وزير الخارجية الروسي سرجي لافروف الذي ألقى خطابا في يوم السبت في مؤتمر ميونيخ، أعلن فيه عن انتهاء النظام العالمي الذي ساد العالم منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. وطالب بانشاء عالم «ما بعد غربي» وهاجم استمرار وجود الناتو كمنظمة أنشئت اثناء الحرب الباردة من قبل الولايات المتحدة، وانتقد المؤسسات الدولية الاخرى التي أنشئت بمبادرة الولايات المتحدة بعد الحرب، وسعت إلى كبح الاتحاد السوفييتي في حينه.
صحيح أن فرنسيس فوكوياما اخطأ عندما نشر في العام 1989 مقالة حول نهاية التاريخ، حيث اعتقد أن العالم يسير نحو تبني الديمقراطية الليبرالية في اعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي، وأنه لن تكون هناك ايديولوجيا تنافس القيم الغربية. بعد سنوات غير كثيرة من السيطرة الأمريكية العليا والكاملة وجد في روسيا نظام الصلاحيات الكثيرة، الذي فيه كثير من الحريات قياسا مع الاتحاد السوفييتي، وفيه مميزات خارجية تُذكر بالانظمة الديمقراطية. ولكن عمليا، هو يتمحور حول شخص واحد يقوم بقمع المعارضة ويتصرف مثل زعيم وحيد ويستخف بالمعايير الدولية وينجح في التأثير على انظمة أخرى أقل ليبرالية.
لا أريد أن أكون في العالم ما بعد الغربي لـ «لافروف». فهو يذكرني بروسيا السوفييتية، والخوف من الانتقاد والاشخاص الذين ينقسمون بين متنصتين ومتنصت عليهم، والاخبار في وسائل الإعلام الرسمية التي تركز على الزعيم وضيوفه ونجاحه الاقتصادي الوهمي. التجربة السوفييتية التي استمرت سبعين سنة اعتمدت على «الحقائق البديلة». لم تحدث هناك حوادث طرق أو حوادث طائرات، والى جانب التعليم للجميع والنجاح العلمي الكبير، قام النظام بإخفاء فيدرالية كبيرة تقوم بادارة نفسها بطرق مهترئة، تشبه دول العالم الثالث في الخدمات التي تقدمها للسكان.
لافروف نفسه والرئيس بوتين كانا جزءا من الاتحاد السوفييتي المنهار، ويمكن فهم شوقهما إلى الايام التي كان فيها الاتحاد السوفييتي قوة عظمى، لا سيما لأن العالم لم يعرف حقيقة ضعفه الكبير. وبالنسبة لهما فإن العودة إلى الفترة التي سبقت ميخائيل غورباتشوف هي شوق طبيعي، لكن من الصعب التصديق أن هذه هي حال الملايين الذين عاشوا وراء الشاشة الكبيرة، حيث الاعتداء على حقوق الانسان من قبل القادة القمعيين، اولئك الناس الذين لم يعرفوا لماذا تمت معاقبتهم، وهم يدركون ايضا أن الغرب الليبرالي ليس خاليا من الاخطاء ومن الفجوات الاجتماعية والإضرار بالحقوق الاساسية، لكن كل ذلك ينبع من عدم النجاح في تطبيق السياسة، وليس من القمع السياسي.
لا. لافروف لن ينجح في اعادة العالم إلى ظلام الاتحاد السوفييتي الذي اعتدى على حريات وحياة مئات الملايين الذين كانوا يخافون يوميا على حياتهم. تصعب رؤية هذا النظام يعود إلى روسيا، لكن ليس من الصعب الرد على اقوال لافروف في مؤتمر ميونيخ، فهو لا يتحدث مع قطيع من الجهلة، بل مع من يدركون أن تطورهم ومعرفتهم هما نتيجة السياسة التي طبقها الغرب في العالم بعد الحرب العالمية الثانية.
أسرائيل اليوم 20/2/2017