لا فساد في ملفي قطر وروسيا… فقط في الفيفا!

حجم الخط
0

بات المرء يصارع رجاحة عقله ومنطقيته وقدرته على الاستيعاب والتمييز كلما تعلق الأمر بالاتحاد الدولي لكرة القدم، فبات الصراع شرساً لتقبل أمور تنافي العقل والفهم المنطقي أو التشكيك بما هو واضح وجلي. وهكذا نقرأ ونتابع تقرير لجنة القيم التــــابع للفيفا وملخصه لتحقيقات الأمريكي مايكل غارسيا، فالتقرير جاء في 42 صفحة، لخص ما قام به غارسيا على مدى عامين وسجله في 430 صفحة، ليخلص الى تنزيه رئيس الفيفا جوزيف بلاتر وتبرئة ساحة ملفي قطر وروسيا من أي فساد، وادانة غالبية الملفات الأخرى.
هنا لا بد من النظر أعمق في ديكــــتاتورية الفيفا وفهم ما يحصل، امام هذا الكم الهائل من الفساد الذي ينهش الفيفا وأعضاءه، لنبدأ نفهم أن الآلية التي اعتمدها بلاتر منذ قاد الفيفا في 1998 مبنية على الرشاوى والهبات والعطايا، فلو خرج تقرير هانز ايكيرت مسؤول لجنة القيم يعترف بوجود هذه الثقافة في تعامــــلات الفيــــفا، مثلما هو واضح للعيان، ولخص تحقيقات غارسيا بالوعد بمــــعالجة الأخطاء والممارسات لكان احترم عقول عشاق اللعـــبة وحفظ بعضاً من كرامة الفيفا، بدل التبجح في تــنزيه الاتحاد.
مثلما كتبت في السابق أن الانتقادات لا تتعلق بملف قطر، بل انه وسيلة ينتهجها المنتقدون، ومنهم الانكليز، لتعرية بلاتر وعصابته الفاسدة، ولهذا يبدو التركيز هائلاً وكبيراً على قطر، والتي بدورها تصارع لرد الانتقادات وتفسير الممارسات التي هي جزء اساسي من تعاملات الفيفا، فلو اعتمدنا فقط على المنطق في تحليل الأمور فسنجد ان تقرير ايكيرت انتقد انكلترا واستراليا على فسادهما ومحاولتهما رشوة اعضاء اللجنة التنفيذية لاستمالة أصواتهم، رغم انهما لم يحصلا سوى على صوت أو صوتين، في حين أن غالبية الاعضاء «الموقرين» اختاروا الملفين الأفضل لاستضافة مونديالي 2018 و2022 لمصلحة كرة القدم فقط! رغم أن التقرير أشار الى أن روسيا لم تتعاون مع غارسيا في تحقيقاته، بل أعطبت كل الأجهزة والكومبيوترات التي استخدمت في الحملة عوض كشفها لغارسيا، لمحو كل الايميلات، بحجة أنها كانت مستأجرة، فأعادتها وأعطبت، ومع ذلك فانه لا تجاوز هنا عند ايكيرت! في حين كل الشبهات المتعلقة بالملف القطري، ركزت على محمد بن همام، ومصالحه الشخصية الصرفة ولأهدافه وسعيه لكسب أصوات في معركة رئاسة الفيفا وليس لمصلحة الملف القطري، ولذلك كان خيار الأعضاء ان الملف القطري هو الافضل لكرة القدم. ومع ذلك، حتى غارسيا نفسه عارض تقرير ايكيرت واعتبر انه يناقض تقريره بل قال أن هناك حقائق «منقوصة وغير مكتملة»، وأنه سيعترض عليه. وبات المطلب الملح الآن نشر تقرير غارسيا كاملاً، وهو ما يرفضه بلاتر بشدة.
هنا نحن ندور في حلقة مفرغة، في محاولة واضحة من الفيفا للتمويه وقلب الحقائق، بل ابعادها عن مسارها الذي سيقودنا في النهاية الى الفساد المستشري في الفيفا، بدءا من قمته، وهو الثقاقة السائدة التي عززها بلاتر بين أعضائه.
دعونا نكون أكثر واقعية ووضوحا، فالنافذون في الفيفا واعضاء اللجنة التنفيذية يتلقون الهبات والعطايا، هذه هي الممارسات في عرف بلاتر والفيفا، ومن المفترض ألا تقود الى ما يسمى في النهاية فساداً، الا ما يريده بلاتر. فهذه الآلية تضع مصير أهم حدث رياضي في العالم في أيدي حفنة من الاستغلاليين يبرعون في عرض خدماتهم مقابل بعض «الهدايا». وطبعاً من السذاجة اعتبار ان بلاتر لا يعلم هذه الممارسات، بل يديرها بأسلوب خبيث أشبه بعمل المخابرات والدول العظمى، التي تحفظ ملفات تدين أعضاءها ويأتي اليوم المناسب لادانتهم، فهل يعقل ان بلاتر لم يعلم مدى فساد الترينيدادي جاك وارنر، لكنه غض الطرف الى ان حان الوقت المناسب، وهذا الوقت هو عندما حاولوا تحديه، فعندما حاول ابن همام منافسة الثعلب السويسري على رئاسة الفيفا في 2011 وجد نفسه معاقباً مدى الحياة من ممارسة أي مهام رياضية بتهمة «الفساد»، ولحق به وارنر لأنه وقف الى جانب زميله القطري، وهدد بكشف أسرار الفيفا.
في صغري كنت أعشق مشاهدة المصارعة الحرة، الى أن تدريجياً بدأت أفهم أنها «تمثيل»، وهناك اتفاقات مسبقة على سيناريو الصراع داخل الحلبة، لكن اتحادات المصارعة والمصارعين لم ينكروا ذلك، واعتبروه جزءاً من الترفيه وهو ما يعشقه المتابعون، وهو أمر تقبلته، لكن عندما يحدث ذلك في كرة القدم فان الأمر يختلف لان الفيفا ينكر بخبث. فقبل سنوات كان صديق عزيز دائماً ما يقول ان هناك مؤامرة على قرارات تحكيمية غامضة، أو اعتبار قرعة مهمة بانها «مطبوخة»، فكنت أقول: لا أستطيع تصديق هذا الأمر لأن هذا سيقودني الى النفور من اللعبة. وللأسف ممارسات الفيفا ورئيسه الذي يستعد لولاية خامسة تحت حماية أعضاء عصابته، لا تقودني الا للنفور من هذا الفساد المقت، الذي لا يتردد في المكابرة والمباجحة بنزاهته، وكأن العالم بات عقيم الفكر والمنطق والاستيعاب.

@khaldounElcheik

خلدون الشيخ

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية