لا يُصلح الظلم بظلم آخر

حجم الخط
0

يمكن القول إن كل من له قلب وروح، لا يمكنه أن يبقى غير مكترث أمام معاناة وألم أهالي جنوب تل أبيب. فإحساس «الاحتلال الأجنبي» إلى جانب أعمال الجريمة والعنف والخوف اليومية هي بالتأكيد مسألة على الدولة أن تحلها، وفي أقرب وقت ممكن. هكذا أيضا المسألة المبدئية في تحديد سياسة هجرة ومعالجة مئات آلاف اللاجئين، المتسللين أو مهاجري العمل إياهم.
ولكن محظور إصلاح الظلم بظلم آخر. فحقيقة وجود مجرمين بين أولئك اللاجئين، لا تسمح بوصمهم جميعا. المخطئ يجب أن يعاقب، وعند الحاجة يسجن. ولكن محاولة تصنيف أبناء هذه المجموعة كلهم جماعة ـ مرفوضة من أساسها. فمن مثل الشعب اليهودي، الذي اختبر على جلدته مساوئ التصنيف العام والوصم بأفعال لم ترتكب ـ ينبغي له أن يحذر من مثل هذا الفعل.
وحتى من يعتقد أنه محظور أن ندخل إلى البلاد حتى ولا لاجئ أو مهاجر عمل واحد، وإنه ينبغي طرد أولئك الموجودين جميعهم هنا على الفور، لا يحق له أن يتجاهل واجب الدولة في معالجتهم كما ينبغي طالما كانوا في مسؤوليتنا، وأن يتعامل معهم كبني بشر وحماية حقوقهم الأساسية.
لقد علمتنا التقاليد اليهودية بأن كل بني البشر خلقوا على صورة الرب. بمن فيهم المتسللون، اللاجئون ومهاجرو العمل، مهما كانت أفعالهم، فإنهم بنو بنشر ولا يجب الدوس على كرامتهم ونزع حريتهم منهم. هكذا، وبالذات، حين يكون بعضهم على الأقل (ولا خلاف في ذلك) مهما كان عددهم، هم لاجئون من مخلفات الحروب، ممن فروا للنجاة بأنفسهم وبانتظارهم خطر الموت إذا ما أعيدوا إلى بلادهم الأصلية.
ودرءًا للشك: المحكمة ليست معفية من النقد بل العكس. كلما أكثرتم من انتقادنا (والحمد لله ثمة ما يستوجب ذلك)، يكون أفضل. ولكن الاستقامة، الصدق والنزاهة الأساسية تستوجب من المنتقدين ـ وليس فقط في هذا الموضوع ـ أن يستندوا إلى حقائق وليس إلى الإشاعات. هكذا، بالذات، حين تكون بعض الانتقادات تقال بلغة فظة ومنفلتة العقال تصل أحيانا إلى حد التحريض حقا.
في ضوء قسم كبير من الانتقادات في الأيام الأخيرة، وانعدام الصلة بين الانتقاد والحقائق (بخلاف تفسيرها) يبدو أن الكثير من المنتقدين، بمن فيهم شخصيات عامة وإعلامية رفيعة المستوى، لم يقرأوا قرار المحكمة على الإطلاق. فلو فعلوا ذلك لعرفوا أن المحكمة لم تشترط نقل اللاجئين إلى دولة ثالثة بموافقتهم. فهذا الشرط وضمنه الاتفاق الذي وقعت عليه دولة إسرائيل مع تلك الدولة الثالثة، وكان على ما يبدو شرطا أوليا وضروريا ـ من جانب تلك الدولة، وليس من جانب المحكمة ـ لاستعدادها قبول اللاجئين في أراضيها.
فضلا عن الوجه القيمي، الإنساني، الأخلاقي والقانوني، لم يصدر قرار المحكمة في فراغ. نحن نعيش في عالم فيه الكثير من الذئاب الساعية إلى افتراس النعجة الصغيرة التي تسمى دولة إسرائيل. وقرار محكمة يسوغ بلا تحفظ طردا جماعيا للاجئين بخلاف إرادتهم كان سيمنح ريح اسناد في دعوة المقاطعة على إسرائيل، لعزلها عن أسرة الشعوب وجعلها منبوذة على الجميع أن يبتعدوا عنها.
مثل قرارات محكمة سابقة اتخذت (كالقرار في موضوع الاحباط المركز و«نظام الجار»)، على عيوننا أن تتطلع ليس فقط إلى تل أبيب بل وأيضا إلى العالم. وتجاهل آثار هذه المسألة على مكانة إسرائيل ومواطنيها في العالم مثلها كمثل دس الرأس في الرمل وخطره كبير بقدر لا يقل، بل وربما أكبر من النتيجة المتوازنة، حتى وإن لم تكن مثالية، سعت إليها المحكمة العليا.

إسرائيل اليوم 30/8/2017

لا يُصلح الظلم بظلم آخر
قرار محكمة يسوغ طردا جماعيا للاجئين خلافا لإرادتهم يعزز المقاطعة لإسرائيل
افيعاد هكوهن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية