بيروت ـ «القدس العربي»: فيما إتسّع نطاق التحذيرات في دول الخليج لرعاياها بعدم التوجه إلى لبنان ودعوة الموجودين فيه إلى المغادرة فوراً بعد انضمام الكويت وقطر إلى السعودية والإمارات والبحرين، فإن الخشية في لبنان تبقى من تخفيض مستوى البعثات الدبلوماسية وفي وقف رحلات الطيران العربية وترحيل لبنانيين عاملين في دول الخليج اضافة إلى ما سيتركه وقف الهبة السعودية بقيمة 3 مليارات دولار على تجهيز الجيش اللبناني بالأسلحة والذخيرة.
في هذه الاثناء، وبعد البيان الحكومي الخجول الذي جاء أقل من التوقعات السعودية في ظل التجاذب السياسي بين خياري الاجماع العربي والحفاظ على الوحدة الوطنية يستمر رئيس الحكومة تمام سلام ببذل جهد كبير في كل الاتجاهات من أجل تجاوز الأزمة في العلاقات مع المملكة العربية السعودية وباقي دول الخليج، وشدد في مجلس الوزراء على الاجماع حول البيان الصادر عن الحكومة لمعالجة العلاقة مع السعودية، متمنياً على الوزراء وضمناً وزراء حزب الله والتيار الوطني الحر أن يراعوا في مواقفهم السياسية هذا الاجماع الذي يجب التمسك به في معالجة شؤوننا الوطنية، قائلاً «إنّ الوضع حسّاس ودقيق وعلى الجميع العمل في الاتجاه المفيد وإلّا فإن النتائج ستكون عكسيّة ومضرّة».
وحاول رئيس الحكومة التقليل من أهمية مواقف وزير الخارجية جبران باسيل معتبراً «ان موقف الحكومة يعبّر عنه رئيسها، أما تصريحات وزير الخارجية فتعبّر عنه شخصياً فقط ولا تمثّل الحكومة». وقال «هناك زلّة ارتكبت وهناك غلطة، ومن حق المملكة أن تغضب فالمثل يقول وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند. نحن ذوو القربى وعندما نخطئ، للمملكة كامل الحق أن تأخذ علينا هذا الأمر. ولكن كل ضربة تصيبني ولا تميتني هي قوة جديدة لي».
وترافقت جهود الرئيس سلام مع حملة يقودها «تيار المستقبل» بزعامة رئيسه سعد الحريري ضد حزب الله حيث واصل التيار «إنتقاد مصالح حزب الله مع إيران وارتهانه للولي الفقيه»، مؤكداً «أن هذه المصالح لن تكون أقوى من إرادة اللبنانيين. وهذه الإرادة تؤكد يوماً بعد يوماً ان العمْق العربي للبنان هو الضمانة ولن تستطيع قوى الاستزلام لنظام الملالي وللحرس الثوري الإيراني المتمثلة بحزب الله من ان تطوع اللبنانيين وان تجعل منهم مطيّة تخدم حلم الإيرانيين التاريخي في السيطرة وإبعاد لبنان عن الرئة العربية التي يتنفّس من خلالها حرية وحياة كريمة».
في المقابل، فإن أوساط 8 آذار تصرّ على رفض دعوتها إلى الاعتذار من المملكة وتسأل «أعتذار عن ماذا تحديداً؟ فإذا كانت المسألة موقف لبنان، فلا بدّ مرة جديدة من تكرار الموقف المقصود، علّ التكرار ينفع». وأضافت الأوساط «قالت الخارجية اللبنانية حرفياً أنها «متضامنة مع المملكة العربية السعودية ضد الإعتداء الذي تعرضت له سفارتها وقنصليتها في إيران، وذلك التزاماً منا بالإتفاقات الدولية ورفض انتهاك حرمة أي سفارة أو بعثة دبلوماسية، خصوصاً إذا كانت للمملكة. كما التزاماً بالمادة 8 من ميثاق جامعة الدول العربية، الذي ينص على عدم التدخل في شوؤن الدول الداخلية. انتهت حرفية موقف لبنان، ولم تنته الأزمة». وتسأل الأوساط «إذا كان هذا هو السبب فعلاً، فلقد مضى على الواقعة أكثر من أربعين يوماً. خلالها وبعدها التقى مسؤولون لبنانيون بمسؤولين سعوديين وخليجيين كثر، وكان كلام وود ونقاش وتعاون. فما عدا مما بدا؟ ولماذا إنفجر الغضب السعودي بعد عودة الرئيس سعد الحريري إلى بيروت؟».
في كل حال، يقول متابعون لـ «القدس العربي»: «إن ضحيتين رئيسيتين ستدفعان الثمن من جراء تدهور العلاقات اللبنانية مع السعودية ودول الخليج: أولاً جيش اللبنانيين العاملين في دول الخليج وعددهم حوالي نصف مليون وثانياً الجيش اللبناني الذي يواجه خطر الإرهاب على الحدود اللبنانية السورية. ولتفادي دفع هذا الثمن المطلوب إعلان موقف واضح من الحكومة بالاعتذار عن خطأ عدم إدانة الاعتداء على السفارة السعودية في طهران إضافة إلى مطالبة حزب الله بالانسحاب من سوريا. وعدا ذلك لن تأتي أي إشارة سعودية ايجابية، لا بالعكس، فان الإجراءات التصعيدية التي تتوالى يوماً بعد آخر تؤشر إلى أن الخطوات الحكومية اللبنانية ما زالت غير كافية وأن العريضة المليونية التي أطلقها الرئيس الحريري غير نافعة».
