بيروت ـ «القدس العربي» ـ منى حسن: يرى الشاعر والإعلامي زاهي وهبي أن تحول عدد كبير من الشعراء والكتاب لكتابة الرواية، ظاهرة ليست سيئة، لكن ليس كل من كتب الرواية من الشعراء كان موفقاً!
وزاهي وهبي شاعر وإعلامي لبناني، ولد عام 1964. يعمل في مجال الإعلام الثقافي. تميزت لغته الشعرية بالسلاسة، والتراكيب غير المعقدة. ويلاحظ المُطلع على شعره نزوع قصائده نحو الفلسفة الوجودية والتأمل في ماهية الكون.
صدرت له حوالي عشرة دواوين شعرية أبرزها: «كيف نجوت»، «تتبرج لأجلي» و«أضاهيك أُنوثة». وعدد من كتب النثر منها «حبر وملح» (جزئين). غنى له مارسيل خليفة، أحمد قعبور وأميمة الخليل. كما تُرجمت بعض قصائده إلى الفرنسية، الإنكليزية والإسبانية. أدناه حوار يستعرض تجربته الشعرية والمهنية ويسلط الضوء من خلاله على المشهد الثقافي اللبناني.
■ للجنوب دوما ذاكرة حبلى بالحكايات والشجن، فماذا خبأ لك من ذكريات أثْرَت تجربتك شاعرا وإنسانا؟
□ الجنوب اللبناني بالنسبة لي هو المعين الذي أرتوي منه وأعود إليه كلَّما شعرتُ بظمأ روحي أو معنوي. كلُّ ما أنا عليه اليوم، إذا كانت له قيمة، تشكَّل وتبلور في تلك القرية الجنوبية النائية التي تدعى عيناثا، هناك شممت رائحة الطين لأول مرة، وأمطرت فوق رأسي السماء وبللني الغسق والشفق بالألوان الآسرة، وصادقت الفراشات والرعاة، وأصغيت باستمتاع إلى موسيقى الطبيعة البكر. في جعبة الذاكرة الكثير مما لا تتسع له سطور ولا صفحات، مشهد أمي بردائها الأبيض ويديها المرفوعتين نحو السماء إثر صلاة الفجر، يوم كانت توسِّع بدعائها الأمكنة الضيقة، وتعبد برضاها الطرق الوعرة. ثمة أيضاً مشهد الينبوع الذي كان يتفجر في فصل الربيع داخل بيتنا الترابي العتيق، نحفر مجراه قرب الفراش والأمتعة ويرافقنا كصديق عذب، وطائر السنونو يعشش داخل البيت كأنه أحد أفراد الأسرة في بيئة ريفية ساحرة ملأى بالبساطة والعفوية والعبق الروحي الحميم. كل هذا قبل أن تبدأ الهمجية الإسرائيلية الفتك بالبشر والحجر لعقود طويلة من الزمن. قبل أن يكسر شوكتها مقاومون أشداء انتصروا عليها بدمائهم وعزيمتهم الفولاذية. لا أستطيع أبداً اختصار الجنوب بكلمات سوى أنه مسقط الروح ومهبط الرؤى الوجدانية والروحية، والأساس الصلب العذب السيَّال لكلّ ما أعيشه اليوم.
■ متى أطلت قصيدتك من شُرفات الكلام؟ وما أهم روافد التشكل المعرفي التي أثرت وأثَّرت في تجربتك الشعرية؟
□ مكوِّنات الوعي الأول بالنسبة لي هي القراءات القرآنية، حيث كان حفظ أجزاء القرآن الكريم أولى محاولات الحفظ، ومرويات أمي من قصص تراثية وحكايات شِعرية شكّلت المدماك الأول لذائقتي الشِّعرية. لاحقاً وتباعاً تعرفت إلى الأدب الكلاسيكي العربي والعالمي، وقرأت في سن الحادية عشرة معظم الروايات الرائجة آنذاك، قبل أن أتعرف في ما بعد إلى الأدب الحديث أولاً من خلال شعراء الجنوب ثم شعراء فلسطين. وأنا ابن قرية تقع على كتف الجليل الفلسطيني، وفِي مرحلة أخرى اكتشفت شعراء مجلة «شعر» مثل أدونيس، يوسف الخال، محمد الماغوط، أنسي الحاج وشوقي أبي شقرا الذي عملت معه في جريدة «النهار» لمدة 8 سنوات وتعلمت منه الكثير حتى صرت أسميه المعلم. أما قصيدتي فأزعم أنها وُلِدت معي. أؤمن بالجينات الشِّعرية وأقول إنني وُلِدتُ شاعراً، جدي لأمي كان فقيــــهاً وشاعراً، أخوالي شعراء، وجدي لأبي قرض الشِّعر أيضاً، وأمي أرضعتني حليب القصيدة مع حليب صدرها وحنان قلبها وفيض عاطفتها. ثم جاءت قصص الحُبّ التي عشتها لِتصهر قصيدتي في منجم العشق الذي ما زلت أستخرج منه كنوز المجاز.
■ برنامج «خليك بالبيت»، الذي قدَّمته عبر فضائية «المستقبل» لأكثر من عشر سنوات، وقدَّمك محاورا محبوبا قاسمنا مساءاتنا وذكرياتنا، كان برنامجا ناجحا له شعبيته وجمهوره العريض على امتداد الوطن العربي، برأيك ما سر نجاحه؟
□ ثمة عوامل كثيرة تضافرت في تحقيق نجاح «خليك بالبيت»، الإعداد والتقديم الجيدان، اختيار الضيوف بعناية شديدة، الانفتاح على المبدعين العرب من كل الأقطار العربية، تجاوب الضيوف وتفاعلهم معي، المرحلة التي وُلِد فيها البرنامج وهي عقب انتهاء الحرب اللبنانية وبدء إعمار بيروت وعودة العرب لتلمس ملامح عاصمة عربية ذائعة الصيت، بعد سنوات طويلة من الخراب والفوضى، شاشة المستقبل التي كانت في أوجها آنذاك وهامش الحرية الكبير الذي كان متاحاً لي في اختيار الضيوف وطرح الموضوعات، وقبل كل هذا إقبال المشاهدين العرب من المحيط إلى الخليج وبلاد الاغتراب على متابعة البرنامج والتحلّق حوله لمدة 15 عاماً متواصلة، ودعمه بمحبتهم وتشجيعهم وثنائهم. وثمة عامل مهم جداً يتمثل في كوني أخرجت البرنامج الثقافي من الدائرة التقليدية التي تحصره بالأدب والفكر، وانفتحت على كل أشكال التعبير الأدبي والفني بمستوياتها وأشكالها كافة، واعتمدت أسلوباً سهلاً ممتنعاً في طرح الأسئلة والأفكار، بحيث يتفاعل معها أوسع نسبة من المشاهدين. فلا تقتصر فقط على مخاطبة النخبة المهتمة حصراً بالشأن الفكري والأدبي كتابةً ونقداً.
■ كمثقف هل تستطيع الانعتاق التام من السياسة؟ أم تراوغها لقول ما تريد؟
□ لستُ منعتقاً من السياسة أبداً، أنا شخص مُسيس ولي آرائي وقناعاتي السياسية المعروفة مُذْ كنت فتى يافعاً، وهي قناعات قادتني إلى المعتقل الإسرائيلي. لكنني أعبِّر عن مواقفي بهدوء وروية وبلا انفعال، وأحترم الجميع حتى من يختلف معي، وأقبل الآخر وأدعو إلى الحوار بين جميع مكوِّنات مجتمعاتنا العربية. لا عدو لي سوى المحتل الإسرائيلي لِفلسطين والجولان السوري وأجزاء من وطني لبنان.
والأهم من هذا كله أنني أحاول تقديم برامج للجميع، تستضيف الجميع بناء على المعايير الإبداعية لا السياسية. لست ديّاناً ولا قاضياً حتى أصدِر أحكاماً على الآخرين. أقدِّم ضيوفي وتجاربهم للمشاهدين الذين لهم الحق في التفاعل أو عدمه مع هذا الضيف أو ذاك.
أما نصوصي الشِّعرية والنثرية فلا تخلو أبداً من السياسة، لأن الحياة نفسها غير ممكنة بلا سياسة، لاسيما في بلادِنا المنكوبة بالحروب والمطامع والتطرف والإرهاب ونزعات التكفير والإقصاء والإلغاء والقمع والاستبداد. أصلاً حتى لو أردت لا أستطيع ولا أحد يستطيع فصل الثقافة عن السياسة. لا أتجنب السياسة، لكنِّي أتجنب الانفعال والتحريض والكيدية، وأحاول دوماً إيصال فكرتي ورأيي بالتي هي أحسن.
■ حدثنا عن فترات اعتقالك في السجون الإسرائيلية، وأثرها على تجربتك شاعرا وإنسانا؟
□ لقد دخلت المعتقل الاسرائيلي مراهقاً عام 1982 وخرجت منه رجلاً عام 1983، ثم أعيد اعتقالي عام 1985 في مدينة بنت جبيل الحدودية قبالة فلسطين. صحيح هي مجرد سنة لكنها كانت كفيلة بجعلي رجلاً قبل الآوان. في معتقلي «عتليت» داخل فلسطين و«أنصار» في جنوب لبنان نضجت تجربتي وعشت همجية الاحتلال الاسرائيلي ووحشيته وحقده وغطرسته، وفي الوقت نفسه لمست عن قُرْب مدى هشاشة الجندي الإسرائيلي وخوفه وجبنه وعدم امتلاكه لقضية محِقة يدافع عنها. كما اكتشفت أن الحرية ليست شعاراً ويافطة ولا تظاهرة أو هتافاً ولا حتى قصيدة أو أغنية. نعم، هي كل ذلك. لكنها أولاً حرية التفاصيل الصغيرة، حريتي كفرد في النهوض صباحاً واختيار ماذا أحتسي القهوة أم الشاي، ماذا أرتدي، أي لون أنتقي، ماذا أسمع… إلى آخر ما يعيشه الفرد في حياته اليومية.
باختصار بوسعي القول إن أبرز ما تعلمته من تجربة الاعتقال في سجون إسرائيل هو أن حرية الفرد هي المدخل لحرية الجماعة. لا يمكن لأي أمة أو شعب أن يتقدما ويتحررا إذا لم يكن أفرادهما أحراراً في حياتهم، بدءاً من تلك التفاصيل اليومية الصغيرة وصولاً إلى حرية الفكر والرأي والتعبير.
■ مُنحت الجنسية الفلسطينية بسبب مواقفك تجاه القضية الفلسطينية، الآن.. وفي وضع عربي متأزم يستوجب الانخراط، أين يقف قلمك؟
□ انتمائي لِفلسطين ولقضيتها العادلة ليس انتماءً عاطفياً وانفعالياً، ولا آنياً وعابراً، ولا متحولاً ومتغيراً. فلسطين هي بوصلتي ومعياري. يوم راجت مقولة «الربيع العربي» قبل ست سنوات كتبت أن كل ربيع يقف عند حدود فلسطين ليس ربيعاً، وكل حرية تهادن الاحتلال ولا يكون في مقدمها الانتصار لحق الشعب الفلسطيني في المقاومة والاستقلال ليست حرية. للأسف هذا ما أكدته الأحداث لاحقاً، حيث تم حرف أحلام الشعوب العربية المشروعة في الحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة، وسُرِقَت أحلام الشباب العربي المُحِقة وجرى تحويل الربيع إلى شتاء دموي غايته تفتيت مجتمعاتنا إلى مذاهب وطوائف وأعراق وإثنيات، في سبيل ترسيخ مشروعية ليهودية الدولة العبرية، والاستمرار في نهب ثروات بلادِنا والتحكم بمصيرها وقرارها. أنا مع فلسطين والمقاومة حتى تحقيق الحلم الفلسطيني بالحرية والاستقلال، وهو ما سوف يحصل عاجلاً أو آجلاً مهما بدا الليل العربي مظلماً ومدلهماً.
■ فرضت قصيدة النثر وجودها عبر شعرائها وقرائها، وأصبح الحديث عن الاعتراف بها جدلا بيزنطيا، فهل أنت مع وضع ضوابط لقصيدة النثر لإغلاق بابها في وجوه المتسللين من خلالها لمدينة الشعر؟
□ عموماً نعيش في عصر فقدان المعايير والمرجعيات. العالم كله يعيش فوضى غير مسبوقة. لعل وجود شخص مثل دونالد ترامب على رأس أكبر دولة في العالم يُعطي فكرة عن العالم الذي نحن فيه اليوم. تراجعت الأفكار والفلسفات والقيم أمام هجمة منطق السوق، العرض والطلب، الكسب السريع، الشهرة المجانية وسواها من آفات لا كوابح أخلاقية أو قيمية لها. لذا من الصعب التحدث عن وضع ضوابط لِشيء خصوصاً في ظل الميديا الهائلة والمفتوحة التي تكاد تجعل الجميع شعراء.
الميديا المفتوحة لها إيجابيات كثير وعرّفتنا على كتّاب جميلين جداً، كانت أصواتُهم غير مسموعة بسبب الشللية المقززة في معظم الصحافة والإعلام التقليديين. هذه الميديا وفرت هوامش حرية غير مسبوقة وفتحت مجال التعبير أمام الجميع. لا أحــــد يستطيع تنصيب نفسه قوَّاماً على القصيدة، لنترك الحروف والكلمات تطير وتحلِّق، ولندع الخيال مفتوحاً على اللانهاية، لا بد للذائقة السوية أن تختار ما يناسبها، ولا بد للزمن أن يغربل.
أكتبُ قصيدتي ونصي بحرية ولا أشغل بالي بالتسمية
■ شهدت الفترة الأخــــيرة تحـــول عدد كبير من الشعراء والكتاب لكتابة الرواية، فهل تؤمن بتعددية الإبداع؟ وهل فكرت في خوض تجربة كتابة الرواية يوما ما؟
□ ظاهرة ليست سيئة، لكن ليس كل من كتب الرواية من الشعراء كان موفقاً. شخصياً أحبِذ التفرغ لنوع أدبي واحد، وعدم اللحاق بالموضة الرائجة. وُلِدت شاعراً وسأبقى كذلك، لكن هذا لن يمنعني من كتابة ما يُشبه السيرة ، ليست سيرة ذاتية، بل سيرة جيل من الشباب العرب الذين شاءت أقداره، مثلي، أن يكون دائماً على الشفير، شفير المجازفات الشيقة في الحياة وفِي اللغة، وأن يعيش الحروب الطاحنة والأزمات الوجودية العميقة. وأعتقد أن في تجربتي ما يستحق أن يُروى. سأروي تلك التجربة في ما يشبه الرواية، لكن لمرة واحدة وأخيرة.
■ هلا فتحت لنا نافذة نطل من خلالها على حالة المشهد الثقافي اللبناني حاليا؟
□ ميزة بيروت، وبالتالي لبنان، أنها رغم الحروب والأزمات والطبقة السياسية الفاسِدة المُفسِدة، لا تزال تتسع لتجارب جميلة ومدهشة في الشِّعر والرواية والمسرح والموسيقى والتشكيل. لكن للأسف ما يطفو على سطح الإعلام هو التهريج والابتذال.
سميت أحد كتبي «بيروت المدينة المستمرة» وكنت أعني أنها قادرة على اجتراح الحياة من رحم الموت، وعلى استنباط وسائل المقاومة من أحشاءِ الخراب. مَن يزر بيروت الآن سوف يجد فيها أمسيات شعر وموسيقى ومسرح، وأكثر ما يُفرحني في هذه الحيوية أنها نتاج نخبة جديدة من الشباب الذين لم ينجرفوا وراء موجات ثقافة السوق والاستهلاك.