الادعاء بوجود قوات لتنظيم «الدولة الإسلامية» في ليبيا، أو وجود منظمات إرهابية ذات اعتبار، ليس سوى استخفاف بعقول الناس، ولا يمكن أن يكون له أي أساس من الصحة، لأن الحقائق والوقائع على الأرض تثبت أن ليبيا لا يوجد فيها اليوم سوى ثوار يقاتلون من أجل الحفاظ على ثورة فبراير، وثورة مضادة من فلول القذافي تحاول إعادة البلاد والعباد الى ما قبل فبراير 2011، أو ما هو أسوأ.
لا يوجد في ليبيا طرف ثالث، والادعاء بوجود قوات لتنظيم «الدولة الاسلامية»، أو مراكز لتنظيم «القاعدة»، ليس سوى محض افتراء، أما من يؤيد تنظيم الدولة في ليبيا أو يعتنق أفكاره فقد غادر بكل تأكيد البلاد وانضم الى التنظيم في موطنه الأصلي في مدينة الرقة السورية، أو الموصل العراقية.
الحال في ليبيا يختلف عن سوريا والعراق وسيناء (المراكز الثلاثة لتنظيم الدولة)، فحتى الآن على الأقل لا يوجد دليل على أن تنظيم الدولة يسيطر على مناطق من البلاد، أو أنه ذو انتشار واسع، أو أنه يتمتع بقوة كبيرة، أما الترويج لوجود التنظيم والتخويف منه فهذا ما تقوم به قوى سياسية وعسكرية انقلابية تريد الإطاحة بثورة فبراير ومخرجاتها، وتريد إعادة فلول نظام القذافي إلى الحكم، وهي القوى التي تحاول استنساخ تجربة الانقلاب في مصر الذي يزعم منذ أكثر من عامين أنه يحارب الإرهاب، وهو الإرهاب الذي ما رآه المصريون ولا عرفوه إلا بعد أن رأوا السيسي وتعرفوا عليه.
ما يجري الآن في ليبيا يؤكد أن القوى الانقلابية التي ظهرت على ضفاف ثورة فبراير تريد أن تستخدم شماعة «الإرهاب» من أجل استجرار التعاطف والتأييد والدعم الدولي، كما أنها تريد الترويج لوجود إرهاب، تمهيداً للخلط بينه وبين قوى الثورة، وهو الأمر ذاته الذي حصل ويحصل في مصر وسوريا وأماكن أخرى من العالم العربي.. فضلاً عن أن ذريعة «الارهاب» أثبتت نجاحاً كبيراً لدى أغلب أنظمة الاستبداد العربي حتى قبل اندلاع الثورات العربية أصلاً عام 2011.
الأحداث والوقائع على الأرض في ليبيا تؤكد أن الادعاء بوجود تنظيم «الدولة الاسلامية»، أو تنظيم «القاعدة»، أو وجود منظمات ارهابية لا أساس له من الصحة، وأن القوى الانقلابية هي التي تروج لذلك من أجل تحقيق أهدافها، وتخويف الليبيين من المستقبل، وحشد الرأي العام الداخلي والدولي معاً معها، أما ما يدفعنا للاعتقاد بذلك فهو ما يلي:
أولاً: لو كانت في ليبيا قوات أو مناطق تتبع لتنظيم «الدولة الاسلامية» (الحقيقي الذي يقوده البغدادي)، لكانت أجهزة الاستخبارات الغربية، وتحديداً الأوروبية علمت به وقصفت مواقعه وهو على شواطئها وبالقرب من حدودها، بدلاً من السفر الى سوريا والعراق لضرب مواقع التنظيم ومراكزه هناك، فوجوده في ليبيا أكثر خطراً على الأوروبيين منه في سوريا.
ثانياً: يتدفق المهاجرون غير الشرعيين عبر الشواطئ من ليبيا الى أوروبا يومياً، ولم نسمع أن «داعشياً» واحداً وصل الى أوروبا عبر قوارب الموت التي تأتي من شواطئ زوارة، فلو كان للتنظيم وجود في ليبيا فلماذا لم يغزو أوروبا عبر البحر حتى الآن؟
ثالثاً: الفيلم التسجيلي الوحيد الذي بثه تنظيم الدولة في ليبيا كان لإعدام الأقباط المصريين في فبراير الماضي، وهو الفيلم الذي لم يصدر عن التنظيم غيره، في الوقت الذي يهتم فيه التنظيم بالإعلام والإصدارات المرئية والصوتية أكثر من اهتمامه بأي شيء آخر. أما الأهم من ذلك فهو أن خبراء أجانب في مجال التصوير والسينما والمونتاج قالوا لشبكة «فوكس نيوز» الأمريكية إن الفيديو مفبرك وإنه غير صحيح، وإن مشاهد البحر خلف الضحايا ليست صحيحة.. أي أن التسجيل الوحيد الذي صدر عن التنظيم في ليبيا مشكوك في صحته.
رابعاً: حسمت جريدة «اندبندنت» البريطانية الجدل يوم 16 مارس 2015، وقالت إن الرجال الملثمين الذين يحاربون مع «داعش ليبيا» ليسوا سوى رجال القذافي، وفلول نظامه، ممن يريدون العودة إلى الحكم أو على الأقل تخريب نتائج ثورة فبراير 2011، وهو ما يعني باختصار أن ثمة تنظيما مزورا في ليبيا يزعم أنه «الدولة الاسلامية» وهو في الحقيقة لا علاقة له بتنظيم الدولة.. وأغلب الظن أن أجهزة الاستخبارات الغربية تدرك هذا، ولذلك لا تكترث للتنظيم في ليبيا.
خامساً: الإشارة الأهم من كل ما سبق، هو المقابلة التي أجرتها قناة «دريم» المصرية مع أحمد قذاف الدم (أحد رجال القذافي) في يناير 2015، التي أثنى فيها بشكل واضح ولافت وغير مسبوق على تنظيم «الدولة الاسلامية» في ليبيا، وقال إنهم «شباب أنقياء»، مؤكداً أنه يؤيد التنظيم، وهو ما دفع الكثير من المراقبين للاستنتاج بأن قذاف الدم الذي يعيش حالياً بضيافة القاهرة يعلم ما هو التنظيم، وربما هو الذي يديره ويدير عملياته ويدير عمليات التخويف ضده.
خلاصة القول، إنه لا توجد مراكز ولا معسكرات لتنظيم «الدولة الاسلامية» في ليبيا، ومن يقول بذلك إما أنه يكذب أو أنه جاهل، أما الكاذبون الذين يروجون لذلك عمداً فانهم يريدون الاستفادة من ذريعة الارهاب وتنظيم «داعش» لتبرير الانقلاب على ثورة فبراير، ومحاولة إعادة فلول نظام القذافي الى الحكم، تلك الفلول التي تحاول اليوم الانقلاب عسكرياً، وهي ذاتها التي تعرقل التوصل الى اتفاق سياسي يُخرج البلاد من ظلمات الصراع الى نور الأمن والرخاء والسلام.
٭ كاتب فلسطيني
محمد عايش