الجيش اللبناني خسر فرصة التسليح المتطوّر
بعد الإعلان عن هبة المليارات السعودية الثلاثة للجيش اللبناني، تفاءلت قيادة الجيش بالحصول على أسلحة حديثة ومتطورة من الجانب الفرنسي لاسيما أن الجيش يستعمل أسلحة وأعتدة قديمة منذ الثمانينيات ويقوم بصيانتها. وكل ما يحصل عليه هو مساعدات من الولايات المتحدة الأمريكية وفق برنامج يُقدّر بحوالي مئة مليون دولار سنوياً لكنها تقتصر على ناقلات جند أو شاحنات نقل أو مدفعية وبعض القذائف وأسلحة خفيفة وقطع غيار، وهذه أسلحة ليست قادرة على تأمين توازن عسكري مع إسرائيل ولا على ردع الاعتداءات بل تهدف إلى تأمين صمود الجيش في بعض المواقع الحدودية ضد التنظيمات المسلحة. وبعد اقرار الهبة السعودية ركّزت قيادة الجيش اللبناني على كيفية الإفادة من هذه المليارات للتزوّد بالأسلحة المتطورة القادرة على مواجهة التحديات، وعقدت سلسلة لقاءات مع الجانب الفرنسي لوضع لائحة بالأسلحة التي يحتاجها الجيش في صراعه مع الإرهاب ومع العدو الإسرائيلي وفي ضبط الساحة الداخلية.
وكان المسؤولون اللبنانيون يعوّلون على الهبة السعودية لتزويد الجيش بما يحتاجه بدل صرف الاعتمادات المالية من خزينة الدولة العاجزة والتي ترزح تحت أعباء كبيرة. وفي جلسة البرلمان في 12 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي إستعاض النواب عن اقرار اعتماد مالي من خزينة الدولة لمصلحة الجيش بقيمة 2400 مليار ليرة لبنانية أي ما يوازي مليار و600 مليون دولار على أساس أن الهبة السعودية في طريقها إلى التنفيذ، وإكتفى النواب حينها بإقرار مبالغ مالية للجيش من الخزينة اللبنانية بقيمة 1348 مليار ليرة أي حوالي 900 مليون دولار خُصصت لشراء عتاد وتجهيزات وبنى تحتية. وسعى يومها نواب التيار الوطني الحر لإقرار المبالغ بعدما سأل نواب حزب الله عن مصير الهبة السعودية وعن صحة ما يُحكى عن سمسرات، وقال النائب نواف الموسوي يومها «نحن معنيون بتجهيز الجيش ولسنا متحكّمين بما ستشمله الهبة من عتاد، فهذه الهبة تعطى للجانب الفرنسي وهو يدرس ماذا يمكن ان يعطي». وبعدما تحدث عن اشكالية حول الهبة سأل الموسوي «هل ما زال الجانب السعودي ملتزماً تقديم ما سماه 3 مليارات دولار أو لا؟». وردّ يومها رئيس الحكومة تمام سلام بالقول «إن الهبة قدمتها السعودية بقرار استثنائي وغير مسبوق من الملك
عبدالله رحمه الله، في وقت كان الجيش يتعرّض لأخطار كبيرة وجاء الدعم بصيغة أولى 3 مليارات، نحن أخذنا الجانب الذي له علاقة بالعتاد. الجيش كان مجهزاً بخطة خمسية للتسليح: المملكة تموّل وفرنسا تزود والجيش يتسلم». وأضاف «الـ3 مليارات «شغالة» وهي على 5 سنوات، وبالتالي الصرف والتحضير يتطلب وقتاً».
وفيما طمأن البعض إلى أن لا خوف على الجيش بعد وقف الهبة السعودية، إنبرى فريق سياسي لبناني إلى أخذ الموضوع إلى أماكن أخرى من خلال الحديث عن ربط السعوديين صرف هذه الهبة بضمانات طلبوها من قيادة الجيش حول وجهة استخدام الأسلحة والذخائر التي سيحصل عليها من فرنسا والولايات المتحدة عبر المال السعودي، وهل سيتم استخدام هذه الأسلحة في «جبهة عرسال» والقلمون في وجه التنظيمات المسلحة فقط أم ستشمل أيضاً حزب الله لشلّ قدرات حركته عبر الحدود من وإلى سوريا؟
وأكثر من ذلك، ذهب هذا البعض إلى القول إن وقف الهبة جاء بعد رفض قيادة الجيش اللبناني طلب دولة في التحالف الإسلامي استخدام مطار القليعات العسكري في شمال لبنان في أي تدخّل في شمال سوريا.
سعد الياس