تبنى المستشار القضائي لأقذر حكومة في تاريخ الحركة الصهيونية سياسة هدم البيوت غير المرخصة لدى العرب في مناطق 48، التي يقدر عددها بأربعين ألف منزل في الشمال، وبحوالي ستين ألفا في النقب، وهذا يعني أنه حتى لو نُفذ جزء بسيط من هذا الهدم، فهو كارثة لآلاف الأسر العربية! وقد يقول قائل (أوروبي) غير عليم، أو عربي غشيم، لماذا إذن يبنون بدون ترخيص ويعرّضون أنفسهم لهذه العقوبة القاسية المدمّرة! وهو سؤال منطقي في بلاد المنطق.
ولكن ماذا تعرف عن منطق احتلال ينظر إلى أصحاب البلد الأصليين بأنه يجب التخلص منهم، احتلال يمنع توسيع مسطحات القرى العربية ويعرقلها عشرات السنين بهدف إبقاء العرب داخل قرى تحولت إلى مخيمات، أو إرغامهم على البناء غير المرخص لإيواء أسرهم. يعود البيت العربي غير المرخص بفائدة كبيرة على الدولة العنصرية، فهو بقرة الغرامات الحلوب، فإذا مررت بقاعات المحاكم في مناطق عكا وحيفا والناصرة والخضيرة وصفد وبئر السبع، ستجد فيها طوابير العرب ومحاميهم ينتظرون تلقي أحكام الغرامات الباهظة وأحكام الهدم بتهمة البناء غير المرخص، وهذه تهمة عربية خالصة، ويشبه المستحيل أن ترى يهوديا واقفا في المحكمة بتهمة البناء غير المرخص، علما بأن مخالفات البناء عند اليهود وبإحصاء رسمي تقترب من نصف المخالفات في البلاد، وهذا لا يشمل المستوطنات في الضفة الغربية التي تقام على النهب والقتل المباشر. يتم تقسيط الغرامات الباهظة إلى عشرين أو ثلاثين قسطا، فيعمل المواطن وأسرته لتسديدها، وما أن يقترب من الانتهاء من تقسيط الغرامة حتى تتجدد الدعوة إلى قاعة المحكمة باسم ما يسمى لجنة التنظيم، وهي لجنة تسجيل مخالفات أكثر منها لجنة تنظيم، عندما يتعلق الأمر بالعرب.
ومن فوائد البناء غير المرخص لحكومات الدولة العنصرية المتعاقبة وعملائها، أن هذا البيت يُستغل كوسيلة ضغط انتخابية، منذ عشرات السنين كان عملاء الأحزاب الصهيونية ينثرون الوعود بتحصيل تراخيص للبيوت مقابل الأصوات، وهذا ساد لفترة طويلة على كثيرين من ضعفاء النفوس، الوعود نفسها تكررت من جيل إلى جيل، حتى لم يبق شك لدى أحد بأن القضية ممنهجة، وليست سوء تنظيم أو إدارة، وتهدف إلى وضع شفرة سكين الهدم على عنق العربي ليكون قابلا للابتزاز والعصر، وهذا يمنعه من التفكير إلا بالمسكن ومصير عائلته! كذلك فهي مادة دسمة لمرشحي البرلمان والبلديات ائتلافا ومعارضة، الجميع يلوّح ويعد بترخيص البيوت وفك الأزمة، ويحاول البرهنة أنه هو الأقدر على ذلك، وإذا حدث ونجح رئيس بلدية عربي بتوسيع مسطح بلدته بعدة عشرات من الدونمات، فهذا له أهمية مثل اكتشاف علاج لسرطان الثدي والقولون والجلد في أمريكا.
في كل قرية عربية ومنها قريتي مئات البيوت غير المرخصة، وهُدم عدد كبير منها وأعيد بناء بعضها، وعادت السلطات وهدمتها من جديد، في إحدى الجولات في بلدتي وقعت صدامات استشهد خلالها شاب قاوم بالحجر وأصيب العشرات، بعضهم بتشوهات أبدية وسيق العشرات إلى المعتقل! وحطمت محتويات البيوت المجاورة، وكان أبناء الشعب «المُخطار» الذين يمرون في سياراتهم وفي الحافلات على شارع عكا صفد يرددون كالببغاوات «المختارة»، بأن هذه البيوت المهدومة بيوت مخربين أرادوا قتل اليهود، بالضبط كما قال المجرم بيبي في ردّه على تصريح بان كي مون بشأن انتفاضة القدس قبل يومين، بأن الفلسطينيين لا يريدون دولة، بل يريدون إبادة اليهود.
بيبي قلق جدا من نتائج استطلاعات رأي تقول إن خير من يعالج انتفاضة السكاكين هو ليبرمان، وهذا يضعه في موقف محرج! بيبي يعيش فوبيا الفشل الأمني، ويريد إثبات أنه الأكثر تطرّفا، وهو كذلك بالفعل، ليحافظ على مكانته، ولهذا أعلن تسليم قضية البناء غير المرخص لوزارة الأمن الداخلي، بعدما كانت بيد وزارة المالية، أي أنه يسعى لحل قضايا البناء أمنيا، الأمر الذي يعني المواجهات حتما.
الإعداد الآن في أوجه لهدم قرية أم الحيران العربية البدوية في النقب، وتشريد أهلها، وما يجعل الحليم حيران هي حيوانية المستوطنين الذين أقاموا في كرفانات بالقرب من أم الحيران ينتظرون بفارغ الصبر هدمها، كي يدخلوا ويبنوا على أطلال بيوت أهلها المشرّدين مستوطنة اسمها (حيران)، بدون لف ولا دوران، تماما كما فعل سلفهم عام النكبة الأولى، مع فارق أنه قبل سبعة عقود لم تكن آلاف الفضائيات ولا البث التلفزيوني المباشر لا محليا ولا دوليا، وبهذه المناسبة ندعو مرة أخرى من قالوا ويقولون إن الفلسطينيين باعوا أرضهم لليهود وجاؤوا الى أمتهم يبكون أن ينظروا ويتأملوا ما يحصل بالبث المباشر.
في مواجهة هذه الهجمة وبعد إعلان بيبي مهددا العرب بأنه لن يقبل بدولة داخل دولة، في تلميح لتصعيد القمع، قررت الجماهيرالعربية أن الثلاثين من يناير الجاري يوم السبت القريب، هو يوم تعريف العالم بقضايا العرب الفلسطينيين في مناطق 48 في ظلال العنصرية والأبرتهايد الإسرائيلي، وسوف تنطلق صرختهم في ثلاثين عاصمة حول العالم، للفت الأنظار إلى جرائم حكومة عنصرية يرأسها عنصري مجرم يؤرقه بناء بيت عربي جديد وميلاد طفل عربي، وينام وهو يحلم بكيفية التخلص من أكبر عدد ممكن من العرب من وطنهم الذي كان اسمه فلسطين وسيبقى اسمه فلسطين، رغم كل المجرمين والقتلة العنصريين، وبالمناسبة، أصدر الناطق العسكري الإسرائيلي في الأيام الأخيرة إعلانا على طريقة الفيسبوك يقول «بلال اشترى سكينة، بلال ما بقتل ناس بالسكينة، بلال اشترى السكينة «لأبوه» الطباخ.. بلال مش إرهابي، بلال ذكي، كن مثل بلال» ونحن نقول»: صحيح والد بلال يعمل طباخا في الليل والنهار، والد بلال يريد أن يبني بيتا لبلال وأخوته، والد بلال ليس مجرما مثل بيبي نتنياهو، كن بني آدم مثل والد بلال».
٭ كاتب فلسطيني
سهيل كيوان