«لا تحبني» للمخرج ألكسندروس أفراناس: حكاية التأمين الذي تسبب في الأزمة اليونانية

حجم الخط
1

مدريد ـ «القدس العربي» ـ خالد الخطابي: يعد فيلم «لاتحبني» للمخرج اليوناني ألكسندروس أفراناس، رابع تجربة سينمائية في مساره الإبداعي بعد فيلم «بدون» 2008، «ميس فيولينس» 2013 و»جرائم حقيقية»2016 .
وظل ألكسندروس أفراناس في «لاتحبني»، أي لا تحبني، وفيا مرة أخرى لأسلوبه الذي يعتمد على قوة القصة، التي لا تخلو في طياتها من عنف مادي ورمزي يتم تسويغهما بدقة غير مبالغ فيها، حيث يربك المشاهد ويدعوه إلى الانخراط والتفكير في القضايا المطروحة للنقاش.

قتل وخداع للظفر بتأمين الحياة

يحكي الفيلم قصة زوجين يونانيين قررا الاتفاق مع شابة مهاجرة من أجل استئجارها كأم بديلة، مقابل مبلغ مادي، حيث ستنتقل للعيش معهما في منزل فاخر. يسعى الزوجان لنيل رضى القادمة الجديدة، بتلبية كل مطالبها، بل العمل تدريجيا على تقريب المسافة بينهم لتجاوز العقبات النفسية والمادية التي يولدها الإحساس المتمثل في كون المصلحة هي الجامعة بين الطرفين. بينما الزوج يقضي جل أوقاته خارج البيت، تسعى الزوجة رفقة الشابة المهاجرة إلى الاقتراب من بعضهما، وخلق أجواء مساعدة لتحقيق الأمنية، لكن الزوجة لا تبدو مرتاحة في كل تصرفاتها رغم مظاهر الفرح التي تحاول إظهارها.
مع مرور الأيام تبدو المرأة مكتئبة بشكل متزايد بفعل فرحها القسري، وبعد تناولها للمشروبات مع الفتاة، تخرج كالعادة لقضاء أغراضها. وعندما كان الزوج يقوم بزيارة لخالته في إحدى دور العجزة، سيتلقى مكالمة هاتفية تخبره بأن زوجته فارقت الحياة، وتم العثورعلى جسدها محروقا بالكامل داخل السيارة التي يبدو أنها تعرضت لحادثة سير.
غير أن أحداث الفيلم المتتالية تظهر بأن ذلك مجرد خدعة قام بتدبيرها الزوجان للاستفادة من تأمين الحياة، وسنكتشف أن الجثة التي تم العثور عنها محروقة تعود للأم البديلة، حيث سيظهر فجأة أحد مكتشفي خداع التأمينات، يقدم نفسه كجار، ويعمل على تتبع الخيط المنفلت في القصة، حيث سيواجه المرأة بحقيقة فعلتها ويسعى عمدا إلى تعذيبها النفسي والجسدي وتركها تلبي أوامره، خاصة عندما كان يقوم بجرها مربوطة العنق بحبل، ككلبة مطيعة ليصل الاحتقار إلى مداه إثر قيامه باغتصابها بطريقة وحشية رغم مقاومتها الشرسة التي سرعان ما تنهار أمام الضغط الممارس. وفي الوقت الذي كانت تنتظر فيه الزوجة الخلاص من التعذيب إثر عودة الزوج من سفره وتسلمه لمبلغ التأمين، ستفاجأ الزوجة بالرد البارد لزوجها وتركها تواجه مصيرها.
والفيلم يدفعك منذ البداية لاتخاذ موقف، حيث يبدو في أوله متعلقا بقضية استئجار الأرحام، بل يجعلك في بعض اللقطات تتعاطف مع الزوجين.. لكن بعد ذلك تنهال عليك تباعا أحداث أخرى تجعلك تراجع حساباتك، لأنك تعرضت للخداع طيلة نصف أحداث الفيلم. ثم يطرح عليك الفيلم تحديا آخر ويجعلك تحتار في أن تنحاز كمشاهد إلى صف الجار الذي يتفنن في التعذيب عبر استغلال الجريمة، أم إلى الزوجين اللذين دفعتهما أزمتهما الاقتصادية إلى تدبير كل ذلك وتنسى القتل البشع للأم البديلة.

