لا يسع من يقصد سينما صوفيل إلا أن يفكّر في أن جمهور السينما في لبنان هو الأوسع بين المقبلين على العروض الثقافية والفنية الأخرى. هنا، في أسابيع سينما العالم التي تنظّمها متروبوليس، تزدحم مساحة الاستقبال الخارجية، حتى الدرج العريض ورصيف الطريق أيضا، بالقادمين إلى مشاهدة العروض. إنهم الجيل الثقافي الجديد. ولا تخطئ العين، من نظرتها الأولى، إلى غلبة جدّتهم غلبة كاسحة، لا كبار مخضرمين بينهم. وإن لفتنا أحد من هؤلاء، نقول على الفور بأنه الوحيد الباقي من أبناء زمنه. كلهم شباب، بل يبدون كأنهم، جميعا، على صلة شخصية أو مهنية احترافية بالسينما.
هم على الأرجح من خريجي الجامعات والمعاهد التي خصّصت أقساما منها، لا تفتأ تتزايد وتتسع، لدراسة الســــينما، هذا فــي الوقت الذي شهدت كليات الآداب والعلوم الإنسانية انخفاضا في أعداد المقبلين عليها، إلى حدّ ان أحد مديري الكليات قال، بما يشبه الإعلان عن فاصل بين زمن انقضى وزمن آخر بدأ، إن إقبال الطلاب على دراسة الأدب العربي كان صفرا هذه السنة.
شباب السينما باتوا على معرفة بجديدها، ذاك الذي نادرا ما تُشاهد أعمال منه ضمن ما تعرضه صالات بيروت التجارية. في أسبوع السينما الإيبيروأمريكية الذي شاهدنا فيلميه الأخيرين مساء يوم الحاضرون عارفين كيف يميّزون بين الأفلام الأحد عشر التي انتجت في البرازيل والأرجنتين وكولومبيا وتشيلي وفنزويلا وكوبا والمكسيك وباراغواي وأوروغواي والبيرو، وكذلك إسبانيا. انطلاقا من معرفتهم تلك، كان إقبالهم ضئيلا، في ليلة الختام، على فيلم «الجائزة»، البيروفي الذي يروي حكاية أب يعيش في قرية منعزلة بعيدا عن ابنه المقيم في العاصمة ليما، ويحدث أن يلتقيا بعد فوز الأب بجائزة اللوتري، إلخ.
أحد من أصرّوا على مشاهدة أفلام ذلك الأسبوع كلها، قال إنه من الأفلام التي يمكن أن تُشاهد على التلفزيون، متسائلا عن التعويض القليل للمسافة الطويلة التي قطعها الفيلم ليصل إلى بيروت.
أما فيلم الختام الثاني فقد احتشدت له صالة الاستقبال مع ملاحقها المسمّاة أعلاه. كان الجمهور قد ضمّ إليه، هذه المرّة، هواة سابقون هم أساتذة جامعات وصحافيون ومثقفون آخرون على صلة بأعمال كارلوس ساورا. فيلم «لا جوتا» الذي يحمل عنوانا آخر هو «ما بعد الفلامنكو» كان فيلم ساورا الأخير (2016)، وهو وثائقي عن هذا النوع التاريخي من الرقص والغناء الفولكلوري الإسباني، الذي بدأ في القرن الثامن عشر وشهد اتساعا في أواخر التاسع عشر، فصارت لكل منطقة في إسبانيا بصمتها الخاصة منه. وفي تعريف ساورا لهذا الفن، الذي ظهر مكتوبا، تماما بعد الجينيريك، قرأنا كيف أن هناك، بين أصول أخرى، أصلا عربيا أو مشرقيا له.
لم يذهب ساورا في فيلمه إلى أبعد من التعريف الذي قد نجده في إنسكلوبيديا يوكيبيديا. لكنه مثّل تفاصيل ذلك بالصورة والحركة. وهو، من أجل ذلك، استبعد الحوار، بل الكلام كلّه، في وثائقيّة، جاعلا الموسيقى والرقص ينطقان بتاريخ هذا الفن وحاضره، وكذلك بانتشاره على مدن إسبانيا ومناطقها. كان يكفي أن يشير باسم المنطقة عند أسفل الشاشة لينتقل من فور ذلك إلى تقديم الغناء والرقص، هادئين حينا صاخبين حينا آخر. وهذا الإيقاع الثاني لقي حماسة من المشاهدين إذ جعلوا يبدون كأنهم يُستفتون أيّ أداء هو الأفضل، فجعلوا يصفقون ويعلون أصوات الاستحسان للرقص الأقرب إلى لحظات الاندفاع القصوى في رقص الفلامنكو، هكذا كأنهم في حفل استعراضي حيّ، هم حاضرون فيه أمام الراقصين والموسيقيين.
تسعون دقيقة امتلأت بالرقص والغناء المتنوع، رغم مرجعهما لفن «لا جوتا» الذي شاهدناه كيف، مع تقادم مراحله، يصير أكثر تعقيدا مما كان في بداياته. في مرحلته الأخيرة، الأكثر حداثة، بدا ما نشاهده مبتعدا إلى حد بعيد، بل منفصلا عن تاريخه، حيث لا إيقاعات عنيفة ولا اندفاعات في حركة الأجسام آتية من رقص إسبانيا الفلكلوري الذي نعرفه. المخرج ساورا عرض في فيلمه مشاهد من تصوير فيلميّ يعود إلى الثلاثينيات، ذكر فيه الاختلافات التي كانت قد طرأت، حتى في ذلك الزمن، على «لا جوتا». فجسدا الراقص والراقصة لم يظلا متلاصقين مثلما كانا في السابق، والأذرع كانت منخفضة إلى الأسفل في ما هي الآن (في الثلاثينيات) صارت مرتفعة إلى الأعلى، إلخ.
ولم يشأ ساورا في فيلمه أن يذكر موسيقيي العالم الكبار الذين استلهموا «الجوتا»، والذين منهم فرانز ليست وجورج بيزيه في عمله الأوبرالي «كارمن» وميخائيل غلينكا الذي ابتكر أسلوبا في هذا الفن خاصا به (وذلك شأن ما استلهم موسيقيون قصة البجعات السبع في قصة حسن البصري إحدى فصول ألف ليلة وليلة). لقد ترك كل شيء للغناء والرقص المتفاوت الوتيرة، بدون أن تخفى حماسيته وإحساس من يؤدّونه بالقوّة والتحدي، حتى في ذلك الفاصل المرافق لصور الهاربين والموتى في حرب إسبانيا الأهلية.
فيلم La Juta- J: Beyond Flamenco
لكارلوس ســـــاورا كــــان آخــر عروض أسبوع السينما الإيبيروأمريكية في ســـينما متروبوليس.
حسن داوود