لا بديل للحرب الأهلية غير الكتلة التاريخية

حجم الخط
6

 

كما هو معرف، فقد أمكن في أوروبا مد الجسور بين البادية والمدينة والتقليص من الاختلافات بينهما بفضل التصنيع. التصنيع وحده أساس التحديث وأبو الحداثة. هذا ما يجب أن لا يغيب عن البال. لقد حول التصنيع الصراع في أوروبا من صراع أفقي إلى صراع عمودي، طبقي. وقد أمكن تجاوز التناقض الطبقي الحاد الذي أحدثه التصنيع بفضل نضالات العمال من أجل حقوقهم التي هدرها الاستغلال الطبقي، وكانت النتيجة اضطرار الطبقات المستغلة إلى الاستجابة التدريجية لمعظم تلك الحقوق! ذلك لأن المعامل لا يقوم لها وجود بدون عمال. فما كان يجمع، وفي نفس الوقت يفرق، بين أرباب المعامل والعمال، شيء واحد بعينه هو: أدوات الإنتاج، الآلات والمكينات الخ.
ذلك هو الأساس الذي قام عليه التحديث في أوروبا، هذا التحديث الذي سيكون بدوره أساس الحداثة فيها. أما في الشرق الأوسط، كما في جميع البلدان المستعمرة «سابقا»، فالأمر يختلف. إن الاستعمار لم ينقل إليها الصناعة والتصنيع، بل بالعكس نهب منها المواد الأولية الضرورة للصناعة وفرض عليها أنماطاً من الاستهلاك، مما حرمها من الحركة والتطور على مستوى البنيات الاقتصادية والعلاقات الاجتماعية، وكرس فيها ثنائية البادية والمدينة، وثنائية «التقليدي» و»العصري»: في المسكن والملبس والفكر والثقافة والرؤى والسلوك. النتيجة هي حرب أهلية كانت غير معلنة في العقود الماضية، فأصبحت اليوم معلنة: حرب أهلية بين «التقليدي» و»الحداثي». سلاح الأول توظيف الدين في تعبئة العامة، ثم التكفير ثم التفجير! أما سلاح الثاني فهو مساندة الحكومات وتحريضها، (وكلها غير ديمقراطية،غير مستقلة عن إرادة الغرب) على أمل أن يتحقق من خلال «التبعية الإرادية» للغرب ذلك التأثير الإيجابي الذي يرجى من العولمة أن تقوم به.
ذلك هو الصراع الداخلي الذي يعيشه «الشرق» اليوم، الأدنى منه والأوسط و»الأوسط الكبير». إنه صراع لا تاريخي، بمعنى أنه لا يحمل في جوفه ما يمكن أن تستقبله قابلة غداً، فتتولى إرضاعه والتكفل برعايته. إنه مجرد اقتتال. ولكن بما أن هذا الاقتتال، ما كان منه موجهاً ضد الغرب والحداثة وما كان منه موجهاً ضد الماضوية ومن أجل الحداثة، لا ينتج غير التوتر وعدم الاستقرار والخبط خبط عشواء، فهو يهدد بصورة أو بأخرى المصالح الأمريكية خاصة، ومصالح الغرب عامة. وبما أن الولايات المتحدة خصوصاً، والغرب عموماً، تقوم سياستها على البراغماتية ومبدأ «السياسة الواقعية»، فإنها ستعرف اليوم، كما عرفت من قبل، كيف «يجب العمل» لتحييد الطرف الذي يهدد مصالحها ويمسها فعلاً. ولذلك قلنا، ونعود فنقول، إنه ما دام التيار الذي يمثل «الحداثة» في الشرق الأوسط لا يهدد المصالح الأمريكية ولم يعد قادراً على تعبئة الجماهير (التي لم تعد تسمى بهذا الاسم إذ يطلق عليها تعبير: رجل الشارع) فإن «السياسة الواقعية» تفرض «التعامل» مع التيار الإسلامي «المعتدل»، ليس في باكستان وتركيا وإيران فحسب، بل في أقطار الشرق الأوسط «الأصيل». إنه في نظرهم الطريق الملكية لتهميش الإرهاب والتطرف!
والسؤال الآن: ما هو المخرج بالنسبة لنا أبناء الشرق الأوسط «الأصيل» منه والكبير، أبناء العالم العربي والإسلامي؟
الجواب عندي هو ما ناديت به، ولا زلت، منذ عام 1982 في مناسبات، وعبر نصوص متعددة. إنه الكتلة التاريخية. إننا اليوم أكثر من أي وقت مضى نعيش عصر فتنة أشبه ما يكون بعصر «الفتنة الكبرى». وكما نعرف جميعاً، فلم يتمكن لا الأمويون ولا الخوارج ولا الشيعة ولا «أهل السنة والجماعة» ولا المعتزلة الخ، من تجاوز هذه الفتنة إلا عندما شعر الجميع بعبثية الاقتتال، ودخلوا في كتلة تاريخية صنعت «الثورة العباسية» التي دشن بها التاريخ العربي والإسلامي عصراً جديداً…

المزيج الفلسفي والمثقف العضوي

كان (1936ـ2010) بين قلّة قليلة، ونادرة حقاً، من الذين اعتذروا عن قبول جائزة صدّام حسين (100 ألف دولار)، وجائزة معمر القذافي (32 ألف دولار)؛ لأسباب لا تتصل، البتة، بسعة ذات اليد والاكتفاء المادّي، فالعكس قد يكون هو الصحيح، وإنما لأنّ ذلك التراث الفكري النقدي الذي اشتغل له، وعليه، وبشّر به وله، كان يحول ـ أخلاقياً، في المقام الاوّل ـ دون مهادنة الطغاة ومغازلة الاستبداد. وأياً كان اتفاق المرء، أو اختلافه، مع منجز الجابري، الضخم والمتشعب والمركب فإنّ الرصانة القصوى في القبول وفي الرفض كانت، وتظلّ، ركناً لا غنى عنه في التعاطي مع ذلك المنجز.
كان الجابري قد استخلص مزيجه الفلسفي الخاصّ، جامعاً بين التتلمذ على فكر ابن رشد، أطروحته للدكتوراه سنة 1970، والتعمق النقدي في شتى الظواهر، الفكرية خاصة، التي اقترنت بحركات الخوارج والإسماعيليين والشيعة والمتصوفة، واستلهام أدوات يمانويل كانط التي تحثّ على الاستنباط العقلي بدل التناقل الآلي. وفي قلب هذه «المطحنة» من الافكار والمناهج والمدارس والفلسفات، لم ينسحب الجابري من دوره العامّ، السياسي تحديداً، فكان قريباً من المهدي بن بركة و»الاتحاد الوطني للقوات الشعبية»، وظلّ وفياً لدور «المثقف العضوي» في الشارع الشعبي كما في الحرم الجامعي.
أعمال الجابري تناهز الـ30، تبدأ من «العصبية والدولة: معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي»، 1971، وبينها «مدخل إلى فلسفة العلوم:، في جزئين، 1976؛ «من أجل رؤية تقدمية لبعض مشكلاتنا الفكرية والتربوية»، 1977؛ «نحن والتراث: قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي»، 1980؛ «الخطاب العربي المعاصر: دراسة تحليلية نقدية»، 1982؛ «تكوين العقل العربي»، 1984؛ «بنية العقل العربي»، 1986؛ «العقل السياسي العربي»، 1990؛ «حوار المغرب والمشرق: حوار مع د. حسن حنفي»، 1990؛ «التراث والحداثة: دراسات ومناقشات»، 1991؛ «المسألة الثقافية، 1994؛ «المثقفون في الحضارة العربية الإسلامية، محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد»، 1995؛ «مسألة الهوية: العروبة والإسلام والغرب»، 1995؛ «الدين والدولة وتطبيق الشريعة»، 1996؛ «المشروع النهضوي العربي»، 1996؛ و»الديموقراطية وحقوق الإنسان» 1997.

محمد عابد الجابري

كلمات مفتاحية

اشترك في قائمتنا البريدية