لا توجد دولة لبنانية بل مجرد بلاد تحت سيطرة «حزب الله»

حجم الخط
0

وقعت هذا الأسبوع عدة أحداث يبدو ظاهرا أن لا ارتباط بينها، ولكن في نظرة أعمق، تؤكد تواصل العواصف في الشرق الأوسط. فمن جهة واحدة من المنطقة، في لبنان، استقال رئيس الوزراء سعد الحريري بعد أن هرب إلى السعودية.
وزعم أنه فعل ذلك في اللحظة الأخيرة، قبل أن يصفيه حزب الله مثلما صفى أباه. وكان هناك من اتهم السعودية بأنها ضغطت عليه ليستقيل. مهما كانت أسباب هذه الخطوة فقد كشفت استقالته عن واقع تعرفه إسرائيل، لكنه يحظى بتجاهل العالم: حزب الله هو الذي يدير لبنان. رسميا لبنان هو عضو في الأمم المتحدة، لكن من ناحية عملية «لا توجد دولة لبنانية».
صحيح أنه يوجد دستور لبناني تدار بموجبه ظاهرا، ولكن في المواضيع المهمة ليس القرار في يد الحكومة أو البرلمان بل في يد حزب الله.
حزب الله هو التنظيم العسكري الأقوى في لبنان، ولهذا فهو يفرض إرادته على باقي السكان، ليس هذا فقط، بل له تأثير حقيقي في الجيش اللبناني ـ الذي يفترض ظاهرا أن يشكل وزنا مضادا له، أما في الواقع اللبناني فلا أمل في أن يصطدم هذا مع التنظيم الشيعي.
في هضبة الجولان، في الجانب السوري، سجلت شبه دراما، عندما كان يخيل أن قوات الثوار تهدد القرية الدرزية الحضر في شمال الجبهة: قرية بقيت موالية للأسد، وأغلب الظن بعض من رجالها تعاونوا مع حزب الله ضد إسرائيل.
الدروز من الجانب الإسرائيلي من الجدار لم يتمكنوا من ضبط أنفسهم وهددوا باجتياز الحدود لمساعدة إخوانهم. وحتى في أوساط الدروز داخل إسرائيل سُمعت أصوات مشابهة. وتدخل الجيش الإسرائيلي بحذر وبشكل منع إمكانية المذبحة. ولكن المشكلة بقيت بلا جواب لا لبس فيه. فالحدث يشكل تفكير أنه برغم الجهود الروسية للوصول إلى وقف النار وبرغم ضعف الثوار من خلال الحلف بين الأسد، الإيرانيين والروس، فمن تحت ذلك يشتعل الجمر. فالثوار لم يقولوا بعد كلمتهم الأخيرة، ولكن من ناحية استراتيجية حسم مصيرهم على ما يبدو.

آمال كبرى، تحديات كبرى

في السعودية، التي فر إليها رئيس الوزراء اللبناني، يجري صراع عسير من تحت السطح. القليل منه انكشف عنه هذا الأسبوع على الملأ. كان هناك من قدّر أن تغيير الأجيال في الاسرة المالكة من جيل أبناء الأب المؤسس إلى جيل الأحفاد ـ لن يمر بهدوء.
ويبدو الآن أن هذا التقدير يتحقق. فاعتقال الكبير من الأسرة المالكة هو حدث استثنائي يشير إلى الاضطراب الداخلي.
في الدول الدكتاتورية نشأ مؤخرا تكتيك للتخلص من الخصوم تحت غطاء المعركة ضد الفساد، والحال أنه يوجد فساد كثير. من دون صلة بالصراع الداخلي، أطلق من اليمن صاروخ نحو مطار الرياض عاصمة السعودية.
ويشير هذا الحدث التكتيكي إلى مشكلة استراتيجية: السعودية فشلت حتى الآن في قتالها ضد الحوثيين وحلفائهم الإيرانيين في اليمن.
ويؤثر الفشل في اليمن عمليا في أمن المملكة؛ بينما الفشل في سورية، بعيدا عن حدود السعودية يشكل تذكيرا بالصراع الواسع ضد إيران، والذي يجري حتى الآن من دون نجاح.
توجد السعودية في مفترق طرق. الآمال في تغيير إيجابي، بقيادة ولي العهد محمد بن سلمان كبيرة للغاية. وفي الوقت نفسه التحديات التي يفرضها الواقع في السعودية نفسها وخارجها تطرح علامات استفهام غير قليلة على قدرة المملكة على الوجود بالشكل الذي أديرت فيه منذ تأسيسها ـ كحلف بين عائلة سعود والحركة الوهابية المحافظة.
في غزة، لأول مرة بنى الجهاد الإسلامي نفقًا وصل إلى داخل إسرائيل، انكشف عنه وفجّر. وفقد التنظيم عددا من قياداته وهدد بالرد. ولكن هذا لم يأتِ في أثناء الأسبوع الأول للهجوم. الحدث وملحقاته يشيران إلى أن الهدوء في القطاع لا ينبع من تخلي منظمات الإرهاب عن رغبتها في المس بإسرائيل؛ بناء القوة مستمر، وفي يوم الأمر ستنطلق المنظمات لتفعيل مخططات إطلاق النار. ومع ذلك في غزة، يتثبت جيدا الفهم بأن ثمن المواجهة سيكون عاليا جدا. يدور الحديث عن عنصر مهم للغاية في الردع، من دون الاستخفاف بالطبع بالضغط المصري ورغبة حماس في تحقيق اتفاق المصالحة مع السلطة الفلسطينية.

هل ستغير المليشيات الميزان؟

في الأحداث في سورية وفي غزة يبدو الذراع الطويلة لإيران. فهي رب البيت في لبنان ـ كمن يسيطر على حزب الله، وكمن بسبب نشاطها ونواياها فر الحريري إلى السعودية. فقد جلبت مليشيات مسلحة من كل أرجاء العالم الشيعي (أكثر بكثير من عدد المتطوعين الذين قاتلوا في صفوف داعش)، والحريري على ما يبدو فهم أنه بعد أن نجحت إيران، بمساعدة روسية في تثبيت مكانتها في سورية، فإن الصراع الإيراني سينتقل إلى لبنان.
الجهاد الإسلامي هو الآخر أقامته إيران، وإن كان مدى سيطرتها عليه أقل من سيطرتها على حزب الله، فهو الأداة الأساس لها في القطاع.
حقيقة أن الجهاد امتنع حتى الآن عن الرد، برغم الضربة المدوية التي تلقاها، تشير إلى قدرة الإكراه لدى حماس وعلى كونها أقوى كثيرا من باقي التنظيمات. ولكن حفر النفق نفسه، وحقيقة أن مقطعا منه وصل إلى الأراضي الإسرائيلية، تثبت أنه تحت حكم حماس اكتسب الجهاد الإسلامي قدرات لم تكن لديه في الماضي. ومقابل نجاح مصر في فرض إدخال السلطة الفلسطينية إلى القطاع كرب بيت مدني، من المهم أن نتذكر هذا أيضا.
من هذه الأحداث تنشأ عدة حقائق تؤثر في المجريات في الشرق الأوسط، الذي يواصل الحراك. صحيح أنه ليس واضحا كيف ستبدو المنطقة بعد بضع سنوات، ولكن معقول الافتراض أن إيران ستبقى القوة الدينامية في المجال. كما أنها ستواصل تثبيت قوتها في سورية، ووفقا لرد إسرائيل سيتضح أية مكانة ستحظى بها هناك، وهل ستنجح في أن تبني في الدولة قواعد لها ولحزب الله.
كما توجد أيضا مسألة نشر آلاف رجال المليشيات، الذين بات وزنهم في سورية يزداد كلما وجد النظام وحلفاؤه صعوبة في تصفية المعارضة.
ولن يكون من المفاجئ إذا انتقل قسم مهم من المليشيات إلى لبنان ليغيروا الميزان العسكري حيال إسرائيل وكذا القوة النسبية للطائفة الشيعية في النسيج اللبناني الآخذ في التفتت.
ويوجد سؤال شائق آخر: هل سينجح ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في تثبيت مكانته، والتخلص من الجهات المعارضة لتتويجه وإحداث التغييرات التي أعلن عنها في السعودية.
وستؤثر قدرته في الداخل في قوته في الخارج. فنتاج الصراع بين السعودية ـ كمن تريد أن تقود العرب السُنة، وإيران ـ زعيمة الشيعة في كل المجالات (الآن يدها ممدودة أيضا شرقًا، إلى باكستان وأفغانستان، حيث جند جزء من المليشيات)، ستقرر بقدر كبير مستقبل الشرق الأوسط.

إسرائيل اليوم ـ 10/11/2017

لا توجد دولة لبنانية بل مجرد بلاد تحت سيطرة «حزب الله»
انتقال الحكم في الأسرة المالكة في السعودية من جيل أبناء الأب المؤسس إلى جيل الأحفاد لن يمر بهدوء
اللواء احتياط يعقوب عميدرور

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية