لا أحلام بين الماء والماء

حجم الخط
1

لنبدأ بالتعريف: من الماء إلى الماء تعني من المحيط إلى الخليج. تكرر هذا المصطلح كثيراً في عقود خرافة الوحدة العربية والأمة الواحدة والمصير المشترك، حتى انطلى على كثير منا، وكان الفساد الناخر في أجسادنا وعقولنا يعشش يوماً بعد يوم، ولكن من دون أن تزول المصطلحات.
قام الربيع العربي فجأة، ونقول فجأة لأنه كان حركة تاريخية فريدة بكل المقاييس، ملايين البشر تهتف بحناجر مخنوقة لطالما تاقت إلى التعبير وإلى الصراخ وإلى الحرية، كان الحدث غير مسبوق لأننا اعتقدنا ولفترة طويلة جداً أن هذه الأمة قد ماتت سريرياً، وأن ما بقي على أرضها هم بقايا بشر يعيشون محنطين في خدمة أولياء نعمتهم، كان الحدث غير مسبوق، لأن الثورات قامت ولأول مرة في التاريخ من دون قيادة عسكرية أو سياسية، ورغم أن حواضنها الفكرية كانت تشتعل تحت الرماد، إلا أن كل المثقفين والمفكرين وقفوا جانباً أمام التيار الشعبي الشبابي الجارف، الذي قرر تحطيم كل الصور النمطية واختار طريقته الخاصة للتغيير.
للوهلة الأولى حارت الأنظمة العربية في التعامل مع هذا الحدث الطارئ على السكون التاريخي والمطمئن لتلك الأنظمة باستحالة التغيير، وشملت الحيرة أنظمة لم تقم لديها أي تحركات شعبية، فالحدث كان أكبر من أي تخطيط، ناهيك عن الجهل التام بالمحرك الرئيسي لهذه التظاهرات الصاخبة، مما عقّد عملية إخماد الثورات والقضاء عليها.
امتدت موجة التغيير شرقاً وبدأت باقتلاع الأنظمة العربية، وكأننا أمام مسابقة تلفزيونية يتنافس فيها اللاعبون على إبداع طرق التغيير، لتحريك البلاد من سباتها الشتوي العميق الذي بدا سرمدياُ بلا نهاية. وكانت ردود الفعل متفاوتة بشكل كبير، فبعض الأنظمة فضّل الهرب، بينما حاول البعض استخدام العنف، وقام آخرون بمحاولات إرضاء شعوبهم، سواء باللعب على وتر الأسعار والخدمات، أو شكل الوزارات لامتصاص الغضب الشعبي أو محاولة استمالته منعاً من تأثيراته اللامحدودة. اعتقدنا واعتقد كثيرون أن حلم التغيير الذي بدأ بالتحقق سيتحول تدريجياً إلى واقع، رغم معرفتنا بالصعوبات الجمة التي تعترض طريقه، وأهم تلك الصعوبات قوى الثورة المضادة، وكذلك القوى الخارجية التي حارت هي الأخرى أمام هذه الثورات الشعبية المنظمة بشكل متقن، تقودها نخب استطاعت خلال فترة قصيرة تنظيم صفوفها وتشكيل لجان ومجموعات ناشطة، تحاول ضبط العمل الثوري وتوجيهه الاتجاه الصحيح. رأت القوى الكبرى مثلما رأت رموز الأنظمة القمعية شباباً وشابات في مقتبل العمر يتقاسمون المهام ويوزعون النشاطات ويقومون بتنظيم كل المسائل المتعلقة بالشعارات واللوحات التي يتم رفعها في المظاهرات، وكذلك تنظيم دخول وخروج الناس منعاً (قدر الإمكان) لتسلل البلطجية والمأجورين وعناصر الأمن لتخريب الصفوف من الداخل وممارسة العنف.
لم تعجب هذه المظاهر القوى الكبرى، التي رأت في ما يحدث خطراً داهماً، فبعد قرون من التخلف والاستعباد والاستعمار والقمع، اعتقد الجميع أن هذه الشعوب لن تقوم لها قائمة، وأنها إن قامت فستكون مجرد قطعان من الخراف يسهل تفريقها عند أول رصاصة تطلقها أجهزة الأمن المدربة تدريباً عالياً، وعلى مدى عقود، على طرق إخماد الحركات الشعبية وقمع الناس وإذلالهم. ولكن حدوث العكس في الأشهر الأولى لهذه الثورات أشعل مصباحاً تحذيرياً لدى القوى الكبرى بأن هذه الشعوب قادرة لدى حدوث لحظة الفعل التاريخي الحاسمة على رص صفوفها وبدء العمل وبناء المستقبل، وهو مشروع يتعارض كلياً مع ما يراد لهذه المنطقة من العالم من تخلف وتعصب وتبعية وفوضى. كانت الخطوة الأولى لوأد حركة الربيع العربي هي نشر العنف، فكان أن قامت في بعض البلدان تحركات عسكرية من قبل الأنظمة سعياً منها ويقيناً كذلك بأن العنف يستطيع إخراس الأفواه وتكميمها، وذلك وفقاً للتجارب العنفية التاريخية الناجحة على مدى قرون في استعباد البشر وتهميشهم. وأدى ازدياد العنف وتفاقمه إلى حد خطير إلى بدء تراجع قوى الثورة «العاقلة»، التي شملت مثقفين وفنانين ومفكرين وكتاباً وغيرهم لصالح قوى دموية عنفية لا تفقه في التخطيط الحربي ولا إدارة المعارك، سوى إطلاق النار والقتل، وبينما استطاعت بلدان أخرى إجراء بعض الحركات السياسية كالانتخابات، أو إنشاء المجالس والهيئات الحاكمة، فقد كان البعض الآخر على موعد مع الموت.رغم كل الدماء والتضحيات بقي الحلم متجدداً، خاصة مع تجربة تونس ومصر، وقد استطاع المصريون الحفاظ على منجزات تنحية النظام السابق، بل وإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية يفوز فيها رئيس منتخب ديمقراطياً وبنسبة غريبة جداً عن الشارع العربي بلغت 51.73٪، وهي نسبة غريبة لأنها لم تتجاوز التسعين لأول مرة في تاريخ مصر الحديث. لم تكن تعنينا كثيراً مسألة انتماء الرئيس الجديد لتنظيم سياسي، فقد رأى الجميع في التجربة ما يستحق الصبر، وما أتى عبر الصندوق يذهب عن طريقه.

وجاء الثلاثون من حزيران (يونيو)…

سيبقى هذا التاريخ خالداً للزمن المقبل لسبب بسيط، أنه أطلق رصاصة الرحمة وشيّع الحلم إلى مثواه الأخير. يتكرر مشهد انقلابات الخمسينيات والستينيات ذاته في سوريالية عجيبة، ونرى مفارقة تحالف العسكر والدين والمال تتراقص أمامنا قبل أن نفيق من نشوة الحلم. كان واضحاً أن القوى الكبرى وعبر صمتها المريب عما جرى في تلك الليلة التاريخية قد بدأت خطة إعادة التوازن المطلوب للمنطقة، وفي الليلة ذاتها تم وأد الحلم وهو في مهده، وقررالتاريخ أن يعيدنا إلى نقطة ما تحت الصفر من جديد. فتم القضاء على شباب الثورة واستعادت أنظمة عربية أخرى نشاطها وحيويتها فعادت إلى التنكيل بالناس وقمعهم في رسالة واضحة وصريحة لكل من لا يريد أن يفهم: لن يعيش على هذه الأرض سوى صنفين من البشر، الجبناء والمرتزقة، وما سواهما لا حياة له بين الماء والماء.
قال كثير من المفكرين بأن ذلك ما هو إلا كبوة من كبوات التغيير التي تحدث في أي أمة من الأمم، ولكن كبوتنا هنا كانت قاسية جداً لأنها أعادتنا إلى المربع الأول نجتر أحزاننا وهزائمنا ونرقص في الملاهي ضاحكين على رجولتنا وإنسانيتنا التي ماتت يوم قررنا الهتاف مجدداً للطغيان. من كان في قلبه بقية من حياة قرر الهجرة، حيث استطاعت القوى الكبرى إيصال الرسالة الواضحة الأخرى ومفادها، ألا مكان للحرية بين الماء والماء، أما هناك في الأرض البعيدة فكل شيء متاح، وما عليكم سوى ركوب البحر أو الجو وسنمنحكم ما تريدون، أما على الأرض العربية فلا عزاء للأحرار ولا عزاء للحالمين. انفجر كل شيء على الأرض العربية بعد الثلاثين من يونيو، واستوطن الإرهاب المجنون القادم من أعماق الشيطان وتمركز فوق كل بقاع الثروات في أهم ثلاثة بلدان عربية: العراق وسوريا ومصر، ولا يوجد بريء مما يحدث، فالكل متهمون، يتم قطع رقاب البشر بأعداد تفوق ما يحصل في أي مسلخ للحيوانات، ويجري إحراق آخرين في أبشع وسائل الإجرام عبر التاريخ، وانفلت المجرمون والمرتزقة والمارقون من عقالهم تحت سمع وبصر وتسهيلات القوى الكبرى والإقليمية، للقضاء على التعايش وعلى حلم الحرية والتنمية الذي طالما انتظره الأحرار. اعتقدنا ولوهلة من الزمن أن القوى الكبرى قد تدعم ثورات الربيع العربي ولو لفترة، علّ ذلك يخفف من موجات الهجرة السرية وغير الشرعية، بحيث تقوم تنمية محدودة تستوعب هذه الكتلة البشرية الهائلة القابعة تحت أسر القمع والبطالة والتخلف والتعصب، غير أن الرسالة كانت غاية في الوضوح، لا مكان للأحلام على هذه الأرض.
يبدو المستقبل بين الماء والماء مصبوغاً بالأحمر في أرضه وبالسواد في سمائه، ومع انفجار العنف والكراهية والتعصب في المنطقة وبأيد عربية يحق لنا أن نهنئ الرئيس الأمريكي على استراتيجيته غير المسبوقة في نقل الصراعات بعيداً عن الأرض الأمريكية، بل وتنفيذ مخططاته بأيدي حلفائه لتبقى الصراعات من الماء إلى الماء، بين شعوب المنطقة في أكبر عملية تصفية بشرية في التاريخ، بل في عملية هولوكوست عربية منظمة ومدبرة بعناية لإفناء ما يمكن إفناؤه على هذه الأرض، بينما لا يتم المساس بالمصالح الاستراتيجية للقوى الكبرى، خاصة ما تعلق منها بالثروات الهائلة التي لا تزال الأرض العربية تحملها في أحشائها، ولتصبح الأرض بكاملها صومالاً سابحاً في فلك التخلف والكراهية والحقد والتبعية والهوان.
طوبى للغرباء، وطوبى للمهاجرين، ولترقد روحك بسلام يا نزار قباني، فقد تم إعلان وفاة العرب.
إذا أعلنوا ذاتَ يومٍ وفاةَ العربْ…
ففي أيِ مقبرةٍ يُدْفَنونْ؟
ومَن سوف يبكي عليهم؟
وليس لديهم بناتٌ…
وليس لديهم بَنونْ…
وليس هنالك حُزْنٌ،
وليس هنالك مَن يحْزُنونْ!!

٭ كاتب سوري

يوسف مزاحم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية