغيرة.
لحق بذلك صوت الزعيم الفرنسي الكبير شارل ديغول، محذرا اسرائيل من المبادرة إلى الحرب ضد مصر في صيف العام 1967، ولم تسمع له اسرائيل، فألحق ديغول صوته بفعل: امر بحظر شحن الاسلحة الفرنسية إلى اسرائيل، (وكان اهمها طائرات الميراج)، واوقف دعم برنامجها النووي في مفاعل ديمونا. لكن دعم أمريكا ليندون جونسون، وكل من تعاقبوا على البيت الابيض بعده، كفل لاسرائيل استمرار تزويد ترسانتها العسكرية، ليس بكل ما تحتاجه فقط، بل بكل ما يمكنها استيعابه ايضا. وهكذا الغت أمريكا مفعول القرار الفرنسي.
في هذه الفترة، بدأ تعزيز الصوت الفلسطيني والعربي بالافعال، وتمثل ذلك التعزيز بانطلاقة حركة فتح وبما لحق بها من تنظيمات، وتمثل باكثر وباوضح من ذلك في «حرب الاستنزاف» وحرب اكتوبر 1973.
ومهما كانت القناعات حول تأثير فعل هذه الحرب، فانها تتموضع بين قُطبَي اعتبارها «نقطة فاصلة» او «حرب تحريك». وفي أي من النقطتين، كما في أي نقطة ثالثة بينهما، شكلت السبب الرئيسي، ان لم يكن الوحيد، في ارغام اسرائيل على تغيير نظرتها للعرب وقدراتهم، وفي تغيير جذري لرؤية الاسرائيليين لنفسهم ولقوتهم. وانتج كل ذلك انسحاب جيش الاحتلال الاسرائيلي من كل سيناء.
هذا الدرس الذي تعلمناه في طريقة التعامل والتعاطي مع كائن «يعاني» من تشويه خَلْقي يتمثل بأُذن صغيرة، يجدر بنا ان لا ننساه، وان لا ننسى فحواه: مع الاصم، صاحب الأُذن الصغيرة، يستدعي ابلاغ الرسالة استخدام الاسنان ايضا، وليس اللسان فقط.
كل ذلك لا يعني بالمطلق التوقف عن إطلاق الصوت عاليا ومدويا وواضحا. هذا الصوت المطالب بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، سمعته آذان العالم، بمن فيهم الاقرب لاسرائيل في أوروبا. هذا الصوت يتردد صداه الآن في اغلب قارات ودول العالم، بل حتى في القطاعات المستنيرة في اكثر الدول صمما عن سماع صوت ضحايا الاحتلال والاستعمار الاسرائيلي، كما نلاحظ ذلك في جامعات تلك الدول ومعاهدها وشبابها وكنائسها المستنيرة العاقلة، كما نلمس ذلك في انجازات ونتائج نشاطات الـ «BDS».
اسرائيل ذات الفم الكبير والأُذن الصغيرة، تتمتع بيد طويلة، وتعاني من بطن رخو. يدها الطويلة التي تطال حمّام الشط في تونس وعنتيبي في اوغندا، ترتكز على بطن رخو، هو مجتمعها المدني الذي تسميه «الجبهة الداخلية».
وعلى هذه «الجبهة»، البالغة الحساسية، يمكن للعقل السياسي الفلسطيني المناضل الواعي ان يؤثر، بل ان يؤثر كثيرا جدا، لكسب قطاعات مؤثرة وحاسمة داخل هذا المجتمع، إلى جانب قضيتنا الجوهرية ومطالبنا العادلة. اعتماد القيادة الفلسطينية سياسة تركز على التعاطي مع المجتمع المدني في اسرائيل، للتاثير فيه، ولكسب مؤيدين ومناصرين للحقوق الفلسطينية، يستدعي الاستعانة بالكتلة البشرية الفلسطينية وما تختزنه من طاقات، بدءًا من رفع الشعارات والاعتصامات والمظاهرات السلمية، وصولا إلى العصيان المدني وغير المدني، اضافة إلى تحفيز ورعاية وقيادة انتفاضة سلمية، على غرار الانتفاضة الاولى، مع حرص جدي تماما، على منع الحاق الضرر بقطاع التعليم الفلسطيني في كافة المستويات.
هذا لا يمنع استخداما ذكيا وشرعيا للذراع الفلسطينية، إذا استدعت الظروف ذلك. ويكفي التذكير في هذا السياق، بان اسرائيل اضطرت إلى الطلب رسميا، ولاول مرة، وقف اطلاق النار مع قوات الثورة الفلسطينية، في مثل هذا اليوم قبل خمسة وثلاثين عاما، (22.7.1981)، عندما طالت اولى قذائف مدفع الـ 120 ملم (الوحيد الذي كان في حوزة قوات الثورة الفلسطينية)، اطراف مدينة نهاريا، إلى الشمال من عكا. [وهذا، بالمناسبة، هو ما دفع اسرائيل لاحقا إلى تنفيذ مخططها في اجتياح لبنان وحصار بيروت في صيف العام 1982].
اذا كان ليس من الحكمة المبادرة، بل ولا حتى الرد على استفزازات واستدراجات اسرائيل، باعمال وعمليات تعطي اسرائيل مبررا لاستخدام قواتها العسكرية ويدها الطويلة، فانه ليس من الوطنية في شيئ اعتماد «المفاوضات» اسلوب حياة، واحدا ووحيدا. لقد اخذنا عقودا من حياة ومعاناة شعبنا رافعين شعار: الكفاح المسلح طريق «وحيد» للتحرير. وبعد هذه العقود المليئة بالدم والدموع والانجازات الهائلة، اكتشفنا ان «الكفاح المسلح» هو عمل وشرط لا بد منه للتقدم نحو استعادة حقوق شعبنا، ولكنه ليس «الوحيد». لقد كان سببا في انتزاع الاعتراف العربي والدولي بهذه الحقوق، وكان المحفّز الاهم لتحرك شعبي فلسطيني شامل اسمه « الانتفاضة»، اجبر عدونا على فتح أُذنه «الصغيرة» في اوسلو، وفي ما تلا اوسلو. لكننا لم نعرف، ولم نتقن دفع هذا التطور في مسيرة الصراع الفلسطيني الاسرائيلي إلى محطته الاخيرة، محطة اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وصولا إلى المحطة النهائية للمسيرة: محطة استعادة شعبنا لكامل حقوقه باسلوب انساني حضاري، وفق قاعدة «لا يموت الذئب، ولا يفنى الغنم».
إذا كانت للحكومات الاسرائيلية أُذنا صغيرة، فان للبطن الرخو الذي تستند اليه الذراع الاسرائيلية أُذنا كبيرة، قابلة جدا لسماع كل همسة وكلمة فلسطينية واضحة عاقلة، والتجاوب معها.
٭ كاتب فلسطيني
عماد شقور