لندن ـ «القدس العربي»: في 19 إيلول/سبتمبر قال الرئيس الأمريكي باراك أوباما إن معركة استعادة الموصل جاهزة «وتتحرك بشكل سريع». وكان أوباما يتحدث وإلى جانبه رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي حيث قال «نحن مستعدون لتقديم لدعم الإنساني» لسكان مدينة الموصل التي يسيطر عليها تنظيم «الدولة» منذ أكثر من عامين.
ويعتقد العقيد دانيال ديفز، الذي عمل في الجيش الأمريكي وخدم في أكثر من مهمة في أفغانستان، أن الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء يقللان من حجم التحديات والمصاعب التي ستنتج عن رحيل آلاف اللاجئين الجدد عندما تبدأ عملية الموصل.
وكتب في موقع مجلة «ناشونال إنترست» قائلا إنه زار شمال العراق في نهاية آب/أغسطس والتقى وزير الشؤون الخارجية في حكومة إقليم كردستان والجنرال المسؤول عن جبهة الموصل وزار مخيمات اللاجئين بما فيها المخيم الجديد الذي أطلق عليه الدباغة.
وكان الهدف الأول من زيارته هو التعرف على وتقييم التحضيرات الأولية لعملية استعادة الموصل، ولكنه دهش من حديث المسؤولين الأكراد على البعد الإنسـاني في المعـركة.
ونقل عن الوزير فلاح مصطفى بكر قوله إن شمال العراق يواجه الآن كارثة إنسانية. ولو لم يتحرك المجتمع الدولي سريعا فالأزمة ستتحول إلى «كارثة إنسانية» خاصة عندما تبدأ المعركة. ونقل عن الجنرال بهرام ياسين، قائد الكتيبة السابعة لقوات البيشمركه قوله إنه قلق بسبب عدم وجود تحضيرات كافية على الأرض.
ويقول ديفز إنه اتصل مع مكتب تنسيق المساعدات الإنسانية التابع للأمم المتحدة من أجل الحصول على معلومات حول التحضيرات.
وفي رد من المكتب عن طريق البريد الألكتروني جاء أن المسؤولين أعلنوا عن نداء عاجل للمجتمع الدولي بداية هذا العام وقالوا فيه إنهم في حاجة إلى 284 مليون دولار من أجل بناء مخيمات كافية لاستيعاب تدفق السكان من الموصل الذين من المتوقع أن يفروا من القتال.
وجاء في الرسالة إنهم تلقوا 66 مليون دولار والتي تم دفعها للمساهمة في مساعدة النازحين.
ولا يعرف المسؤولون متى سيحصلون على المبلغ الباقي. ومع أنهم أكدوا على أهمية وصول المبلغ قبل بداية العمليات العسكرية بشهرين حتى يكون لديهم الوقت الكافي لبناء وإعداد المخيمات إلا أن التقارير الصحافية تتحدث عن قرب العملية التي ربما ستبدأ في نهاية الشهر المقبل.
وحتى ولو حصل مكتب تنسيق العمليات الإنسانية على التمويل اللازم يوم غد فمن المؤكد أن لا يستطيع تجهيز المخيمات لتستقبل آلاف النازحين عندما يبدأ القتال.
ويقول إن الجيش العراقي راغب في استعادة الموصل من تنظيم «“الدولة”» ولكن من المهم أن لا يستعجل في العملية العسكرية قبل أن تكون الأمم المتحدة والسلطات جاهزة لاستقبال الكثير من الذين سيشردهم الحرب، وهو ما سيجعل من مخاوف المسؤول الكردي عن «الكارثة الإنسانية» واقعا حقيقيا.
ويقول إن نجاح الحكومة العراقية هزيمة تنظيم «“الدولة”» وطرده من الموصل لن يكون بدون التسبب بمصاعب ومعاناة وربما ضحايا لأنها بدأت الهجوم قبل وضع ضمانات لتأمين حياة سكان المدينة، وكلهم من السنة تقريبا، خاصة أن الحكومة التي يسيطر عليها الشيعة في بغداد قد تجد صعوبة في الحصول على دعم أهلها.
ويقول إن إدارة مدينة الموصل في مرحلة ما بعد تنظيم “الدولة” ستكون صعبة في ظل أي ظرف. ويجب على بغداد أن تفعل ما بوسعها الحصول على ثقة السكان حتى لا تظهر حركة تمرد سنية جديدة من بين السكان الغاضبين.
تسليح السنة
ومن هنا لا بد من أن يلعب السنة دورا ليس في إدارة مدينتهم ولكن في تحريرها كما يقول جمال الضاري، مدير المشروع العراقي الذي دعا في مقال نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» وجاء فيه أن حديث العبادي عن تحرير الموصل يأتي في ظل محاولات إعادة بناء الجيش العراقي خلال العامين الماضيين إلا ان المؤسسة العسكرية كما يقول لا تزال غير قادرة على تحرير المدينة بنفسها وهو ما دفع العبادي للاعتماد على الميليشيات الشيعية والتي يعتبر الكثير منها جماعات وكيلة لإيران في العراق، لإدارة الحرب ضد تنظيم «الدولة».
ويقول إن العرب السنة- الجماعة التي يجب أن يكون لها الدور الأكبر في تحرير المدينة- مهمشون ووضعتهم حكومة بغداد موقف المتفرج.
ويقول إن تهميش السنة تعتبر «تيمة» عامة منذ عام 2003. ويشير للدور الذي لعبه نوري المالكي في صعود تنظيم “الدولة”. ورغم تغير رئيس الوزراء إلا أن السياسات الكارثية نفسها استمرت. وهو ما دفع رئيس البرلمان العراقي السني للقول إن الباب مغلق أمام السنة للمشاركة في معركة التحرير.
ويعتقد الضاري أن هذا خطأ وعلى واشنطن أن تقوم بتصحيحه بشكل سريع. فمنع السنة من تحرير الموصل سيعمل على زعزعة استقرار العراق في المستقبل المنظور.
مستعدون
ويعتقد الكاتب أن السنة لديهم القدرة والاستعداد للقتال وما ينقصهم هو الدعم. ويشير إلى 2.000 مقاتل سني من أبناء العشائر العربية يعملون مع القيادات المحلية في معسكرات تدريب لا تبعد سوى 20 ميلا عن مدينة الموصل.
وكل هؤلاء من الموصل أو البلدات والقرى المحيطة بها، ولديهم الاستعداد والقدرة لقتال تنظيم «الدولة» لاستعادة بيوتهم وحماية أحيائهم وأقاربهم والدفاع عن البنى التحتية فيها.
ولسوء الحظ، لا يحصل هؤلاء العراقيون الشجعان على الدعم الجوي المطلوب أو المعدات العسكرية التي يحتاجون إليها من بغداد.
وأضاف الكاتب أن الحكومة العراقية اعتمدت في الحملات العسكرية السابقة ضد تنظيم “الدولة” على استراتيجيتين. الأولى هي نشر الميليشيات الشيعية كما حصل في تكريت لدعم القوات العسكرية وهو ما قاد لتدمير بيوت السنة ونهبها. أما الثانية فقد اعتمدت على القصف الجوي كما في الرمادي. ففي الوقت الذي منعت فيه الميليشيات من ارتكاب جرائم حرب إلا أن النتيجة كانت مماثلة وهي التدمير.
ومقابل هذه، فمدينة الموصل هي أكبر مدينة سيطر عليها تنظيم «الدولة»، وهي مدينة سنية أيضا. والطريقة الوحيدة لتحريرها ومنع سفك الدماء فيجب أن يلعب سكانها دورا في المعركة لتحريرها. ومن هنا فدعوة الميليشيات الشيعية لدخول مدينة الموصل سيؤدي إلى تداعيات سلبية كبيرة.
وانضم بعض السكان إلى تنظيم «الدولة» باعتباره أهون الشرين. ويقول إن القبائل السنية تعيش في هذه المنطقة التي تمتد من غرب بغداد حتى الحدود الأردنية والسورية. وعلى خلاف الجيش العراقي، الذي جاء معظم جنوده من الشيعة العرب في الجنوب، فإن القبائل السنية العربية ملتزمة بالدفاع وتحرير مناطقها.
دور الصحوات
وذكر الكاتب قارئه بالدور الذي لعبته القبائل السنية في الفترة ما بين 2006- 2008 حيث تعاونت الصحوات السنية مع القوات الأمريكية في قتال تنظيم «القاعد»ة.
ويضيف أن الدور الذي لعبته الصحوات في تراجع العنف وخسارة «القاعدة» مناطقها في العراق. وهي التي حمت البلاد من الانهيار، إلا أن التضحيات التي قدموها ضيعتها سياسات حكومة المالكي الطائفية.
وفي هذه المرة تستعد القبائل وهي قادرة على هزيمة التطرف وحماية مناطقها. وعقد قادة التجمعات السنية لقاءات في بغداد وإربيل. وعبر القادة السنة عن مظاهر قلقهم للمسؤولين الأمريكيين خاصة فيما يتعلق بدور الميليشيات الشيعية في الحملة العسكرية ضد تنظيم «الدولة».
ويدعو الكاتـب إلى منـع الدعـم الأمـريكي عن الميليشيات للعب دور في عملية الموصل. وبدلا من ذلك على واشنطن تسليح القبائل السنية في الأنبار ومحـافظة نينوى. وتضـم هذه القوات 2.000 مقاتل مرابطين قـرب الموصـل. ويـمكن لهذه القوات القتال إلى جانب الفرقة المدرعة التاسعة.
وعبر الكاتب عن خيبة أمله من الأمريكيين الذين أكدوا للقبائل السنية أنها لن تشارك في عملية تحرير مناطقها إلا في حالة موافقة الحكومة في بغداد و»هذا مخيب للأمال وله أثار عكسية، فهذه القوى القبلية لديها حيوية في مناطقها- ليس في الجغرافيا ولكن بالسكان، ومعظمهم أقاربهم، ولن يثق المدنيون السنة إلا بالقبائل كي تحميهم».
ويختم بالقول إن العبادي والمالكي يخشون من أن تؤدي مشاركة القبائل السنية لتهديد النظام الذي يسيطر عليه الشيعة في بغداد.
وتنبع هذه المخاوف من إيران والميليشيات الشيعية المتطرفة. ويرى الضاري أن الحكومة لو سلحت القبائل السنية عام 2014 لما استطاع تنظيم «الدولة» السيطرة على مناطق في العراق. وفي النهاية سيكون تحرير الموصل عملية معقدة ومكلفة.
ولو شارك السكان المحليون في العملية وتلقوا الدعم فستكون الكلفة أقل بدلا من أن يخشوا من التحرر من عدو ليقعوا في ربقة عدو جديد.
وعلى ما يبدو فالجماعات الشيعية تحضر للمشاركة في عملية الموصل وبدعم من طهران رغم المعارضة الأمريكية. ففي تقرير كتبته سلومي أندرسون في مجلة «فورين بوليسي» بدأت بالحديث عن بلدة بشير التي تم طرد تنظيم «الدولة» منها في أيار/مايو وشارك في العملية مقاتلو البيشمركه والحشد الشعبي. وبعد العملية خرجت قوات البيشمركه تاركة إدارتها بيد الميليشيات الشيعية.
ونقلت عن أحد سكان البلدة العائدين قوله إنه لا يشعر بالخوف مع وجود الحشد الشعبي وإنه قرر العودة إلى بلدته بسبب إيجار البيت الذي كان يدفعه في كركوك ولم يعد يستطيع توفيره. وتشير الكاتبة إلى إن حضور الحشد الشعبي في البلدة واضح فالأعلام التي تحمل شعار منظمة بدر ترفرف فوق العديد من المباني.
وهي أعلام تشبه رايات حزب الله اللبناني. وكما تؤثر إيران على الجماعة اللبنانية فدور طهران واضح في بلدة بشير، فصور آية الله الخميني وآية الله الخامنئي موزعة في كل أنحاء البلدة.
وترى الكاتبة أن حضور هذه الجماعات سيؤدي إلى توتير العلاقات بين واشنطن وبغداد في الوقت الذي تحضر فيه القوات العراقية لمعركة الموصل.
ولا تزال الحكومة الأمريكية تشك في القوة التي أنشئت في حزيران/يونيو 2014 بناء على فتوى أصدرتها المرجعية الشيعية آية الله علي السيستاني لقتال تنظيم «الدولة».
ففي معظم الحملات العسكرية، التي شارك فيها المقاتلون، كانت تخرج تقارير تشير إلى انخراطهم في عمليات قتل وتطهير عرقي للمناطق السنية. كما أن معظم الجماعات الشيعية المدعومة من إيران معادية وبشكل واضح للولايات المتحدة.
وتقول إن الحكومة الأمريكية فعلت ما تستطيع لمنع دخول هذه الميليشيات لمدن ذات غالبية سنية ومنها بلدة بشير حيث رفضت تقديم الغطاء الجوي لها مكتفية بتوفيره لقوات البيشمركه.
ومع ذلك يجد الأمريكيون عملية عزل قوات الحشد سهل من الناحية اللفظية ولا يمكن تطبيقه فعليا نظرا لارتباطها الرسمي مع القوات العراقية.
وتحصل بهذه المثابة على معظم المميزات التي يحصل عليها الجيش الرسمي وإن كان من الناحية النظرية. وحصلت على ما قيمته مليـار دولار مـن الميـزانية الـفدراليـة.
وهناك تقارير تقول إن عناصر في وزارة الداخلية تتبع لمظلة الحشد الشعبي.
وأصبحت نتيجة للعمليات العسكرية التي شاركت فيها من بغداد إلى تكريت وبيجي قوة يحسب لها حساب.
ومشكلة الحشد أن بعض الفصائل المشاركة فيه لها تاريخ في قتال الأمريكيين مثل «كتائب حزب الله» والتي يقودها أبو مهدي المهندس.
وينقل التقرير عن مايكل نايتس، من معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، قوله «نحن (الولايات المتحدة) لا نستطيع العمل مع كتائب حزب الله التي لم تقتل أعدادا من الجنود الأمريكيين في حرب العراق الأخيرة ولكنها تحظى بدعم الحرس الثوري الإسلامي كجماعة وكيلة له».
ويضيف «هؤلاء الرجال يريدون تحويل العراق إلى جمهورية إسلامية بقيادة ليست من ملالي النجف ولكن من إيران آية الله الخميني».
وتنقل الكاتبة عن النائب الديمقراطي عن ماساشوسيتس، سيث مولتون الذي قاتل في العراق قوله إنه يأمل في الحد من قوة الحشد الشعبي بعد القضـاء علـى تنظـيم «الـدولة».
وقدم خطة حول كيفية تحقيق الاستقرار في العراق ودعا فيها إلى شرط المساعدة الأمريكية بتحقيق التقدم.
وقال «هزيمة تنظيم الدولة لا تكفي» و«هناك حاجة للحفاظ على السلام، وهو الجزء الذي نفتقده دائما، وما نحتاجه هو التقليل من التأثير الطائفي (للحشد) والطريقة التي يتم فيها تهميش السنة. ولو تجنبنا هذا في المقام الأول لما وصلنا للوضع الذي نحن فيه».
لسنا في حاجة للأمريكيين
وتعلق الكاتبة هنا أن الحشد الشعبي في شمال العراق ليس مستعدا على ما يبدو للاستماع لإملاءات واشنطن.
ونقلت عن مقاتلين في الحشد الشعبي قابلتهم في طوز خرماتو قول أحدهم «لسنا بحاجة لدعم أمريكي» وأضاف أن الحشد الشعبي لم يحظ أبدا بدعم من الولايات المتحدة «وكان الدعم المباشر من بغداد وإيران، والمستشارون الإيرانيون موجودون هنا.
وحاولنا مع الأمريكيين لأكثر من عامين عندما كان تنظيم «الدولة» (داعش) في بشير ولم يفعلوا شيئا. ولم يشاركوا في أي من الهجمات إلا عندما غطوا البيشمركه».
ويؤكد المسؤول الثاني عن منظمة بدر في منطقة بشير أن حركته ليست طائفية وأن معظم المناطق التي شاركوا فيها هي سنية. ولو كانوا طائفيين لما شاركوا في العمليات.
وتعلق الكاتبة أن الأدلة هي عكس ما يقوله هذا القيادي فالتقارير التي جاءت بعد طرد تنظيم «الدولة» من الفلوجة تحدثت عن عمليات إساءة معاملة للسنة.
وشجبت منظمة هيومان رايتس ووتش تصرفات الحشد الشعبي أكثر من مرة خلال هذا العام.
ويقول رناد منصور، من وقفية كارنيجي أن مشكلة الحشد الشعبي مرتبطة بسوء التنظيم والفوضى، مشيرة إلى أنه ليس منظمة واحدة بقائد مركزي «ولديك منظمات قوية مثل كتيبة بدر ولكنها لا تستطيع السيطرة على أفعال بقية المنظمات».
وعن معركة الموصل يقول أحد قادة الحشد إن الولايات المتحدة ترغب بالتعجيل بمعركة الموصل بسبب الانتخابات الأمريكية لكن «لكن توقيت الهجوم يظل في يد الحكومة العراقية والحشد الشعبي وليس بيد الأمريكيين».
وتقول الكاتبة إن الخبراء والسياسيين في واشنطن يعملون من أجل إثبات خطأ المسؤول في الحشد.
ويرى نايتس أن دور الميليشيات سيكون محدودا أو رمزيا في معركة الموصل. وقال «يريدون أن يلتقطوا صورهم في الموصل كنوع من البروباغندا».
وحتى لا يمنح هذا الشرف للحشد فإن مولتون مستعد لتأخير عملية تحرير الموصل ووضع ضغوط على الحكومة العراقية كي تقوم بالإصلاح وتحديد تأثير الحشد الشعبي.
وتقوم خطة الكونغرس التي يدعمها مولتون على تقديم الحوافز المالية للحكومة العراقية والاستثمار في مناطق السنة وبالضرورة الابتعاد عن الميليشيات.
إبراهيم درويش