عمان ـ «القدس العربي»: يواصل الأردنيون بشغف قراءة تفعيلات وتفصيلات المشهد السعودي المفتوح على كثير من الاحتمالات. ويتبادل كبار الساسة في عمّان ملحوظات وتقويمات ومعلومات بين الحين والآخر، عما يجري خلف ستائر القصر المَلِكِي السعودي خصوصًا أن الخط البياني لاتجاهات رجل الحكم القوي الأمير محمد بن سلمان غير واضحة بالنسبة لدوائر القرار الأردنية.
في الوقت نفسه، تشعر الدوائر الأردنية أن الغموض يلف موقف الأمير محمد بن سلمان، من العلاقات في بعدها الاستراتيجي أو الأمني أو حتى الاقتصادي مع الأردن.
الدليل الأكبر على هذا الغموض هو إعلان الأمير بن سلمان شمول الأردن ومصر بمشروعه العملاق «نيوم» من دون أدنى تنسيق مع الحكومة الأردنية، ومن دون حتى إبلاغ الأردنيين بالتفاصيل الفنية والإجرائية، الأمر الذي دفع بعض المسؤولين خلف الستارة والكواليس للتعامل مع إلحاق الأردن بمشروع «نيوم» على سواحل البحر الأحمر في إطار الترضية والتخدير فقط، وتجنب إقلاق عمّان وأهلها، وهو بكل حال الأسلوب الذي اتبعه الأمير محمد بن سلمان طوال الثلاث سنوات الماضية.
الأمير الشاب الذي يتحول بالتدريج إلى حاكم مطلق في السعودية، يضغط على الأعصاب الحيوية للأردنيين أيضًا عندما يتبادل الرسائل عبر مقربين منه مع حكومة اليمين الإسرائيلي من دون تشاور أو تنسيق مع الأردن، وهي مسألة صُنِّفت دومًا في سياق إزعاج الأردنيين حتى مع الإسرائيليين عبر إنتاج موقف مستجد، يوحي أن الحاجة غير ضرورية لعمّان حتى تتواصل تل أبيب مع الرياض.
في القراءة العميقة الأردنية، الأمير محمد بن سلمان قوي وصلب ولديه مشروع غامض وخطير وحساس، لكنه لا يؤمن بجمع الحلفاء، ولا يتشارك إلا مع أبو ظبي بالمعلومات، وهو أمر يربك الدبلوماسية الأردنية، ويؤدي إلى تشابكات معقدة في مستوى الاتصال والتواصل السياسي وحتى الأمني في بعض الحالات.
داخل أروقة طبقة الإدارة العليا في الأردن استمعت «القدس العربي» مباشرة لوجهة النظر التي تحذر من ضغط شديد على ملف الإصلاح السياسي والاجتماعي في الأردن ودول أخرى، من بينها مصر وقطر والإمارات إذا ما استمر الأمير بن سلمان بقطع خطوات كبيرة وانفعالية على صعيد برنامجه الضمني غير المعلن في علمنة الدولة السعودية وإعادة إنتاج شكل وهُوية المملكة الرابعة.
الخطوات التي اتخذها بن سلمان هنا قرعت جرس الإنذار الديمقراطي والإصلاحي في أكثر من عاصمة عربية، خصوصًا عندما تعلق الأمر باعتقال رموز في المؤسسة الدينية وتقليص وتقليم أظافر هيئة الأمر بالمعروف السعودية والصراع المباشر مع ما يسمى بالفكر والفلسفة الوهابية.
كذلك الأمر عندما تعلق الأمر بقيادة المرأة للسيارة وحملات الفساد الأخيرة التي طالت أسماء كبيرة.
ثمة من يوازن داخل المؤسسة الأردنية اليوم، فالأردن مثلا يخفق حتى اللحظة في مراجعة مناهج التربية والتعليم، بينما فعل بن سلمان ذلك بجرة قلم وفي وقت قصير.
وفي الحالة الأردنية ثمة أسماء كبيرة متهمة بالفساد، ولم تخضع للتحقيق، خلافًا لما فعله الأمير السعودي، وفي الحالة عينها ثمة أصدقاء للاستثمار في الأردن من النوع الكبير والوزن الثقيل يخضعون للتحقيق الآن في منتجع ريتس السعودي الشهير. بمعنى أو آخر يدفع الأمير محمد بن سلمان حتى النخب في الدول الحليفة لبلاده للمقاربة والموازنة خاصة مع عدم وضوح الاعتبارات والخلفيات لا عند صانع القرار السياسي ولا حتى عند المنشغلين بالعمل السياسي.
بعض المستويات العميقة في القرار الأردني تعتقد أن ما يفعله بن سلمان مجازفة كبيرة مفتوحة الاحتمالات على أساس أن التسارع في الانفتاح الاجتماعي والتسريع بالانفتاح الاقتصادي قد يضطر الحكم السعودي الجديد لمواجهة استحقاق في غاية الحساسية والخطورة تتمثل في تكلفة الإصلاح السياسي والديمقراطي. وهو مطب تتوقع دوائر أردنية مختصة أن يتعثر في الوصول إليه العهد السعودي الجديد أو يرتبك في الحد الأدنى.
وفقا لهذه القراءة العميقة التي استمعت لها «القدس العربي» من خبراء أساسيين، فإن اصطدام الأمير بن سلمان بمحطة الإصلاح السياسي والديمقراطي سيمثل صعقة كبيرة ومفاجأة من العيار الثقيل، لأن النتيجة الطبيعية للاسترسال في الانفتاح الاجتماعي والاقتصادي هي حصريا التحول إلى نظام شفاف فيه قضاء وقانون، وفي خطوة لاحقة، فيه انتخابات وتمثيل، وهي لحظة اصطدام يتصور الأردن أن عنفوان الأمير محمد بن سلمان الحالي قد لا يتوقعها، ليس فقط لأن ما يفعله اليوم يحوّله إلى حاكم ديكتاتور مستبد مستنير فقط، ولكن أيضا لأن البيئة في المجتمع السعودي وعمقه ولاحقًا في المجتمع الخليجي قد لا تستوعب خطوات ديمقراطية وإصلاحية كبيرة. يخشى الأردنيون بحرص وحماس على الحليف العربي الأكبر لهم، وكلما راقبوا أكثر اندفاعة العهد الجديد في الرياض تورطوا في تساؤلات وإشكالات واحتمالات وسيناريوهات تثير القلق والرعب، خصوصًا أن عمّان تحتفظ بقلقها الشديد من أجندة التصعيد العسكري الإقليمي في المنطقة من جراء سرعة محمد بن سلمان وسطوة حاكم أبو ظبي محمد بن زايد.
وفي الدرجة ذاتها التي تحتفظ فيها بقلقها من السؤال الديمقراطي المطروح عندما تفتح السعودية بشكل متسارع وضخم نحو التنويع الفني والاجتماعي والثقافي والتخلص من الإطار الديني.
عمّان لا تُخفي قلقها مثل بقية العواصم في المنطقة، خصوصًا في ظل عدم وجود معلومات ومعطيات، وفي ظل تسارع الأحداث والخوف من أجندات تحت الرماد في العائلة المالكة السعودية التي تعاني أصلا من زحام الأمراء وصراعات النفوذ والتقاسم.
الأهم أردنيا في الأثناء أن الأمير الشاب الذي يتحرك كالبلدوزر السياسي يُظهر حتى الآن ميلًا شديدًا لتجنب وضع حلفائه في المنطقة في صورة ما يفعله وكذلك في صورة أين ومتى سيفعله.
بسام البدارين