انهيار القيم الأخلاقية

يطرح الفيلم في البداية مسألة استئجار الأرحام ويربطها بالاتفاق المادي بين الطرفين، ثم بعد ذلك يظهر لنا أن الأمر لا يعدو سوى شماعة يعلق عليها بناءه التصاعدي الذي سينتهي بالقتل البشع للأم البديلة، وهناك سنكتشف أن الإنجاب كان ذريعة أخرى يتكئ عليها السرد ليصل إلى مبتغاه المتمثل في الحصول على تأمين الحياة. كما يعالج الطريقة التي فضل بها الجار تدبير الملف، حيث عمد إلى تركيع المرأة المخادعة، في الوقت الذي سعى فيه إلى التلاعب والمناورة عوض اتخاذ موقف صارم «يمكن أن أقتلك خنقا في المسبح لكنني أفضل أن أزورك متى ما أردت ذلك»
ويتناول أيضا طبيعة العلاقات بين أفراد الأسر اليونانية، والتي بدأ يطبعها البحث عن الحلول الفردية عندما يتأزم أحد أطراف العلاقة، حيث أن الزوج لم يستسغ رؤية زوجته في وضعية انهيار تام جراء ضربها واغتصابها وتفضيله للهروب. ويحاول الفيلم تشخيص مظاهر أخذت تطفو على سطح المجتمع اليوناني، بعد الأزمة الاقتصادية الخانقة التي جعلت الفرد يفقد ما تبقى له من رصيد القيم الأخلاقية التي سرعان ما تنهار أمام تحقيق المصالح الشخصية والمادية، مهما كان ثمن ذلك، حتى إن اقتضى الأمر الاعتداء على حياة الغير. فالفيلم مبني على الكذب والخداع والنفاق والأنانية في أقصى تجلياتها، التي تسمح للزوجين باعتماد القتل كوسيلة من أجل الظفر بتأمين الحياة، كما أنه لا يخلو من بعث إشارات مبطنة، حيث يومئ إلى كيفية تعامل الجار الذي يبدو مسايرا لتلك الانهيارات ومفاوضا ذكيا يفرض شروطه على الغير.
ويستفز الفيلم المشاهد ويسائل ضميره الأخلاقي عبر طرحه لأشياء تبدو في ظاهرها إنسانية، غير أنها تحمل في طياتها الوجه البشع للمجتمع اليوناني، حيث سنكتشف أن كل الأشياء كانت عبارة عن مظاهر خادعة (من المنزل إلى السيارات الفارهة). كما يجعلنا نحتار هل نتعاطف مع الأسر التي يتعذرعليها الإنجاب، أم ننحاز لظروف مستأجري الأرحام.. لكنه في الأخير يظهر لنا بأن الكل انتهازي يتصرف حسب مصالحه التي تفوق كل الاعتبارات الأخلاقية.

مشاهد الخداع الصعبة

تعترف الممثلة إيليني روسيني، أثينا 1972، على أن أصعب المشاهد التي أدتها في الفيلم «لا تتعلق بتلك المشاهد الأخيرة التي تطلبت مجهودا بدنيا.. بل إن لقطات البداية كانت أشد وقعا عليّ، باعتبار أنني كنت بصدد تجسيد شخصية مخادعة». ويمكن اعتبار أن الخداع الذي ميز أداء الشخصيتين الرئيسيتين كان عنصرا أساسيا في الحبك الفيلمي، حيث استمر إلى آخر لقطة في الفيلم، التي اختار فيها الزوج الهروب لوحده وترك شريكته تواجه مصيرها أمام محقق التأمينات.
وعن اختيارها للدور في فيلم ألكسندروس أفراناس، اعتبرت إيليني روسيني، التي سبق لها أن اشتغلت مع المخرج في فيلم «ميس فيولينس»، أنها «تعرف ميولات المخرج السينمائية جيدا ومعجبة جدا بطريقة تفكيره وكيفية معالجته لقصص أفلامه، وأن الدور كان مهما بالنسبة لها، لأن شخصية تلك المرأة لم تكن مهيأة لتصبح قاتلة، بل كانت شخصية طيبة لكن الظروف تحتم عليها اختيارات شريرة».
أما الممثل كريستوس لوليس، أثينا 1976، فقد أوضح أن ما جذب انتباهه في سيناريو الفيلم هو فكرته الجوهرية التي «تتمثل في أن لا شيء اليوم يظهرعلى حقيقته وهذا ذكرني بما يحدث في الحياة الواقعية، حيث الكل يتمحور بحسب وجود مصلحتنا فيه وهذا ما جسده الفيلم بشكل مرير. وما لفت انتباهي أكثر هو الكذب ومحاولة الاحتفاظ بأشياء لا نمتلكها. وأن كل الأشياء تتغير، وحيث لا شيء يظهر كما هو في الواقع».
ولحكاية الخداع الذي ميز الشخصيات الرئيسية طيلة أحداث الفيلم، اعتمد المخرج كثيرا على أخذ لقطات متوسطة، خاصة عندما يريد تقديم العوالم التي تدور فيها المشاهد ووصف الأمكنة التي كانت محدودة الحركة في أغلب الأوقات. كما تم توظيف لقطات مقربة في الوقت الذي كان يحاول فيه المخرج تقريبنا من ملامح الشخصيات، لإظهار البعد النفسي ووضعيتهم المتأزمة.

في حديثه عن «لاتحبني» أكد المخرج اليوناني ألكسندروس أفراناس، أن وقائع فيلمه مقتبسة من قصة حقيقية جرت في اليونان سنة 2010، حيث تغيرت الأشياء كثيرا. فالوضعية الاقتصادية الصعبة تزداد حدتها حسب حظوظ الناس وظروفهم. وأضاف ألكسندروس أفراناس «لقد كان اهتمامي الأساسي الحديث عن الأخلاق وإثارة المشاهد من خلال مساءلة وازعه الأخلاقي». وتابع أفراناس «إننا نعيش في مجتمع يعاني من فقدان القيم، وبصفة عامة أعتقد أن الأشياء جد صعبة للغاية ما يجعلنا نسلك طرقا وعرة».
ولم يخف المخرج اليوناني الفائز بالأسد الفضي لأحسن مخرج عن فيلمه «ميس فيولينس» في مهرجان فينيسيا سنة 2013، انزعاجه من الوضعية التي تعيشها بلاده حاليا، حيث صرح قائلا «الحياة في اليونان ليست صعبة وحسب، كما كانت منذ ثماني سنوات، بل إنها مستحيلة اليوم، حيث لم يعد هناك أمل. وكلمة ثورة التي كانت قديما موجودة منذ القدم تم محوها ولم يعد أحدا يستعملها، بل لا نعرف أنها ما تزال في القواميس. وتابع أفراناس، المولود في لاريسا سنة 1977، «فيما الأشخاص لوحدهم يحاولون استرجاع ما افتقدوه أو ما يستحقونه. لأنه قبل الأزمة الاقتصادية كان عندنا حلم ورأيناهم يسرقونه. وأعتبر أن جيلي قاسى كثيرا فالشباب الأربعيني هم أكثر من عانوا لأنهم لم يعيشوا الحلم الأمريكي، كما عايشه كبار السن الذين شهدوا مرحلة جميلة فيما للأسف، جيلنا لم يعشها».
وفي سؤالي للمخرج حول مدى اقتناعه بمدى استمرار بلاده ضمن الاتحاد الأوروبي، أجاب ألكسندروس أفراناس «لست سياسيا، أنا مخرج سينمائي وأعتقد أن اليونان يجب أن تكون في الاتحاد الأوروبي. كما أن أوروبا يجب أن تتطور أكثر والمسألة السياسية في الاتحاد لا أعرفها بالتفصيل، وأعتقد أن اليونان يجب أن تستمر في الاتحاد».
وبابتسامة لا تخلو من تردد، نفى المخرج اليوناني عند إجابته عن المقارنة التي تستشف من خلال ما ورد في الفيلم، حيث تعامل الجار مع الزوجة بأفعال ماسة بالكرامة الإنسانية (الاغتصاب، السخرة، الإذلال.) مع ما يمثله ذلك من انعكاس لكيفية تعامل الجيران الأوروبيين، مثل ألمانيا مع بلده اليونان، حيث صرح قائلا «لا، إنها ليست نيتي» وأضاف مؤكدا «ربما، الاستعارة أقرب إلى العلاقة بين الأجيال».

«لا تحبني» للمخرج ألكسندروس أفراناس: حكاية التأمين الذي تسبب في الأزمة اليونانية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية