لا تسأل عن التفاصيل يا مدحت!

حجم الخط
3

كان من حسن حظي أن أحببت فن محمد عبد الوهاب مبكراً، بعد أن كان دافعي للتعرف عليه كراهية أحد أخوالي المفرطة له، ما زلت أذكر ذلك اليوم من أواخر الثمانينات، الذي راجت فيه شائعة أن عبد الوهاب قد توفي، كان خالي قد عاد من العمل مرهقاً، وسمعته يقول لجدتي بضيق شديد لم أفهمه: «بيقولوا عبد الوهاب مات، هيذيعوا بكره كل أفلامه ورا بعض ويبوظوا لنا يوم الأجازة». في اليوم التالي اتضح أن عبد الوهاب لم يمت، واستمتعت مع خالي بمشاهدة فيلمين لعادل إمام وفيلم لكلينت إيستوود، لكني أخذت قراراً بالبحث عن أغاني عبد الوهاب لأعرف لماذا  يتضايق منه خالي إلى هذا الحد، وهو الذي علمني محبة الغناء الجميل، وحين عشقت عالم عبد الوهاب تعلمت إمكانية تعدد الأذواق وتناقضها، ثم تعلمت إمكانية تغيرها حين ظهرت أغنية «من غير ليه» وفوجئت بمحبة خالي لها لأنها كانت «غير شغل عبد الوهاب الممل خالص»، قبل أن يغير رأيه مع مرور الأيام، ويصبح من مدمني عبد الوهاب في أغلب مراحله، ويتفق معي في كونه من أنجع وسائل ضبط المزاج المقلوب وتغيير «المود» المكروب.
كان من أوائل ما أحببته لعبد الوهاب لحنه لقصيدة «سهرت منه الليالي» التي عرفني عليها زميل دراسة اتخذ من إحدى عباراتها «ما أقصر العمر حتى نُضيعه في النضالِ» منهجاً في الحياة، وتصورنا أنه أحسن الاختيار، حتى عرفنا أنه دخل السجن في قضية نصب مضحكة التفاصيل. كان اهتمامي بالأغنية قد زاد حين عرفت أنها كانت القصيدة الوحيدة التي كتبها حسين ابن أمير الشعراء أحمد شوقي، تذكرت ما كتبه فتحي رضوان في كتابه البديع «عصر ورجال» عن علاقة حسين المتوترة بأبيه، ثم قرأت ما كتبه حسين عن أبيه فازداد تعاطفي معه وإعجابي بقصيدته اليتيمة، وبالأخص ذلك المقطع الذي يصف فيه حسين حال المحب وما يعتريه من اضطراب وتقلب في المشاعر «آهٍ الحب فيه بقائي آهٍ الحب فيه زوالي»، وهو ما يذكرك بقصيدة أبي صخر الهذلي البديعة عن تقلبات المحب قبل رؤية المحبوبة وحين رؤيتها: «فما هو إلا أن أراها فجاءةً، فاُبهَت لا عُرفٌ لديّ ولا نُكر».
ثم مرت الأيام، وشاهدت محمد عبد الوهاب «ما غيرو» على رأي إخوتنا الشوام، وهو يتحدث مع سعد الدين وهبة في برنامج «النهر الخالد»، مسفهاً من شأن تلك القصيدة، راوياً أنه وهو يلحنها «اتزنق» في كلام يناسب الموسيقى التي كان قد وضعها مسبقاً، فقام بتأليف ما وصفه بـ «الحتة العبيطة بتاعة آه الحب فيه بقائي والحب فيه زوالي»، وهو موقف لم أستسغه، معتبراً أن عبد الوهاب كان يقوم متأخراً بتصفية حسابه كابن فني وأدبي لشوقي الذي كان يحبه أكثر من ابنه البيولوجي، ومن باب التعاطف مع حسين زميلي في نادي الأبناء المعذّبين، نقلت كلمات القصيدة وأعدت تأملها بعيداً عن اللحن والغناء، لأقرر أن البيت الذي أضافه عبد الوهاب أصلاً ركيك وتافه لأنه دخيل على القصيدة، ولا علاقة له بباقي عباراتها الرائعة مثل: «يتوه في الحب قلبي فراشةً لا تبالي»، و»قلبٌ بغير غرامٍ جسمٌ من الروح خالي».
ثم مرت الأيام، وتغيرت المسامع والأفهام، ولم تعد «سهرت منه الليالي» ضمن قائمة مفضلاتي الخمسين لعبد الوهاب، آنس إليها حين تأتي في سكتي بالصدفة، لكني أصبحت أضحك على تعبير «فراشةً لا تبالي»، وأتساءل كيف يكون شكل الفراشة التي تبالي؟ ومع مرور المزيد من الأيام وتغير المزيد من المسامع والأفهام، أصبحت أعتبر أن أكثر ما قيل في وصف تقلبات المحبوب تكثيفاً وعمقاً هو قول الريس بيرة على لسان أحمد عدوية: «حبة فوق وحبة تحت»، كما أني أصبحت أتسامح مع حقيقة أن عدداً من أجمل ما أحببت من أغاني، تم تركيب الكلمات فيها على الألحان، على عكس ما كنت أتصوره أن الكاتب يقدح زناد فكره، فيبدع كلمات تفجر منابع الإبداع في وجدان الملحن، ثم ينصهر صوت المطرب في البوتقة الإبداعية، كنت أصدم في البداية بمعرفة أن كلمات الأغنية التي أحبها كُتبت على اللحن في قعدة لم تتجاوز يوماً أو نصف ساعة أحياناً، ومع الوقت لم يعد ذلك يجعل حماسي للأغاني يبوخ، بل أصبح يزيد من تقديري لكتابها، يعني هل يمكن ألا تحب مرسي جميل عزيز أكثر، حين تعرف أنه قام بمنتهى السلاسة بتركيب كلمات أغنية «ابعد يا حب» لعفاف راضي، على ذلك اللحن المَريد لمنير مراد، وهل يمكن أن يقل عشقك لمأمون الشناوي حين تعرف أنه ربما كتب كلمات بروعة «مريت هنا واشتقت إليك.. ولساعة من عمري هنيّة.. والبدر وانت وضيّ عينيك بينوروا الليل حواليا.. والنسمة بتوديني عليك وتعطفك تاني عليا»، على خلفية موسيقى وهابية تختلط بها كلمات من عينة «بامية على ملوخية» التي كان عبد الوهاب يحب استخدامها حين يضع موسيقى بعض أغانيه؟
ربما كان آخر عهدي بالسؤال عن كواليس الأعمال الفنية التي أحبها، حين سألت الرائع أحمد زكي عن أغنية «لا لا إثبت»، التي غناها في مسلسل «هو وهي». كنت يومها خارجاً من أزمة «عاتشفية» عنيفة، وقد وصفتها بذلك لأفرقها عن الأزمات العاطفية العنيفة حقاً وصدقاً، وهو فرق ستتبينه بعد سن الثلاثين إذا كنت محظوظاً، قلت يومها لأحمد زكي إنني كتبت قصة أنتقم فيها من محبوبتي، وسأصدرها بكلمات أغنيته: «البنت في تفسير الأحلام.. دنيا سبحان العلام.. الدنيا طلعت غدارة.. والحلم خديعة وأوهام.. فاهم إوعى تصدق أنثى.. المرأة خلاص إلغاء إعدام.. غشاشة من ضلع أعوج.. وزي البحر في قلبه ظلام»، فصدمني بأنه ليس معجباً بتلك الأغنية التي كتبت في لحظة هزار بعد أن قال لصلاح جاهين وكمال الطويل: «يعني أنا ما ليش نفس أغني لوحدي زي سعاد طب اعملوا لي حتى مقطع أسمع الناس صوتي، فكتبها عمك صلاح على موقف يناسب كلماتها واتلحنت في نفس القعدة»، ثم أضاف ساخراً: «وبعدين انت غبي عشان تاخد كلام معمول لغنوة دراما وتحطه في قصة مالهاش دعوة بالموقف..طب هتلاقي مين تحبك بعد كده بما تقول المرأة خلاص الغاء إعدام، يا أخي حط فيه كلام غزل في المرأة تمجيد ليها عشان تلاقي اللي تتنيل وتحبك»، وكانت بالفعل نصيحة ثاقبة من «زكاوة» العظيم، لأنني أدركت مدى بلاهة اعتناق تلك الغنوة المرتبطة بلعبة درامية كموقف شامل من المرأة، لأن ظلام القلوب لا يفرق بين رجل وامرأة، كما لا أظنه يخفى عليك.
ثم مرت الأيام، وسألني صحافي عن كواليس عمل فني كتبته وحقق نجاحاً كبيراً، وبالتحديد عن عبارة أعجبته قالها البطل للبطلة، رأى أنها لخصت له تعقيدات قصة علاقة فاشلة لم ينجح في نسيانها، فضلاً عن تلخيصها لتطور قصة الحب بين البطلين بشكل مفاجئ، وسألني عما إذا كان هناك موقف في حياتي أثر عليّ فكتبت هذه العبارة بذلك التكثيف، وكنت قد أصبحت أكثر حكمة من الاعتراف بأنني أمليت العبارة على المخرج حين اتصل بي من موقع التصوير، وقال إن المشهد يحتاج إلى عبارة إضافية لتأكيد مشاعر البطل، فطلبت أن يمهلني دقائق لفتح ملف السيناريو على الكمبيوتر، لأنني نسيت الحوار الذي كتبته قبل أشهر، وحين دق جرس الباب، قلت للمخرج إنني طلبت «أوردر من هارديز»، وأن «الفاست فود» لا يؤكل إلا ساخناً ليستفيد الجسم من سمومه، لكنني سأفكر في عبارة مناسبة وأنا آكل، وبعد أن أكلت وحَبَست بكوباية شاي، اتصلت به وأمليته العبارة التي صفق لها هو والبطلان وكثير من المشاهدين وصديقنا الصحافي، الذي قلت له بصوت متهدج، أنني أفضل ألا أتذكر الموقف الذي دفعني لكتابة العبارة لأنه «خاص جداَ»، فقال بتأثر إنه كان متأكداً أن عبارة مثل هذه لا تخرج من الوجدان بالساهل.
بالطبع لن أقول لك ما هي العبارة ولا ما هو العمل، لأقلل من محبتك له إن كنت تحبه، فقط سأنصحك بألا تسأل عن تفاصيل وكواليس الأعمال التي تحبها، إلا إذا كنت مستعداً للفصل بين العمل نفسه وظروف صنعه، وألا تفترض أن الإبداع يعني العفوية دائماً، ولا أنه يعني التخطيط المسبق دائماً، وأن تنشغل أكثر بالتفاصيل التي يقدمها لك العمل لا بتفاصيل صنع العمل، وأن لا تقرأ رسائل ديستويفسكي إلا بعد أن تقرأ أعماله، ولا تتخذ من سيرة كاتب أو فنان مقياساً للحكم على أعماله، والنصيحة الأهم التي سأحاججك بها يوم القيامة: لا تأكل «الفاست فود» أياً كانت الظروف والملابسات.

لا تسأل عن التفاصيل يا مدحت!

بلال فضل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية