سجلت لائحة وزير العدل اللبناني المستقيل أشرف ريفي انتصارا كبيراً في مدينة طرابلس في مواجهة لائحة توافقية عريضة مدعومة من أطراف سياسية عديدة ومتنوعة أهمّها تحالف رئيسي الوزراء السابقين سعد الحريري ونجيب ميقاتي، إضافة إلى «الجماعة الإسلامية» وتيّار «المردة» الذي يرأسه الزعيم المارونيّ سليمان فرنجية، وكذلك حزبي «السوري القومي الاجتماعي» و«العربي الديمقراطي»، ووزيرين سابقين هما محمد الصفدي وفيصل كرامي ونوّاب يمثّلون المدينة في البرلمان اللبناني.
تفسير اللواء ريفي لانتصاره كان أن «طرابلس قالت كلمتها» وأن خصومه السياسيين اعتبروا الانتخابات البلدية «تهريبة محاصصة وتحالفاً هجيناً» و«معركة استخفاف بأهل طرابلس».
حفلت تصريحات ريفي برسائل سياسية عديدة لكنّ أكثرها إشكاليّة كان التحدّي الكبير الذي مثّلته بإهداء الانتصار «لروح رفيق الحريري وشهداء ثورة الأرز»، وإذا قرأنا هذا التصريح على خلفيّة أن انتصار ريفي كان بشكل كبير هو على زعيم تيار الحريرية السياسية، سعد الحريري، وعطفناه على تأكيد ريفي «أن أبناء رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري ما زالوا على عهدهم» نكون أمام قرار بانتزاع إرث رفيق الحريري السياسي من سياقه الجينيّ والعائليّ الذي يمثّله سعد الحريري (وبهيّة الحريري في صيدا) وإعادة ربطه بالجمهور العامّ اللبناني.
انتصار ريفي، بهذا المعنى، ليس انشقاقاً عن تيّار رفيق الحريري بل هو مسعى لإعادة ربط ذاك التيار بالجذور الشعبية والديمقراطية لذاك الزعيم الذي كانت حياته ومقتله علامتين فارقتين في تاريخ لبنان الحديث.
لم يغفل ريفي أيضاً العلاقة بين فوز القائمة التي دعمها والضرورة الوجودية في لبنان للتغيير النابع من إرادة الجمهور لضرب الطبقة الطائفية المتخشّبة فاعتبر ما حصل انتصاراً أيضاً «للتغيير وللمجتمع المدني» وهو الهرم الذي حاولت قائمة «بيروت مدينتي» في الأسبوع الأول من أيار/مايو هزّه من خلال حركة تغيير شعبية والتي بدورها تواجهت مع تحالف غريب هجين لكل مؤسسات الطبقة السياسية اللبنانية من الحريري، كممثل للسنّية السياسية، إلى خصومه ممثلي الشيعية السياسية في «حزب الله» ونبيه برّي، وصولاً إلى عون وجعجع وجنبلاط وباقي الطاقم السياسي – الطائفيّ المعروف.
إحدى الرسائل الكبرى المتضمنة في حدث انتصار قائمة ريفي (20 مقعداً من أصل 24) إذن هي أن كسر احتكار البيوتات والواجهات الطائفية للمعادلة السياسية اللبنانية كان ممكناً في بيروت، وأنه صار ممكناً في كل لبنان، وهو ما سيفتح المجال لتكرار هذه «المعجزة» الخاصة بطرابلس إلى باقي المدن والبلدات اللبنانية، وهو عمليّاً، معادل موضوعيّ للثورات العربية ولكن بطرق ديمقراطية وشعبيّة.
هذا الاستنتاج الأخير سيؤدّي منطقيّاً إلى نتيجتين: الأولى أن قوى الطبقة السياسية ـ الطائفية اللبنانية ستحاول ما استطاعت منع انتقال «عدوى» هذا الحدث إلى باقي الأراضي اللبنانية، والثانية أن الرعاة الإقليميين لوجوه الطائفية السياسية اللبنانية سيحاولون بدورهم إفشال التجربة ولو كلّفهم ذلك رفع سيف الاحتراب الأهلي والذي يقف على رأسه «حزب الله» بقوّته العسكرية المعروفة.
وهو أمر لم يغفل عن أشرف ريفي الذي قال إنه لبناني مسلم يؤمن بالعيش المشترك لكنه توجه إلى «حزب الله» بالقول: «أنت كمشروع إيراني فارسي سأبقى أقاتلك سياسياً وحضارياً وإعلامياً»، ثم، وبلسان القوة الشعبية التي صار يمثلها قال: «لن نسمح بأن يكون لبنان ولاية لإيران».
ما نأمله من ظاهرتي أشرف ريفي، وقبله «بيروت مدينتي»، أن تتمكنا، بقوّة الوعي الشعبي اللبناني الجديد، من زحزحة معادلة الإلغاء والتهديد التي يمثّلها «حزب الله»، ومعادلة الطائفية السياسية المستحكمة التي أفرزتها، وأن تقدما خياراً جديداً للعرب بعد أن تخضّبت الخيارات الأخرى بالدماء، ووجهت بأسواط القمع والسجون والقتل.
رأي القدس