لا أدري… وَنِمتَ

حجم الخط
0

وقف أمام بائع طيور مجذوبا بألوانها الحية، كطفلٍ يرى قوسَ قزحٍ كاملا لا تخفيه بناية. استغرق في دهشة حامتْ حولَها خيالات. مثلا لو أنه حشد كل هاته الألوان في بذلة واحدة وقصد بها عمله صباحا لتهامس الناس حوله وتندروا بهيئته، أو ربما احتشد الصبيان حوله كمهرج سيرك لا تصلح ألوانه الزاهية إلا لجذب انتباه أمثالهم، وقد يصرفهم عن المدرسة بداية النهار، أو لعلهم يظنونه طائرا تحولَ إنسانا بسحر ساحرة، عكس قصص الأعاجيب التي تمسخ الأمير عادة إلى طائر أو ضفدع.
نزَّهَ الرجلُ بصرَه في الطيور حتى شدت انتباهَه ثلاثة ببغاوات ميَّزَهم صاحبُ المحل عن باقي الطيور. قفصٌ كبير مُذهَّب رحب وطعامٌ وافر زائد عن الحاجة وعنايةٌ كبيرة وصبي رهن الخدمة ويتدخل فورا لفض أي مناقرة بينهم. هدرٌ وأيُّ هدر إن اقتتلوا ومناقيرهم ضخمة. لكن الببغاء على صخبه لا يحسن الاقتتال، ويبدو أن سلاما دائما راسخٌ بين ثلاثتهم.. ودعةٌ وسكون.
وقف الرجلُ مليا يتأملهم وحين رأى العناية المحيطة استبد به الفضول فقرر التقصي والسؤال. لم يجبه الصبي لأنه كان يبدو من ذوي الهيئات، بل هب إلى سيده يدعوه من الداخل ليفاوض عن تحَفه. التعليمات صارمة.
حضر صاحبُ الطيور وقبل الحديث مع الزبون أصدر تعليماتٍ إضافية لصبيه حول تنظيف المكان وتوضيبه وتهيئته أكثر مما هو مهيأ. كانت تعليماتٍ لا تسندها حاجَة، فقط من فن التسويق. السلعة غالية ولا بد من المزايدة.
عاود الزبونُ سؤاله عن أصل الببغاوات ونوعِها فأفاض صاحبُها في مدحها دون جواب دقيق. وحان السؤال عن الثمن فتردد صاحب المحل في الجواب تردُّد من لا يريد أن يبيع سلعته أصلا كأنْ لا أحد يستحقها؛ من يعرف قدرَها عزيزُ الوجود نادرٌ كنُدرتها هي نفسُها؛ كأنها طيور آخر محطة من رحلة «منطق الطير» أو كأن البائعَ حفيدُ العطار أو العطارُ نفسُه..
كان لسانُ حالِه يقول مثل عاشق يرثي حبيبته وضياعَها من بعده ولمَّا يأتِ ذلك البَعدُ بعد:
أحبكم ما دمتُ حيا، وإن أمُت ** فوا كبدي مَنْ ذا يحبكم بعدي؟
لكن الرجل ألح عليه حتى نطق بالثمن الباهظ، فهالَه سماعُ الرقم وصرخ:
– أوَّه.. هل هذه عنقاءُ مُغْرِبْ؟ لمَ كل هذا الثمن يا رجل؟
أجابه:
– يا سيدي ذاك ببغاء نادر.. إنه يتكلم سبعَ لغات.. جرب سيدي.. حدِّثْه بأي لغة شئت؟
كان الزبون يتقن الإنكليزية وفعلا ما إن نطق بأولى عبارات الاحترام حتى أجابه الببغاء كأنه من عُقر بلاد داروين وهل لبلاد داروين أصلا نوعُ ببغاوات.
والببغاء الثاني؟
بعد تردد أجابه التاجر بضِعْفِ ثمن الأول. سُقِط في يد الزبون فعاوده التعجب. قال له صاحب المحل:
– لا عجب هناك سيدي.. هذا الببغاء زيادة على إلمامه باللغات كالأول هو أوركسترا.. يعزف جميع السمفونيات… موزارت، باخ، شوبيرت، بيتهوفن… وما شئت.. اسأله بنفسك إن كان لك إلمام بالموسيقى!
التفت الزبونُ إلى الببغاء وقال له بثقة زائدة:
– السمفونية الثانية عشرة لبيتهوفن..
عندها قهقه الببغاء قهقهة صاخبة واسترسل فيها حتى شاركه الببغاء اللغوي. التفت الزبون لصاحب المحل متعجبا من ضحك الببغاوين وصمتِ الثالث صمتا غريبا مريبا. ثم التفت لنطق الببغاء الموسيقي:
– غبي ..غبي .. بيتهوفن .. عشر سمفونيات فقط ومات..
احمرَّ وجهُ الرجل لكنه كابر وادعى أن ذاك كان اختبارا للببغاء فقط، وهل يستحق ثمنه. ثم نقل بصرَه إلى الببغاء الثالث. مكث يتأمله ريثما تتعافى نفسه من خجلتها وتأجيلا للمفاجأة الأخيرة واستعداد حتميا. كان الببغاء الثالث مُغمضَ العينين صامتا غير مكترث بما حوله ولا بمن حوله كأنه مركز ثقل عالم لا يعنيه تزَلْزَلَ أمْ سَكَنْ.
ثم تساءل عن سر هذا الببغاء المَهيب؟ حينها حرك صاحبُ الطيور رأسَه في مزيج من حرج وتعظيم للسلعة ثم نطق، فكان الثمن أضعافَ أضعافِ الأوَّلَيْنْ كأن الفرق بينهم في الطبيعة لا في الدرجة.
– أوَّهْ.. أوَّهْ.. لا تقل لي أنه عالم نووي
التفتَ الزبونُ للبائع ينتظرُ تعليقا على تعجبه، فأجابه البائع هامسا وبعد تردد أطولَ من تردُّدَيْه السابقَيْن:
– والله يا سيدي بصدق.. ولا أخفيك.. إنني لا أعلم عن هذا الببغاء شيئا ولا أعرف نوعَ عبقريته إلا أنني كلَّ صباح حين أزيح الستار عن القفص أرى الببغاءَ اللغوي وصاحبَه الموسيقار يصطفان مثل كتيبة استقبالات شرفية وبمجرد ما يفتحُ الببغاء الثالث عينيه يرفع كلٌّ منهما جناحا ويضعه فوق حاجبه في تحية تعظيم وإكبار ولا يلتحقان بالأرجوحة قبل تلك المراسيم مُطلقا..
ما إن أتم صاحبُ المحل همْسَ كلماتِه حتى انتفش ريش الببغاء كأنما اقشعر، ثم فتح عينا واحدة ببطء شديد، كالمنزعج من كونه صار موضوعَ حديث. نظر إلى الزبون من رأسه إلى قدمه بعينه الواحدة المفتوحة. هل كانت نظرة ازدراءٍ أم إشفاقٍ أم فضولٍ لمعرفة صاحبه المحتمل لو تمت الصفقة الصفعة. ثم التقت العينُ بالعين ومد إحدى ساقيه إلى الأمام حتى بدت مخالبه، ثم أعادها إلى مكانها تحت الريش؛ ثم ما لبث الطائرُ المستكفي المعتزُّ أن أغمضَ وأتم قيلولة الواثق..

٭ قاص من المغرب

لا أدري… وَنِمتَ

رضا نازه

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية