بينما كان الانتباه منصرفا طيلة الأسابيع الماضية إلى أخبار موجات النزوح من إفريقيا إلى السواحل الإيطالية، بموتاها وغرقاها الذين قارب عددهم حتى الآن حوالي ثلاثة آلاف، وإلى أخبار محاولات أخذ نفق القنال الإنكليزي غلابا – بالاقتحام الجماعي العلني أو التسلل الفردي السري – كانت موجات النزوح من سوريا إلى السواحل اليونانية مستمرة بحيث أن عدد السوريين الذين وصلوا جزر بحر ايجه منذ بداية الصيف قد تجاوز 130 ألف لاجىء، وذلك بزيادة 40 بالمائة عن عدد اللاجئين في الفترة ذاتها من العام الماضي.
كانت المشاهد التي بثت على قنوات التلفزيون من جزيرة كُوس مؤلمة. بل ربما كانت أكثر إيلاما من مشاهد القتل والدمار المستمرة منذ أربعة أعوام في بلاد تفتق ذهن طفلها الرئاسي المعجزة عن أن ضمان قدرته على العض بالنواجذ على جثة سلطة لم يبق منها سوى وهمها يقتضي إعادة اختراع الانتماء والمواطنة بحيث لا تكون البلاد لأبنائها، حسب التعريف التقليدي الكسول، بل إنها تصبح « لمن يدافع عنها»، حسب اجتهاد منزه عن الأغراض. وكيف؟ بالدفاع عن «رئيس» تتمثل «العلة الغائية» لوجوده في أنه زبون لدى من يدافعون أو يدفعون. كانت المشاهد أليمة لأن اللاجئين زربوا في ملعب زرب القطيع تحت نار الشمس الحارقة ووقع عصي الشرطة وشتائمهم وشتائم مواطني بلد (اليونان) يعاني أزمة ضيق معيشي، بل تخلخل وجودي، كأنها مصممة لكي لا يبقى للقلة الكرام إلا الانضمام لجمهرة اللئام.
ومن نكد الدنيا على طريد البلاد الطاردة لأبنائها أن يضطر للاستجارة، ولو على سبيل العبور المؤقت، ببلاد تتخبط هي نفسها منذ زمن في ظلام الحيرة والإعسار والخوف من الغريب. وقد أتيح لي أوائل العام الماضي أن أتحاور مع رجل الأعمال اليوناني يانيس بوتاريس الذي يشغل منذ سنوات منصب عمدة سالونيكا، ثانية كبريات المدن اليونانية، والذي اختير عام 2012 أفضل عمدة في العالم لشهر تشرين الأول/أكتوبر. وقد تزامن الحوار – الذي تركز على تلاشي الطابع الكوسموبوليتي العريق لسالونيكا بعد طردها مسلميها ويهودها وقرارها الانكفاء على نفسها – مع اشتداد أزمة اللاجئين والمهاجرين غير القانونيين آنذاك وإعلان الحكومة السابقة اعتزامها تنظيم حملة طرد جماعي لكل من تقع عليه يد السلطات. ولكن العمدة يانيس بوتاريس (الذي ذكرت الأنباء في الأسابيع الاخيرة أنه من المرشحين المحتملين لرئاسة الحكومة لو سقطت حكومة سيريزا اليسارية) كان معارضا لهذه السياسة العقابية. بل إنه أعلن أنه لن ينفذ الأوامر الحكومية في مدينته. لسببين.
الأول عملي: وهو أن الطرد الجماعي «حل» مستحيل التطبيق مهما اجتهدت الشرطة. السبب الثاني تدبيري: إذ يرى هذا السياسي الليبرالي أن منح اللاجئين حق العمل هو الحل المعقول لأنه يحول دون اضطرار اللاجىء للسرقة أو الإجرام (وهو أمر وارد بالنظر إلى امتناع السلطات اليونانية عن منح اللاجئين غير القانونيين أيا من مخصصات اللجوء والضمان الاجتماعي)، أي أن حق العمل يؤدي إلى درجة من الاندماج الحافظ للسلام الاجتماعي.
وليس هذا الموقف بمستغرب من سياسي له من عمق الفهم التاريخي وسعة الأفق في معالجة تحديات المستقبل ما يحدو به إلى القول، في خروج جريء على سائد الرأي في اليونان سياسيا وشعبيا، أن «الأتراك هم إخوة اليونانيين. نحن إخوة رغم التاريخ وبسبب التاريخ. أما الأوروبيون، وخاصة الألمان، فليس بيننا وبينهم أي جامع حقيقي»! كان هذا التصريح قبل حوالي عام من اندلاع أزمة الديون التي عولجت بوضع اليونان تحت الوصاية الألمانية!
صحيح أن جزيرة كُوس لا قبل لها لوحدها باستيعاب سبعة آلاف لاجىء، وأنها طلبت المساعدة يونانيا وأوروبيا. ولكن زرب حوالي 2500 من اللاجئين بذلك الشكل المزري، مع مشاهد التدافع والإغماء والإهانات البوليسية، يزيد محنة اللجوء السورية كربا على كرب.
أما مظهر العبثية الأبرز فهو أن عجز الساسة الأوروبيين عن معالجة الآثار الفورية المترتبة على أزمة اللاجئين والمهاجرين غير القانونيين، ناهيك عن آثارها على المدى المتوسط أو البعيد، قد أدى إلى ازدهار تمارين «تحليل الخطاب»، حيث أن مختلف الأوساط قد حملت على رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كامرون لقوله إن «جحافل» (الكلمة الحرفية هي «أسراب») تجتاح أوروبا طمعا في معيشة أحسن، كما أنها أخذت على وزير الخارجية فيليب هاموند تصريحه بأن اللاجئين يمثلون خطرا على مستوى المعيشة الأوروبي.
٭ كاتب من تونس
مالك التريكي