لا دخان بدون نار

حجم الخط
0

السبب الاساسي في أن الجيش الإسرائيلي لم يضرب حتى الأن أهدافاً نوعية لحماس في عمق القطاع لردعها بمواصلة الاستفزازات على الجدار كان عيد الفصح (اليهودي). فرئيس الاركان والالوية الاربعة الذين يقودون المعركة على الجدار ـ نائب رئيس الاركان، رئيس شعبة العمليات، قائد المنطقة الجنوبية ورئيس شعبة الاستخبارات ـ قرروا احتواء الاحداث، شريطة ألا يخربوا على شعب إسرائيل العيد.
ولكن الفصح بات الآن من خلفنا، والمخططات التي هدفها كسر الوضع الراهن، الآخذ في النشوب بين حماس والجيش الإسرائيلي على حدود القطاع، تعود إلى طاولة أصحاب القرار. وهكذا يتعاظم الاحتمال بأن اعمال شغب أخرى على الجدار ستؤدي إلى المس بالأنفاق أو بمصانع إنتاج وتخزين الذخيرة في أعماق القطاع. مسموح لنا الافتراض بأنه لا يدور الحديث فقط عن أعمال جوية، وحتى الاحباط المركز لمنظمي الاضطرابات ليس كلمة فظة.
«حرب الحفريات»، والتي يتحفر (يتخندق) فيها كل طرف على طول الجدار في محاولة لاستنزاف الطرف الآخر، لا تخدم المصلحة الإسرائيلية، إذ تكمن فيها امكانية لضرر دولي متواصل. فضلا عن ذلك: فإن تواصل المناوشات العنيفة، اسبوع إثر اسبوع، نهايته أن يؤدي إلى انفجار المواجهة، بما في ذلك في توقيت لم تختاره إسرائيل.
لقد بلغ العنف يوم الجمعة الاخير ذروته مع حلول نهاية النهار في ما يسميه الجيش «المرحلة الثالثة من موجات العنف».
المرحلة الاولى كانت تجميع المتظاهرين في ساعات الصباح وبعده الحركة نحو الجدار، لا يزال في مستوى قابل للسيطرة، عندما يتأكد رجال حماس بأن يكون في الجبهة بالاساس الشبان الذين جندتهم. أما العائلات والكبار في السن فقد أبقوا في الخط الثاني، في الخلف. بدأت المرحلة الثانية مع إشعال آلاف إطارات السيارات، وكانت النية بأنه تحت ستار الدخان يتم تفعيل خلايا تضرب جنود الجيش الإسرائيلي وتقتحم إلى داخل الاراضي الإسرائيلية. هذا لم ينجح. فقد صد الجيش الإسرائيلي هذه الموجة.
أما المرحلة الثالثة فقد تضمنت انفجارات غضب في نقطتين: في الشجاعية قبل معبر كارني وفي منطقة الحدود في رفح. ووصف الحاضرون هذا الانفجار كركض مجنون من الشبان نحو الجدار بعد احتفالات التأبين التي أُجريت في المكان لـ 23 قتيلا من الاسبوع الماضي. ويبدو أنه من أصل القتلى الفلسطينيين التسعة في نهاية الاسبوع، أُصيبت غالبيتهم في هذه المرحلة، لانه لم يكن أي سبيل آخر لصدهم.
في الجيش يفهمون الضرر السياسي، الاعلامي والعملياتي الذي تلحقه مثل هذه الكمية من القتلى. فقادة الكتائب المكلفون في إصدار تعليمات إطلاق النار للقناصة تلقوا التوجيهات عن قيود فتح النار ووجهوا الجنود. ولكن يتبين أن الغاز المسيل للدموع والوسائل الفنية وقنابل الصوت ليست مجدية أمام ركض مجنون. من أجل وقف المهاجمين على الجدار لا مفر من إطلاق النار، والناس أيضاً يقتلون. احتفالات التأبين على الجدار ستكون وقود الاضطرابات في الاسبوع القادم وفي الاسابيع القادمة. بعد أسبوع ويليه أسبوع من هذا النوع وإذا بنا نجد أنفسنا في مواجهة آخذة فقط في الاحتدام. لقد وجد يوم الجمعة الاخير الطرفين في مفترق قرار. واضح لإسرائيل ان حجم القتلى الكبير من شأنه أن يفاقم العنف. وعليه فيجب الاستعداد بطريقة أخرى من خلال تغيير الأوامر، اضافة أسيجة وربما استخدام أكثر كثافة لوسائل تفريق التظاهرات مثل قنابل الغاز. من جهة أخرى، فإننا ملزمون بمحاولة كسر أنماط عمل حماس في ظل المس بمصالحها.
غير أن حماس أيضاً توجد على مفترق طرق. فكمية الجرحى الكبيرة سدت الجهاز الصحي في غزة. نحو 500 فلسطيني أُصيبوا بالنار بالاطراف، وحماس غير قادرة على أن تعالج مثل هذه الكتلة من الجرحى وإعادة تأهيلهم. وسيتعين عليها إعادة التفكير في المسار. يمكن الافتراض بأن الجمهور الذي كان مطالبا بالخروج إلى التظاهرات سيطلب من حماس الحماية من قناصة الجيش الإسرائيلي. والرد الطبيعي على القناصة هو القنص من الطرف الآخر. ولكن في مثل هذا الوضع، لتعريض حياة الجنود للخطر، لن يكون أمام الجيش الإسرائيلي أي معيق للبدء بنشاط عسكري في عمق غزة.
حتى الان، لم تحقق حماس الكثير. فهي تراوح في المكان. صحيح أن الأزمة في غزة عادت إلى الصدارة، ولكن اهتمام العالم بما فيها شبكة «الجزيرة» انتقلت بسرعة شديدة إلى عشرات المدنيين الذين قتلوا من القصف السوري والروسي في ضواحي دمشق. ومع ذلك، فقد نجحت حماس في الحفاظ على الزخم: بين 20 و 25 ألف شخص وصلوا إلى التظاهرات في نهاية الاسبوع. وتواصل حماس قيادة الكفاح الفلسطيني حيال عجز أبو مازن. فقد نجح في الحافظ على رواية المواجهة الشعبية، فيما ان ورقتها المظفرة في نهاية الاسبوع الماضي هي جثمان الصحافي الفلسطيني الذي قتل على الجدار. ان المواجهة المتوقعة يوم الجمعة القادم تقترب من يوم الاسير الفلسطيني الذي يحل في 17 نيسان/أبريل. وينتظرنا بث معاد لأحداث العنف التي رأيناها حتى الآن حتى أكثر مما كان في يوم الجمعة الاخير. كل طرف يتعلم نقاط الضعف لدى الطرف الآخر ويمتشق حيلاً جديدة مما يعد بالمزيد والمزيد من المصابين.
يمكن للجيش الإسرائيلي أن يدفع بالقوات إلى الجدار على مدى أشهر طويلة، ولكن لا يمكن لدولة إسرائيل أن تسمح لنفسها في هذه اللعبة على مدى الزمن. المشكلة هي أنه لا يوجد في هذه اللحظة أي طرف ثالث ليتدخل ويتوسط. فالأمريكيون لا تعنيهم قصة غزة. والمصريون يدركون أصوات الوساطة، ولكنهم لا يهتمون حقاً. وكذا السلطة الفلسطينية لا تذرف دمعة. صحيح أن أبو مازن قرر القيام ببادرة فجمد العقوبات على القطاع، ولكن عنده في الميدان ابقي على الهدوء. ولعله حتى شامت بحماس، التي تتورط مع إسرائيل. بقينا نحن وحماس. وهذه بالضبط هي الوصفة التي تضمن استمرار السفر في طريق بلا مخرج.

يديعوت 8/4/2018

لا دخان بدون نار
بسبب عيد الفصح اليهودي امتنع الجيش الإسرائيلي عن الهجمات في عمق القطاع
اليكس فيشمان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية