خرج الطاغية الستاليني الأخير في العالم أمس إلى جولة في أرجاء سنغافورة. فهتف له الناس في عدة أماكن، امتشقوا هواتفهم المحمولة كي يصوروا «سلفي» سريعاً معه. ديكتاتور؟ نجم روك. وهذا حتى قبل المؤتمر الذي عقد في الصباح، حين تكبد الزعيم الأهم في العالم عناء الوصول للقاء كيم يونغ أون في آسيا.
وبالتالي يجدر الآن بالذات أن نذكر الأمر المسلم به: كوريا الشمالية هي الدولة الأفظع في العالم. فالفظائع التي وقعت على أرضها لا تشبه أي شيء نعرفه، على ما يبدو حتى أيام الحرب العالمية الثانية. السجناء في معسكراتها يعدمون، الرضع يقتلون. وكانت تقارير تقول إنهم يقدمون كطعام لكلاب الحراسة. إيران هي دولة مع نظام قمعي، كوريا الشمالية هي قصة أخرى تماماً. فهي دولة أسيرة لطائفة شمولية أسرية، والأمر أقرب إلى المانيا النازية على وجه الارض.
كوريا الشمالية هي أيضاً العدو اللدود لإسرائيل واهتمت بأن توفر لاثنين من أعدائها، سوريا وإيران، تكنولوجيات نووية. فقد غشت على الأقل مرتين في اتفاقات دولية منظمة وواضحة تستهدف إنهاء برنامجها النووي، تلقت مساعدة من الولايات المتحدة وطوّرت في الخفاء سلاحا نوويا. على مدى 45 سنة استعبدت كل مصدر مالي، ضحت بكل مواطن، نفذت كل اغتيال كي تصل إلى القنبلة النووية المنشودة.
لعل المحادثات ينبغي أن تجرى مع كيم الشاب، ولكن الأجواء لا ينبغي أن تكون الاحتفال اللطيف والمبتسم الذي شعروا به في سنغافورة. هذا هو الغرب في ذروة قصوره عن الفعلكيم يونغ اون هو مجرد «زعيم آخر» يعرف ترامب «كيف يتدبر معه». نوع من النهج النسبي، كما تعرفون. الشر يدحر إلى الزاوية. نعم، لعله كان ينبغي لقاؤه، ولكن هذا حدث ثقيل الوزن وجسيم المظهر، ضروري للسلام العالمي، بعيداً عن الوضع المرغوب فيه.
التفاؤل لازم. هناك من يؤمن بأن الجولة التي قام بها كيم أمس في أرجاء سنغافورة قد تكون فتحت عينيه. فها هي أمة آسيوية صغيرة نجحت في أن تبني لنفسها إمبراطورية اقتصادية مزدهرة ومتنورة. هذا لم يحصل بسبب بلشفية كورية أو سوفياتية، بل بسبب المبادرة الحرة، التخطيط الدقيق والنشاطوهي مزايا أنقذت آسيا كلها، باستثناء كوريا الشمالية، من حياة العوز والجوع.
بيونغ يانغ هي الاستثناء الرهيب، ضحية عقيدة سياسية واقتصادية دفعت سكانها المرة تلو الأخرى نحو الجوع والموت. فهل كيم، الذي تعلم في سويسرا ويحب كرة السلة، يفهم هذا؟ هل هو مستعد لأن يسير نحو بروسترويكا (إعادة البناء الروسية التي وضعها غورباتشوف) كورية شمالية فيوافقليس في إعلان عام، بل بتنفيذ حقيقيعلى نزع كل قنابله؟ لا يوجد خبير واحد في شؤون كوريا الشمالية يعتقد أن الجواب إيجابي، بالقطع.
وبالطبع يوجد ترامب. إذا ما كان المؤتمر أمس بداية مسيرة، فهل هذه مسيرة تهمه؟ الرئيس يفقد صبره بسرعة. هو الذي قال ان لا حاجة لان يستعد للمؤتمر وانه سيعرف ربما «في غضون دقيقة» اذا كان هذا سينجح. مسيرة تنزع عن كوريا الشمالية السلاح النووي وتدخلها إلى العالم ستكون مركبة، مفعمة بالمخاطر والتحديات. وفي نهاية المطاف للولايات المتحدة مصلحة كبيرة في نزع السلاح النووي، ولكن كل ما تبقى أقل أهمية لها.
ولعله جدير التفكير ماذا يقول الإيرانيون لأنفسهم هذا الصباح. في نهاية التسعينيات كانت إيران وكوريا الشمالية في المكان ذاته من ناحية تطوير النووي. في 2003 أمرت إيران بوقف برنامجها العسكري، وبقدر ما نعرف لم تستأنفه منذئذ وان كانت وسعت قدرة التخصيب لديها. وفي النهاية وقعت على اتفاق رقابة نووية، وحسب وكالة الطاقة الذري، وزارة الدفاع الامريكية ورئيس اركانناالتزمت به.
الاتفاق لم يعجب الرئيس الامريكي الجديد أو إسرائيل، وهو عمليا أُحبط وأُلغي. والآن مقابلها، هي الدولة الكبيرة والهامة في الشرق الاوسط، فإن كوريا الشمالية الصغيرة غشت، واصلت تطوير القنبلة، غشت مرة أخرى وفي النهاية نفذت تجربة نووية على السلاح. وبالمقابل لاحقها العالم والآن التقى بها الرئيس الامريكي الذي يعتبر صقريا على نحو خاص، ويغدق على زعيمها شرف الملوك.
بالنسبة للمعسكر الإيراني المحافظ هذا دليل قاطع: الغرب لا يفهم إلا لغة القوة. إذا كان سيكون الاعتراف الأصغر بنووية كوريا الشمالية، وإذا لم يصر ترامب على نزع كامل للسلاح وسريع نسبياً فإن الرسالة التي ستصل إلى طهران ستكون واضحة وجلية.
يديعوت 12/6/2018