لا نستطيع قياس نجاح «الدولة الإسلامية» بحجم المكاسب والخسائر بل بعدد البيوت المضاءة في مناطقه

حجم الخط
5

لندن – «القدس العربي»: بعد أكثر من عام على انتصارات تنظيم «الدولة الإسلامية» في العراق والشام بدأت الولايات المتحدة تتخذ إجراءات جديدة وإن كانت محدودة في العراق. فبحسب صحيفة «التايمز» البريطانية فعملية تحرير الرهائن التي تمت قرب بلدة الحويجة، شمال العراق وأدت لسقوط أول جندي أمريكي منذ انسحاب القوات الأمريكية من هذا البلد عام 2011 جاءت لسحب البساط من تحت أقدام الروس الذين بدأوا تدخلا في سوريا في وقت ارتفعت فيه أصوات عراقية تطالب رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي بالسماح للروس القيام بغارات ضد «تنظيم الدولة» في داخل العراق وما كشف عنه من تعاون أمني روسي وإيراني وسوري وعراقي في مجال تبادل المعلومات حول جماعات المعارضة السورية والتنظيمات الجهادية.
وكان رئيس هيئة الأركان المشتركة الجديد الجنرال جوزيف دانفورد قد زار أربيل عاصمة حكومة إقليم كردستان وبعدها بغداد، حيث تحدثت الحكومة الأمريكية عن استراتيجية معدلة لمواجهة «تنظيم الدولة» تدفعه للقتال على أكثر من جبهة.

مبعوث جديد

ومع ذلك لا تزال الإدارة تواجه انتقادات حول طريقة تعاملها مع تنظيم «الدولة الإسلامية» والحرب الأهلية السورية وتجد نفسها أمام استحقاقات جديدة بعد تركيزها الشديد على الملف النووي الإيراني وتسوية مع طهران. ويعتقد أن غموض السياسة تجاه العراق وسوريا كانت وراء استقالة الجنرال جون ألن الذي عينه الرئيس باراك أوباما مبعوثا خاصا لمتابعة الحملة التي تقودها أمريكا ضد تنظيم «الدولة الإسلامية».
وبحسب مسؤولي الإدارة فستتم تسمية دبلوماسي مجرب محله وهو بريت ماغيرك الذي تقول مجلة «فورين بوليسي» إنه سيواجه المشاكل نفسها التي واجهها سلفه من قبل. وسيعاني من القيود والتنافس بين بيروقراطيي الإدارة الذي أعاق عمل ألن من قبل.
ولعب ماغيرك دورا مهما في صياغة اتفاق المبادئ مع العراق وأدى لانسحاب الفرق القتالية من هناك عام 2011 ولعب دورا في تشكيل علاقة واشنطن ببغداد منذ ذلك الوقت. وتقول المجلة إن الجنرال ألن الذي جاء من وزارة الخارجية اختلف بشكل دائم مع قادة الجيش الأمريكي ولم تكن لديه السلطة الكافية لإقناع البنتاغون اتباع تعليماته. وعمل ماغريك مع ألن الذي تشارك معه بوجهة النظر حول كيفية مواجهة «تنظيم الدولة»، «ولسوء الحظ فسيواجه نفس المعضلات والعقبات التي واجهت ألن من قبل». وسيعمل ماغيرك من الخارجية الأمريكية لا البيت الأبيض ولن يكون عضوا في مجلس الأمن القومي الذي يعمل مع الرئيس ومثل ألن فسيحيل قراراته إلى القادة العسكريين ولن يكون والحالة هذه في موقع لفرض أرائه من أجل تغيير استراتيجية تعاني من قصور وفشلت حتى الآن في هزيمة «تنظيم الدولة». ويرى رايان كروكر، السفير السابق في العراق وأفغانستان انه «لن يعمل أحد أحسن مما عمله ألن حتى يقول الرئيس»هذا مهم» والطريقة التي يجب عملـها هي قول «إنه يعـمل مـع الرئيـس».
وغير هذا فستكون «مهمة من جهنم، ولا أدري لماذا يريد أحد عملها». وتشير المجلة هنا إلى أن بعض المبعوثين الخاصين عملوا مباشرة من داخل البيت الأبيض مثل الجنرال دوغلاس لوت الذي كان نائبا لمجلس الأمن القومي وأشرف على حملتي العراق وأفغانستان. وعانى من خلافات مع البنتاغون إلا أن أراءه حملت وزنا لأنه كان يتحدث نيابة عن القائد الأعلى للقوات المسلحة وليس باعتباره موظفا في وزارة الخارجية. واستبعدت الإدارة الأمريكية تغييرا في الدور الحالي للمبعوث وسلطاته أو نقل موقعه إلى داخل البيت الأبيض.

مهمة دبلوماسية

ونقل عن مسؤول بارز قوله إن «الإدارة راضية عن الطريقة التي يعمل من خلالها وليس لديها خطط لتغيير الترتيبات». والسبب هي أن طبيعة المهام التي سيقوم بها المبعوث الخاص هي دبلوماسية، فهو سيقوم بجولات على الدول المشاركة في التحالف والتفاوض معها حول كيفية منع التجنيد للتنظيم وقطع أصوله المالية. وفي الوقت نفسه أكد المسؤولون في البيت الأبيض أن ألن وماغيرك لعبا دورا مهما في أي نقاش حول القرارات التي تمت بشأن الحملة ضد تنظيم الدولة. لكن السفير السابق في العراق جيم جيفري علق إن الوظيفة هي في المكان الخطأ.
وتذكر كيف عملت وزارة الدفاع على تهميشه عندما كان نائبا للمبعوث الأمريكي لدى البوسنة في التسعينات. وقال «طالما كنت جالسا في وزارة الخارجية كانت وزارة الدفاع واضحة في انها لا تريد السماع مني». وترى المجلة أن النقاش حول دور المبعوث للحملة الدولية ضد «تنظيم الدولة» تعكس في جزء منها النقاش الدائر في الكونغرس وأوساط الإدارة حول المدخل الذي تبناه الرئيس أوباما لمواجهة «تنظيم الدولة». فالسناتور الجمهوري جون ماكين يرى طبيعة مواجهة الجهاديين عسكرية ويجب التعامل معهم بهذه الطريقة. لكن إدارة أوباما ترى أن الدبلوماسية والسياسة تتركان أثرا مشابها كالمواجهة العسكرية في منع انتشار التنظيم بين السنة الذين همشوا داخل العملية السياسية في العراق.
وبسبب الخلاف في وجهات النظر تعرض الجنرال ألن لأكثر من إحراج خاصة في الإعلان عن حملة لاستعادة الموصل سرعان ما نفى البنتاغون صحة توقيتها. وبعد تعيينه وجد ألن الذي قاد القوات الأمريكية في الأنبار ما بين 2006- 2008 نفسه يجري اتصالات في منتصف الليل ويكتب رسائل إلكترونية بعد اتصال مشائخ من الأنبار يطلبون الدعم لمواجهة «تنظيم الدولة». وفي واحدة من الحالات اتصل زعماء من قبيلة البونمر الذين قاتلوا معه تنظيم «القاعدة» وطلبوا العون وشن غارات جوية ضد مقاتلي التنظيم. وقام ألن بتحويل الرسالة للقادة العسكريين لكن أمرا لم يحدث لإنقاذهم.
واعترف مسؤول بارز بوجود احتكاكات بين مكتب ألن والبنتاغون لكنها اختفت مع مرور الوقت». وقال المتحدث باسم القيادة المركزية الجنرال باتريك رايدر إن المزاعم التي تقول إنه ترك بسبب خلافات مع القيادة المركزية غير صحيحة. وكان ألن الذي عمل قائدا في الحملة التي قادها حلف الناتو في أفغانستان قد جاء إلى المهمة بعد انتقاده الرئيس أوباما لسحبه القوات من العراق عام 2011. وتولي المنصب الذي استحدث خصيصا من أجل متابعة الحملة الأمريكية التي لإضعاف وهزيمة تنظيم الدولة.

هزيمة وليس تدميرا

واختلف ألن منذ البداية مع الرئيس أوباما واستخدامه كلمة «تدمير» مفضلا كلمة «هزيمة» التي تعكس هدفا واقعيا يمكن تحقيقه. ووضح ألن في لقاء مع مجلة «دير شبيغل» الألمانية كلام الرئيس حيث قال «لا أعتقد أن الرئيس يعني إبادة داعش وهذا أمر بعيد عن تفكيرنا» مضيفا «الإبادة تحتاج إلى استثمار ضخم ومصادر ووقت». وتقول المجلة إن ألن حصل على دعم لجهوده من الشاكين والمؤيدين للحملة حيث حافظ على تحالف «إسمي» يمتد من بريطانيا حتى ماليزيا واستطاع تأمين أموال لإعادة بناء تكريت بعد طرد «تنظيم الدولة» منها. ولعب ألن دورا في إقناع تركيا لفتح قواعدها الجوية أمام الطيران الأمريكي لشن غارات على مواقع «تنظيم الدولة».
أما بالنسبة لماغيرك فقد عمل في العراق معظم وقته. وهو محام بالمهنة ولعب دورا في قرار جورج دبليو بوش زيادة عدد القوات عام 2007 بعد توسع الحرب الطائفية. وكان واحدا من الأشخاص الذين واصلوا عملهم بعد انتهاء فترة بوش وعينوا في إدارة أوباما. ورشحه الأخير لأن يكون سفيرا في العراق إلا أنه سحب اسمه بعد تسريب مراسلات بالبريد الألكتروني مع مراسلة «وول ستريت جورنال» ذا طابع عنصري. وتقول المجلة إن أهم مهام ماغريك الأولى هي الضغط على حكومة بغداد عدم السماح للطيران الروسي شن غارات من أراضيها. ولن يغير نقل المهام من مسؤول إلى آخر من الواقع على الأرض. فالتنظيم لا يزال يتمدد في العراق وسوريا.

عن الإنارة

وهنا طرح الباحثان أندرو شيفر وديفيد أينسين من جامعة برنستون سؤالا حول طبيعة مشروع «تنظيم الدولة» حيث قالا إن نجاحه يقاس بحجم المناطق التي يسيطر عليها وتراجعه يقاس بما يفقده من أراض. ففي مقال نشره موقع «فورين أفيرز» قالا فيه إن المناطق الواقعة تحت سيطرته كانت تمتد في العام الماضي من الموصل وتكريت إلى نواحي بغداد ومنها إلى الرقة وكوباني/عين العرب في شمال سوريا. ويقول الكاتبان إن التركيز بشكل ضيق على مكاسب وخسائر التنظيم لا يعطي إلا فكرة مجتزأة عن إنجازاته في المنطقة. فرؤية كهذه تفشل في الإجابة على سؤال إن كان أبو بكر البغدادي والقيادة من حوله نجحوا في تحقيق مشروع «الدولة الإسلامية» المستقلة. وفي هذا السياق فالأدلة المتوفرة عن مدى النجاح تظل غير قاطعة نظرا لتسيد الجماعة الإعلام وعدم قدرة الصحافيين من الخارج على الوصول إلى مناطقه.
ويقترح الكاتبان هنا طريقة أخرى لقياس نجاح التنظيم في الحكم من خلال: الكهرباء. وهي حاجة أساسية ضرورية لإنارة البيت والشوارع وتشغيل الثلاجات وأجهزة التلفزة والراديو وغيرها من الأجهزة الضرورية لدعم الحياة، كما في غرف العمليات بالمستشفيات ومعالجة المياه وما إلى ذلك من الأشياء الضرورية للمعيشة اليومية. فمن دون الكهرباء تغلق المحلات أبوابها ويجد ملايين العمال أنفسهم بلا وظيفة. وعليه استخدم الباحثان بيانات إحصائية جمعتها وزارة الكهرباء العراقية لقياس مستويات الإنارة في ظل تنظيم الدولة الإسلامية حيث انخفضت إلى النصف منذ سيطرة الجهاديين على بعض المناطق الصيف الماضي.
وقورن حجم الإمدادات الكهربائية الحالية بتلك المتوفرة في المناطق الخارجة عن سيطرة التنظيم. ولاحظ الباحثان أن الإنتاج الكهربائي انخفض منذ الصيف الماضي. وظلت المستويات حتى شهر آذار (مارس) ضعيفة جدا. ويقول الكاتبان إن إمدادات الكهرباء في محافظتي نينوى والأنبار تظل فقيرة. ففي هذه المناطق انعدم التيار الكهربائي ووصل إلى درجة الصفر. ويرد الباحثان فشل «تنظيم الدولة» في توليد الطاقة الكهربائية لانعدام الوقود فقد توقفت مصفاة بيجي ولم تعد قادرة على انتاج الزيت الثقيل. وفي الوقت نفسه أغلق الأكراد خطوط الغاز لمحطة كهرباء التاج. ويرى الباحثان أن التغير الحاد في إمدادات الكهرباء بعد تشرين الأول (أكتوبر) 2014 يعكس النقص الحاد في الوقود اللازم لتشغيل محطات توليد الكهرباء. ولم يتغير الوضع مع سيطرة الجهاديين على مصافي مهمة. لأنها لم تعد توفر الوقود الكافي نظرا لقيام الطائرات الأمريكية بضرب المصافي هذه. ويعزو الكاتبان نقص الوقود إلى قرار الجهاديين بيع كل ما لديهم من نفط في السوق السوداء لتوفير المال اللازم للعمليات بدلا من تشغيل محطات الطاقة. ومهما كانت الحقيقة فالنتيجة واحدة وهي أن التنظيم لا يقوم بتوفير الإحتياجات الرئيسية لرعاياه.

لا يتأثر

وهنا يتساءل الباحثان عن أهمية توفير الضروريات للمواطنين وإن كان نقصها يؤثر على طبيعة التنظيم. ويشيران لمقال نشره ستيف كوك من مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي. وكتب قائلا «ما يثير السخرية حول الحديث عن عدم استقرار تنظيم الدولة بسبب عدم قدرتها على توفير الكهرباء يتجاوز فكرة أن عدم القدرة على توفير المواد الرئيسية لا يهم التنظيم». ومهما يكن الأمر والتفسيرات حول الأثر الذي يتركه فشل التنظيم أو عدم فشله بتوفير الكهرباء على وضعه بين السكان. إلا أن هناك إجماعا بين المراقبين حول الصدمات الاقتصادية السلبية التي تتحول لعامل تجنيد للجماعات المعارضة للتنظيم.
ويشيران للأبحاث الأكاديمية التي تظهر سهولة تجنيد مقاتلين يعانون من أوضاع اقتصادية سيئة. كما ان الباحثين في جامعة كاليفورنيا بيركلي وجامعة نيويورك وجدوا صلة بين الصدمات الإقتصادية السلبية والحروب الأهلية في منطقة الساحل والصحراء في أفريقيا، وذلك لأن الشباب يحملون السلاح حالة تراجع فرص العمل المتوفرة لهم في مجال الزراعة». ووجدت دراسات بجامعتي ستانفورد وهارفاد أن مخاطر الحروب تزداد في المناطق الأفريقية التي تعتمد المواسم الزراعية فيها على المطر. ومن هنا فنقص الكهرباء قد يعزز موقع «تنظيم الدولة» حيث تحاول البحث عن مصادر للطاقة وافتعال حروب. ولكن الدراسات التي تمت على تنظيم «القاعدة» في العراق في جامعة برنستون ومؤسسة «راند» تظهر أن التنظيم لم يكن يجتذب مقاتلين يريدون رواتب بل جنود عقائديون. ويقترح الكاتبان طريقة أخرى لمعرفة أداء التنظيم من خلال قدرته على توفير الضروريات اليومية. وقد يقود الضيق المعيشي طريقا للكشف عن هوية التنظيم وقادته مع أن الدراسات في مجال مكافحة الإرهاب تشير لصعوبة الحصول على معلومات من السكان عن التنظيم الناشط بينهم. وتشير وثائق حرب العراق أن تعاون السكان ضد المقاتلين زاد عندما طالت الهجمات حياتهم المدنية. وبطريقة أخرى زاد تعاون المدنيين مع قوات التحالف عندما قام المتمردون بهجمات أدت لقتل المدنيين.
كل هذا لا يعني ان تنظيم الدولة لا يواجه خطر خسارة المدنيين حالة فشله في توفير الحكم الفاعل وتعزيز رفاه المواطنيين. وقد يندفع هؤلاء للتعاون مع الحكومة العراقية والسورية والكشف عن هويات وأماكن وجود قادة التنظيم. لكن دمشق وبغداد لا تملكان القدرة على جمع المعلومات. ورغم سجل التنظيم الكارثي في الحكم إلا أن الأبحاث تظهر أن هذا عامل ثانوي في الوقت الحالي. فلم يمنع هذا من تحقيقه انتصارات على القوات العراقية والسورية. وربما استطاعت الحكومة العراقية تجيير الغضب على طريقة حكمه بين الناس الذين عانوا بشكل رئيسي وتستخدمه لإضعافه. وهذا سيناريو بعيد في الوقت الحالي.

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية