ماتت صباح؟! لا لم تمت.. ومات سعيد عقل؟! لا لا يموت سعيد عقل.. ولكن مات فعلاً أكثر من 200 ألف في سوريا منذ عام 2011 حتى الآن غير موتى المعتقلات والإعدامات الميدانية ومخيمات النازحين بالملايين.. الموت عندنا.. في كل مكان وزمان، فهل يسمح لي موتانا بالحديث عن موت صباح وسعيد عقل؟ ماذا يعني لي في هذه الأيام السوداء والتي تنزف وحلا ودما ووباء في بلدي؟!..
أذكر قبل ما يقارب السبعين عاما أن مطربة صغيرة السن في الخامسة عشرة من عمرها كما قيل وقتها اسمها «جانيت فغالي» والملقبة باسم «شحرورة الوادي» ستزورنا في اللاذقية ـ وكانت أسرتي تسكن هناك ـ كي تقدم حفلة غنائية، وسمعنا وقتئذ الكثير عن مواهب هذه الفتاة الصغيرة التي أدهشت اللبنانيين وجاءت لتدهشنا.. وقد استطاعت ذلك بالفعل حين سحرت أهل اللاذقية بجمالها وحضورها الفني العجيب بمرحه وطربه.. كانت فتاة «ساحرة» بحق سكنت وجداني منذ ذلك الحين مما دفعني إلى ملاحقة أخبارها بعد أن كبرتُ وكبرت هي وحضرتُ حفلة أخرى لها في لبنان وقد امتلأت شبابا وجمالا وصوتا رخيما صداحا قادرا على أداء المقامات الصوتية العليا دون عناء.
وهاجرت الشحرورة إلى مصر وقد صار اسمها «صباح» وفعلت بالمصريين أكثر مما فعلت بنا هنا بأفلامها وأخبار زواجها.. تسع مرات، حتى غدت أشبه بأسطورة شعبية ساحرة. كانت صباح باختصار نموذجا نسائيا خارقا للفرح والمرح والجمال والموهبة الفطرية والشخصية الطلقة من القيود.
أما سعيد عقل فقد كان نموذجا استثنائيا لموهبة فنية وفكرية من نوع آخر. قرأته وأدهشني وأنا بعد في مطلع الشباب بحضوره الثقافي كشاعر مجدد لا يشبه أيا من الذين كنت معجبا بهم في ذلك العهد فهو ليس شاعرا رومانسيا ولا كلاسيكيا ولا رمزيا، كان شاعرا لا ينتمي إلى أية مدرسة أدبية، وحين تعرفت إليه شخصيا في مكتبة أنطوان في بيروت عام 1959 وذهبنا معا في سيارة واحدة هو وأنطوان وسعيد حورانية وأنا إلى إحدى القرى الجبلية حيث ألقى سيد عقل خطابا في مناسبة دينية في إحدى الكنائس. ما زلت أذكر كيف وقف على منصة حجرية في قاعة حاشدة بالحضور لأناس جالسين وهو واقف بالرغم من وجود منبر وكرسي لم يبطئ بهما بل ظل واقفا يرتجل بلغة فصحى لا أحلى ولا أفصح ولا أعمق منها مما أقام الجميع عن مقاعدهم يصفقون له ويظلون واقفين مثله إلى نهاية خطابه الرائع. منذ تلك المناسبة احتل سعيد عقل في وجداني مكانا حميما لم يفقده أبدا..
والغريب بعد كل هذا أن أقرأ له كتابا صغيرا كان يدعو فيه إلى تبني اللغة المحكية اللبنانية وكتابتها بالحروف اللاتينية رسميا بدلا من العربية الفصحى على أساس أن لبنان هو رائد الحضارات الإنسانية منذ قديم الزمن وأنه جدير بأن تكون له لغته المتميزة الخاصة به إضافة إلى دعوته إلى التخلص من الحضور الكثيف للفلسطينيين في لبنان خلال الحرب الأهلية الطائفية التي مزقت لبنان!.
أفكار ودعوات عجيبة مثل شخصه العجيب لم تتحقق بالتأكيد ولكنها أساءت إلى سمعة سعيد عقل كمفكر وشاعر عربي رائد، غير أنها لم تستطع أن تُلغى حضوره الثقافي ليس في لبنان وحده بل في العالم العربي أجمع كشخصية عبقرية في كل ما يصدر عنه من أقوال وأفعال.
تموت صباح إذن ويموت سيد عقل في هذا الوقت السيئ وكأن لبنان المهدد من جديد بالتمزق والخراب يذكّر اللبنانيين والسوريين معا بأنهم شعب واحد فجميعنا تأثرنا بفقدهما وعلى الأخص أنه وقع في وقت واحد تقريبا وجميعنا بالتالي هنا وهناك شعرنا بأن خراب سوريا أو لبنان يعني خراب البلدين معا ذلك أن صباح كانت معشوقة السوريين مثل «فيروز» وأن سعيد عقل المتهم بالتعصب للبنان هو من أهم الشعراء العرب الذين تغنوا بالشام وما تعنيه هذه الكلمة من معاني الفخر والمجد والجمال عبر التاريخ الذي يؤكد أن بلاد الشام كانت تعني وما تزال أن سوريا وفلسطين ولبنان والأردن هي المقصودة دوما بهذا الاسم العريق «بلاد الشام» وأن الذي فرق ما بينها ليس أهلها بل هو الأجنبي الذي احتلها ذات عهد بائس فعمد إلى تمزيقها على أساس العبارة سيئة الذكر: فرّق تسد.. فلا تتذكروا إذن من صباح إلا حضورها الفني الساحر والذي من الصعب جدا أن يتكرر. ومن سعيد عقل إلا مستواه الشعري الرفيع وإتقانه الرائع الكامل للغة العربية الفصيحة ودعونا من كل ما يفرق بيننا من جديد فهو المؤقت العابر بالنسبة لما يجمع بيننا في التسامح الديني واللغة المشتركة والعادات المتقاربة والتاريخ العريق المشترك أيضا..
أما الآن فاسمحوا لي أن أصغي لشريط مسجل فيه أغان صداحة تنعش القلب لصباح، وأن أصغي بعدها لتسجيل آخر لسعيد عقل يُمتعني بصوته الرجولي وإلقائه البديع وهو يتغنى بعدد من قصائده الرائعة، واسمحوا ان أدعو معي صُناع العنف والموت في سوريا ولبنان أن يصغوا معي لهما، لعل الجميع يتذكرون أن لا سلام ولا محبة إلا بالإصغاء المشترك لصوت الفن الجميل.
شوقي بغدادي