محمد الصابر، بقدر ما جمعتني به صداقة بعيدة وعميقة، بقدر ما جمعتني به المعرفة الشِّعرية والحوار الشِّعري، الذي نادراً ما يكون بين الشُّعراء الذين يُشْبِهُون في أوْهامِهِم، إيكاروسَ الذي حين قرَّر التَّحليق صَوْبَ الشمس، غير مُدْرِكٍ أنَّ الشَّمْعَ الذي شَدَّ به جناحَيْه، هو ما سيكون الحَتْفَ الذي سيُفْضِي به إلى السُّقوط.
هذا الشَّاعر القادم إلى الشِّعر من لُغَة المساطِر والمُرافعاتِ، عرفَ، بحس الشَّاعرِ وبلغته، كيف يُرَوِّضُ صلابة الكلام، وينأى به عن كل التَّرْسيمات التي يقتضيها مقام الخطاب القضائي. فهو لم يأتِ مثلنا من كلية الآداب التي أتاحت لنا، على الأقل، أن نَدْرُسَ تاريخ الشِّعر القديم، ونَطَّلِع على بعض مُتونِه، وعلى مناهج الدراسات النقدية والفلسفة، أو ما يَتَّصِل بالعلوم الإنسانية، بل إنَّه ذهب إلى كل هذه العلوم والمعارف، من خلال رغبته في الاتصال بهذا الماضي البعيد، وبالسياق الجمالي للشِّعر، عبر حِقَبِه وعصوره المختلفة، وهذا أمر لا يمكن أن يُخْطِئَه المُنْصِت لِشِعْر محمد الصابر، أو من يَعْقِد معه صَداقَة الحِوار الشِّعري الخالي من وَهْم المعرفة، أو وهْم الصُّعود إلى أعلى قِمَم الشِّعر.
ليست المرة الأولى التي أقرأ فيها شِعر هذا الصَّديق الشَّاعر، فهو في سِجِلِّ قراءتي الشِّعرية، واحد من بين الذين أَحْرِصُ على معرفة الأراضي التي يرتادُها، وما يأخُذُ نفسَه إليه من مُنعطفاتٍ. فهو مُقِلٌّ في النشر، مُتَحَفِّظٌ، غير مُتَعَجِّل، يترك ما يكفي من مسافات بين ديوان وآخر، فما بين ديوانه ما قبل الأخير «الجبل ليس عقلانياً» 2007، وديوانه الأخير «لا كالوميض لا كحطام الضوء» 2015 الصادر عن دار فضاءات في عمان، ثماني سنوات، وهذا يكفي لمعرفة طبيعة هذا التَّقْتِير الذي به يكتب الصَّابِر، أو به ينظر إلى الشِّعر، ليس كَتَدْبِيجٍ للكلام، كما اتَّفق، بل كحاجةٍ تقتيضها طبيعة الرؤية والموقف.
في هذا الديوان الشِّعري الجديد، ثَمَّة تحويل في المعجم الشِّعري، مفردات وألفاظا، وتعابير دَخَلَتْ في حياة الصابر الشِّعرية، لم تكن موجودة في شعره من قبل، وهذا، في حدِّ ذاته، تأكيد على تلك الصيرورة التي نادراً ما ينتبه الشُّعراء إليها، باعتبارها الماء الذي لا يتوقَّف عن الذَّوَبان في مجراه، بالمعنى الهيروقليطي الذي كان إيذاناً بضرورة أن يتدخَّل الإنسان في تغيير مجرى لغته، وفي تغيير مجرى رؤيته، وفي الانقلاب على نفسه، إذا ما بدا أنَّ هذه اللغة، وهذه الرؤية، وهذه النَّفْس، هي نفسُها، لا شيء فيها يجري مجرى الشَّمس وهي تتجدَّد في كل يوم.
تخَفَّفَتْ تجربة الصابر في هذا الديوان من التعبيرات البلاغية، التي هي تعبير عن جمالية شعرية قديمة، وأصبحت الصورة الشِّعرية شفَّافةً، بقدر ما تُتِيح نفسَها لِقارِئِها، بقدر ما تخذلُه، وتلعبُ بفكره وخياله معاً. فالسخرية التي هي من سمات هذا الديوان، حتَّى في حالة نظر الشَّاعر في موته، هي سخرية لا تكترثُ بالمواقف، بقدر ما تذهب إلى السُّلوكات، وإلى طبيعة القِيَم التي تحوَّل عبرها الإنسان إلى غابَة، أو إلى ذلك النَّمِر الذي تحوَّل إلى تُحْفَة، أو شيء نادر، «يحجُب اهتزاز الكلمات»، وينأى بنفسه عن التَّحْديقِ في العدم.
لا يمكن في عَمَلٍ شِعْري كهذا، أن نضع اليد على ثيمة مُحدَّدة، رغم أنَّ الديوان ليس نصّاً واحداً متواصلاً، كما يحدث في العمل الشِّعري الذي هو من سمات الكتابة، لا الشَّفاهَة، لكن مُواكَبَة النصوص، بعناوينها الفارقة بين نص وآخر، والتِّكرار المعجمي لحقول بذاتها، وتوظيف السّخرية والغرابة، في ما يُشبه الكتابة الأتوماتيكية عند السرياليين، تكشف عن المعنى المُتَشَظِّي الذي يحرص الصابر على وضعه في ثنيات النص، كنوع من الخبيئة التي تفرض على القارئ أن يقرأ الديوان كاملاً، لا أن يختزله في نص دون آخر، وهذا تعبير صريح عن هذه الشِّعرية التي لم يُرَوِّض النقد نفسَه بعد على اسْتِكْشاف انقلاباتِها، وما تقترحه من اختراقاتٍ هي انفلاتٌ، أو رغبة في الانفلات من النص الجاهز، المُتشابِه، الذي هو اسْتِنْساخ واستعادة باردةٌ للرَّواسِم والكليشيهات التعبيرية نفسها، في ما يُكْتَب اليوم، عند أكثر من واحد من «الشُّعراء» باسم «قصيدة النثر».
محمد الصابر، في ما يشي به ديوانه هذا، ودواوينه السابقة، الأخيرة منها، بشكل خاص، يَكْتُب الشِّعر بلغةِ الشِّعر، التي هي نَحْثٌ للمفردات وتركيبُها بصورة تَجْلُوها وتُنَقِّيها من شوائب المُشْترَكَات التي باتَتْ في كثير من «شعر» القادمين بعد الصابر، نوعاً من المارش العسكري، الذي لا يخرج عن الزَّيّ نفسه، والصور نفسها والتعابير نفسها، وربما بنوع من الترجمة الفَجَّة التي تفتقر لِفَرْقِ المسافة بين الأصل والنُّسْخَة المُصَوَّرة، أو ما يُسَمِّيه الصابر نفسه، بـ«الكلمات التي ماتتْ من فرط الإدمان»، بدل الاستعمال، لأنَّ السِّياق الشِّعري اقْتَضَى لفظةَ الإدمان، وهي صائِبَة في موضعها.
كنتُ أودُّ لو أنَّ عنوان الديوان كان «ليكن ما كان ليكن ما لم يكن»، وهي عبارة واردة في الديوان نفسه، لِما تختزنه هذه العبارة من إيحاءاتٍ، هي في جوهرها، الخيط الرفيع الذي يشدُّ نصوص الديوان إلى بعضها، وأنا، كما قد يُلاحظ القارئ اليَقِظ والمُنْتَبِه، تفادَيْتُ استعمال «قصيدة»، كون الديوان، هو انتقال إلى الكتابة، وفق ما أشرتُ إليه من قبل، من سِمات، هي بين الدَّوال التي بها تَبْتَنِي تجربة الصابر شعريتها، أو ما يُسَمِّيه الشّاعر بـ«الهَمْس» الذي يزحف في اللَّحْم، أو «الكتابة من غير صوت». لا يمكن، طبعاً إلغاء الصَّوت، أو الشَّفاهَة من الشِّعر، فقط، في وضع الكتابة، الصوت يتراجع إلى الوراء، ويصبح دالاًّ ثانوياً، وليس مُهَيْمِناً، وهذا ما نجح الصابر في إنجازه، في ديوانه هذا، كانتقال لِلَحْظَة «الوعي الكِتابِيّ»، مقابل «الوعي الشَّفاهيّ» الذي هو من سمات «القصيدة»، ومن سمات نَصٍّ، كان يخرج من اللِّسان، وليس نصّاً ابْتَكر دَوَالَّه الجديدة، في انتقاله إلى هذا الوعي الجديد، المرتبط بالحداثة، وباعتبار الصفحة المفردة، أو المزدوجة، دَالاًّ من دوالِّ الشِّعر، التي لايمكن تجاهُلُها إبَّان القراءة.
شاعر مغربي
صلاح بوسريف