لاهوت «الصواب السياسي» وأزمة الفئات الوسطى

حجم الخط
1

■ اشتُهرت الأدبيات الماركسية التقليدية بعدائها وتقريعها الدائم لما تسميه «البورجوازية الصغيرة»، فكل موقف لا يكون على هوى الأحزاب والمنظرين الشيوعيين هو موقف بورجوازي صغير، منحرف عما يمليه الوعي الطبقي «السليم» للطبقة العاملة. هذا الميل لم يقتصر في الواقع على الشيوعيين التقليديين، بل استعارته أيضاً التيارات الفكرية والفنية الطليعية في القرن العشرين، وطبع حتى التيارات الماركسية «التجديدية»، التي سخرت دوما من «الرجل الصغير»، على حد تعبير عالم النفس الألماني فيلهلم رايش.
إلا أن الماركسيين وأقربائهم الفكريين، الذين طبعوا القرن الماضي بطابعهم، لم يستطيعوا أن يتجاوزوا يوماً حقيقة أن كثيراً من قادة الطبقة العاملة والمناضلين الشيوعيين يتحدرون من الفئات الوسطى، محامين وصحافيين ومدرّسين، أي بورجوازيين صغارا. التبرير الوحيد الممكن كان موضوع «الانسلاخ الطبقي» ومقولة فريدرك إنجلس عن «الإنتلجنسيا»، التي هي الزهرة التي تنمو على صدر الطبقة العاملة. وبالفعل كان التحالف بين الأنتلجنسيا (المثقفين الثورويين) والطبقة العاملة حتى منتصف السبعينيات من القرن الماضي هو الوضع الطبيعي، وكان متعلمو الفئة الوسطى يخجلون من صفة «بورجوازي»، ويحاولون الالتزام قدر الإمكان بما يبدو لهم موقفاً عمالياً صحيحاً. من جهة أخرى كانت الحركات الطلابية نصيراً مزمناً للحراك العمالي.
شيء ما حدث منذ السبعينيات وقلب هذه المعادلة الاجتماعية رأساً على عقب، التحليل التقليدي يؤكد أن الطبقة العاملة تراجعت عددياً، ومن حيث الأهمية الاقتصادية والاجتماعية، ما حرر ثقافة الفئات الوسطى من الارتباط بها. هذا التحليل يحمل الكثير من الوجاهة ولكنه ليس كافياً لفهم الوضع المعقد لأزمة الفئات العاملة والوسطى.

نهاية «الليبرالية الراسخة»

الأهمية الكبرى التي اكتسبتها الطبقة العاملة، اجتماعياً وثقافياً، في العالم الغربي لم تأت من انتصار للمبادئ الماركسية، كما حدث في «الدول العمالية» في المعسكر الشرقي، بل أساساً بسبب ما يعرف بـ«الليبرالية الراسخة» أو «دولة الرفاه»، التي كانت الأساس في التنظيم السياسي والاجتماعي في الدول الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، فبعد «الصفقة العادلة» التي طرحها الرئيس الأمريكي هاري ترومان ومشروع مارشال لإعادة بناء أوروبا الغربية، استقر النمو الاقتصادي والبناء الاجتماعي على معادلة شديدة الاستقرار: تشغيل شبه كامل للعمالة «الأصلية» والمهاجرة، شبكة متينة من التأمينات الاجتماعية، نقابات عمالية قوية وقادرة على فرض نفسها سياسياً، بوصفها شريكاً تفاوضياً أساسياً لكل حكومة ممكنة، دول قانون متينة تلتزم بالمبادئ الليبرالية الكلاسيكية مع مسحة كينزية قوية. وباستثناء دول وأقاليم معينة كإسبانيا والبرتغال وأيرلندا الشمالية، كانت الانتخابات النزيهة وحرية التعبير والحرية الاجتماعية هي الخصائص الأساسية لمجتمعات ما بعد الحرب، ما ساعد على ازدهار أهم الثورات الثقافية والاجتماعية (التجارب التحررية العمالية، التمرد الشبابي والطلابي، الثورة الجنسية، النسوية التحررية وحقوق المثليين، الفن الطليعي، الخ) التي كانت، حتى سنوات قليلة مضت، ما تزال تطبع الجو الثقافي العام لعالمنا.
ارتباط الفئات الوسطى بالطبقة العاملة إذن لم يكن مجرد حس أخلاقي، أو موضة عابرة، بل كان نتيجة طبيعية لشرط اجتماعي، اتسم بالازدهار المرتبط بتوازن سياسي وطبقي فرضته النقابات العمالية وعملت على استمراره. ابتداء من السبعينيات انهار هذا التوازن مع الأزمات الاقتصادية الهيكلية، وشهدت الدول الغربية صراعاً طبقياً غير مسبوق منذ الثلاثينيات.
كان العالم أمام خيارين لمواجهة الأزمة، إما سيطرة عمالية كاملة على المستوى الاقتصادي والسياسي، وهو ما برز بشكله الأوضح في السويد، مع ما يعرف بخطة «ريهن- ميدنر» لتحويل البلاد إلى ديمقراطية عمالية كاملة، عن طريق شراء حصة المالكين في مصانعهم وجعلها أسهماً للعمال، وإما التحطيم الشامل للطبقة العاملة وفرض السيطرة الكاملة للفئات العليا، وهو ما حدث فعلياً. شهدت بريطانيا تحت حكم مارغريت ثاتشر الهزيمة التراجيدية التاريخية للطبقة العاملة: تم تحطيم النقابات وإغلاق المعامل وإعادة هيكلة جهاز الدولة بما يتفق مع مصالح الفئات الأغنى، ودُعمت الأيديولوجيا المحافظة، فالمجتمع غير موجود، بل فقط «نساء ورجال وعائلاتهم» كما صرحت ثاتشر.
انتقال المعامل إلى الخارج وإغلاق المناجم وتخصص الدول الغربية بالتكنولوجيا الدقيقة والمضاربات المالية، وبالتالي انقراض الطبقة العاملة الغربية، لم يكن نتيجة حتمية للتطور والتقنيات الجديدة، بل كان نتيجة صراع طبقي مزلزل، فأصحاب «الياقات الزرقاء» لم ينقص عددهم، والعمل اليدوي لم ينته أو تقل أهميته، بل فقط نُقل إلى دول أخرى، فيها عمال يعملون بدون تذمر ويسهل قمعهم، تحت سيطرة حكومات لا تُعنى كثيراً بحقوق الإنسان وبالليبراليات الراسخة وغير الراسخة. هذه التطورات كانت لها انعكاسات عنيفة على الفئات الوسطى التي لم يكن باستطاعتها أن تَسلَم من هذا الزلزال الاجتماعي والثقافي.

الصراع المخملي على البقاء

تحطيم الطبقة العاملة ترافق مع تقليص المزايا الاجتماعية وتصعيب شروط العمل وإعطاء «حريات» أكبر لأرباب العمل بتسريح موظفيهم، أو تشكيلهم على هواهم. رافق هذا تغير شامل في الثقافة الاجتماعية والإطار الأخلاقي العام، فبعد أن كانت قيم التضامن والتمرد وهجاء الغنى الفاحش هي السائدة، تم التركيز على قيم النجاح الفردي، وكيفية نيل رضى الـ»Boss» والتنافس الطاحن مع زملاء العمل. صار على الأجيال الجديدة أن تعمل أكثر ولساعات أطول وبحقوق أقل، فقط كي تحقق بعناء شديد ما كان مكتسبات بديهية لجيل الآباء: السكن اللائق والعمل المضمون والتأمين الصحي الشامل والقدرة على تأسيس عائلة.
انهارت الدائرة الصلبة للطبقة الوسطى، وصارت الامتيازات شحيحة، يحفها التنافس الطاحن، ومع التغير الثقافي الكبير، صارت مظاهر ثقافية معينة علامات اجتماعية على التميز، ورموزاً لدائرة «نظيفة» من النخبة تضيق باستمرار: أن تكون نباتياً أو خُضريّاً، مستهلكاً لمنتجات الـBio، قلقاً على البيئة، غير مدخن (ولكن مع موقف إيجابي من تدخين الحشيش المخلوط بالتبغ وشرعنته)، معادياً للإباحية، مُظهراً التعاطف مع «المهمشين» وضحايا «العالم الثالث» (بدون الاختلاط الفعلي بهم).
يلاحظ المفكر النمساوي روبيرت فالر أن هذه المظاهر «الصوابية» تصبح أصعب وأكثر تطلباً باستمرار، لأنها تجذب المزيد من الأفراد المتنافسين لنيل مظهر الطبقة الوسطى، ما يدفع الدائرة النخبوية الأضيق لزيادة شروطها دوماً لضمان المزيد من «التميز». وبعد عقود من الارتباط المادي والمعنوي بالحركة العمالية صارت مظاهر «الصواب» الطبقي سلاحاً للاستعلاء على الطبقة العامة، التي أصبحت اليوم «بيضاء» بنظر ناشطي التنوع.
قلنا إن ثاتشر رفضت مفهوم المجتمع لحساب تصور عن «نساء ورجال وعائلاتهم»، وكان هذا من الأسس النظرية الأساسية لسياسات الهوية: تحطيم أسس التضامن الاجتماعي لحساب الانتماءات الأولية المعاد إنتاجها. ومن هنا برز مفهوم «مكافحة التمييز» بديلاً عن الحقوق الاجتماعية. وصرنا نشهد التنافس الكبير بين أفراد الطبقة الوسطى على «دور الضحية»، لنيل العطايا الشحيحة التي توفرها لجان التنوع ومناهضة التمييز، التي انتشرت في كل مؤسسة وشركة وجامعة.

مجتمعات «ما بعد المسيحية»

الحديث عن مجتمعات «ما بعد مسيحية» في الغرب غير دقيق على الإطلاق، فما زال الدين نشيطاً ومصدرا للكثير من القيم والتحيزات والمواقف الاجتماعية. ولكن يمكن صياغة مدلول آخر للمفهوم، وهو أن المؤسسة الكنسية لم تعد قادرة على فرض محرمات ومحظورات وأخلاقيات بشكل مباشر على المجتمع. وهنا يبرز دور «الصواب السياسي» بوصفه لاهوتاً جديداً للفئات الوسطى الغربية، يلعب الدور الأساسي للتأطير الأخلاقي بشكل يمكن تتبع صلته بالمسيحية بسهولة.
فكرة «الخطيئة الأصلية» المترسخة في المسيحية أصبحت اليوم ما يسميه الكاتب الفرنسي باسكال بروكنر «عويل الرجل الأبيض»، النادم على تاريخه الكولنيالي و«تدميره للبيئة». مبدأ «الطرد من النعمة» والحرمان الكنسي، يتخذ شكل نبذ الخصوم السياسيين واعتبارهم مجرد مرضى بـ«الفوبيا» أو «بيضاً غاضبين جاهلين». التصورات الآخروية الأبوكالبسية بسبب «خطايا البشر» أصبحت تتخذ شكل انتظار كارثة بيئية أو نهاية العالم، بسبب التقدم التقني. مع أنظمة للزهد والتقشف تشبه أنظمة الرهبنة، ولكنها تتخذ اليوم، للمفارقة، شكلاً استهلاكياً قائماً على شراء المنتجات «الصحية»، فضلاً عن تشكك شبه بيوريتاني بالجنس والإباحية، بعد خيبة الأمل بالثورة الجنسية، التي لم تستطع أن تكون بديلاً عن التفكك الاجتماعي والعائلي لدى هذه الفئات.
لا يعنينا هنا أن تكون هذه القيم صحيحة أو خاطئة، أخلاقية أو غير أخلاقية. ما يهمنا هو بنيتها شبه الدينية، وتشكيلها لـ«سردية كبرى» في عصر يوسم بما بعد حداثيته. فبعد أن كانت الفلسفات والأيديولوجيات الاجتماعية في ما مضى تحاول إيجاد مقاربات دقيقة و«علمية»، تلحظ الفروق الدقيقة والمستويات المركبة للقضايا الكبرى كالاستعمار والبيئة والهوية والعنصرية والتمييز الاجتماعي والجنسي، لم يبق لنا اليوم إلا اللاهوت المريح المسطح لـ«الصواب السياسي».

٭ كاتب سوري

لاهوت «الصواب السياسي» وأزمة الفئات الوسطى

محمد سامي الكيال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية