لندن ـ «القدس العربي»: وعدت الحكومة اللبناينة، خلال السنوات الماضية، بإتخاذ خطوات جدية لمكافحة التعذيب وتحسين سجلها في مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. وبالرغم من موافقة لبنان على العديد من التوصيات الحقوقية، فإن معظم التعهدات اقتصرت على تدابير رمزية، في حين تستمر إساءة معاملة المعتقلين والسجناء وتعذيبهم من قبل قوات الأمن. كما تستمر ممارسة الإنتهاكات ضد الفئات المهمشة (اللاجئون والعمال الأجانب)، وهي الفئات الأكثر عرضة للتعذيب، وذلك بفعل السياسات القضائية التميزيية التي تمارس بحقهم، وغياب الحماية القانونية.
وقد أخفق لبنان، رغم التحذيرات الدولية، في تشكيل آلية وطنية لمكافحة التعذيب، بالرغم من تصديقه على البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب عام 2008 والذي يتطلب إنشاء، في غضون سنة واحدة من التصديق، آلية وقائية وطنية (NPM) لزيارة ومراقبة أماكن الاحتجاز. كما تم في عام 2012، تقديم مشروع القانون الذي يعرف التعذيب لجعله يتماشى مع اتفاقية مناهضة التعذيب، التي صادق عليها لبنان عام 2001، وإدرجت آليات الوقاية إلى البرلمان، لكن لم يتم تطبيقها بعد. وقد وصفت لجنة الأمم المتحدة في تقريرها التحقيقي للعام الماضي واقع التعذيب في السجون والمقار الأمنية والعسكرية اللبنانية بالممنهج، في حين لا تزال المحاسبة على أعمال التعذيب عصية على التحقق. وفي تقديمها الوطني إلى مجلس حقوق الإنسان في 25 ايلول/سبتمبر 2015، أكدت الحكومة اللبنانية أن «خطوات قوية يجري اتخاذها لمنع التعذيب عن طريق مقاضاة مرتكبي التعذيب إما بالحكم عليهم بالسجن أو إخضاعهم لإجراءات تأديبية شديدة، مثل إمكانية فصلهم من مناصبهم». وقبل أشهر قليلة من هذا التصريح، في حزيران/يونيو 2015، انتشرت اثنان من أشرطة الفيديو على مواقع التواصل الإجتماعي تظهر عددا من ضباط قوى الأمن الداخلي وهم يضربون السجناء عقب أعمال شغب في سجن رومية. ووجهت اتهامات إلى خمسة أعضاء من قوى الأمن الداخلي إلا أن الوضع الحالي للتحقيق لا يزال غير واضح.
وفي حديث مع «القدس العربي» قال نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة «هيومان رايتس ووتش» نديم حوري أن القانون اللبناني يعترف بالتعذيب كجريمة، إلا أن القيميين على تطبيق هذا القانون لا يتعاملون معه وفق هذا الإطار، موضحا أن المشكلة الأساسية تكمن في عدم قيام لبنان بتعديل القانون لجعله يتماشى مع بنود المواثيق الدولية. ويوضح الأمين العام للمركز اللبناني لحقوق الإنسان وديع الأسمر لـ «القدس العربي» أن المطلب الأساسي لمكافحة التعذيب هو معاقبة مرتكبيه إلا أنه و«للأسف النظام يستخدم الأجهزة الأمنية لقمع المواطنين ويقوم بتغطية المنتهكين والمخالفين للقانون». وفي ظل العقبات القائمة التي تساهم في تفشي التعذيب، يرى الأسمر أن المطالبة بوقف التعذيب ومحاسبة مرتكبيه بحاجة أولا وأخيرا إلى إرادة سياسية واضحة وجدية.
سلطة المحاكم العسكرية
تشكل المحاكم العسكرية جزءا أساسيا في تفشي التعذيب في لبنان ذلك أنها تتمتع، بحسب القانون البناني، بدور أساسي في محاكمة المدنيين في حين أنه من المفترض أن يقتصر دورها على محاكمة أفراد القوات المسلحة. ولا تلتزم إجراءات المحاكم العسكرية، في كثير من الأحيان، على معايير المحاكمة العادلة. ويوضح حوري لـ «القدس العربي» أن العقبة الأساسية تجاه مكافحة التعذيب في لبنان هي سلطة القضاء العسكري وعدم وجود قضاء مستقل يحقق في الإنتهاكات. كما يرى أن المحاكم العسكرية تتمتع بصلاحيات واسعة مدعومة بالقانون اللبناني وأنه يجب أن تكون هناك محاكم مستقلة تراجع الإنتهاكات التي ترتكبها عناصر القوى الأمنية ويضيف: «هناك أحياناً تستر فما يتعلق بهذه الأمور». وتعتبر سميرة طراد من جمعية «رواد ـ فرونتيرز» أن التحقيق والادعاء على أشخاص مدنيين بغض النظر عن كونهم ناشطي حقوق إنسان من عدمه، بتهم تدخل في إطار القانون العام، هي ممارسات مرفوضة وتثير الكثير من المخاوف. وفي تموز/يوليو 2013، أصدر قاضي التحقيق العسكري مذكرات توقيف بحق 5 أفراد من الاستخبارات العسكرية بسبب وفاة نادر بيّومي في الحجز، الذي اعتقل عقب اشتباكات في منطقة عبرا بين الجيش ومسلحين موالين للشيخ السني أحمد الأسير. ورغم الاستفسارات والمكالمات اللاحقة للحصول على تحديثات شفافة وعلنية من جانب السلطات، لم تكن هناك تقارير عامة عن التحقيقات، وذلك بحسب تقرير «هيومن رايتس ووتش» لعام 2015.
التمييز القضائي
تعتبر الفئات المهمشة (اللاجئين والعمال الأجانب) الأكثر عرضة للتعذيب في لبنان بسبب التمييز القضائي وغياب المعاهدات القانونية لحمايتهم وتعريفهم. وحتى اليوم لم يصدّق لبنان على «اتفاقية الأمم المتحدة باللاجئين» أو البروتوكول الملحق بها لعام 1967.
ويخضع اللاجئ أو العامل الأجنبي في لبنان إلى الحجز الإداري بعد إنتهاء محكوميته مما يجعله عرضة للتعذيب النفسي. وطبقاً لقوات الأمن الداخلي، فإن أكثر من 13 في المئة تقريباً من المحتجزين في لبنان أجانب انتهت محكومياتهم. تضم هذه المجموعة ملتمسي لجوء ولاجئين لا يمكنهم العودة بأمان إلى بلدانهم. وقد روى أحد الذين تم توقيفهم من غير اللبنانيين لدى جهاز الأمن العام اللبناني أن المحققين اعتدوا عليه بالضرب على يديه ورجليه بسلك كهربائي، وداسوا عليه وأهانوه لفظياً. والجدير بالذكر أن الأرقام الرسمية تشير إلى أن العدد الأكبر من الموقوفين والمعتقلين لدى الأمن العام، هم من اللاجئين السوريين، إلى جانب عدد من العمال والعاملات الأجانب، وهؤلاء يتعرضون لأبشع أشكال التعذيب التي تنم بشكل أساسي عن تمييز عنصري تجاههم، وقسم من هؤلاء محتجزون تعسفاً بسبب إمتناع الأمن العام عن ترحيلهم لأسباب مادية تتعلق بكلفة سفرهم، وذلك بحسب منظمة العفو الدولية. وبحسب المنظمة فإن قمة انتهاكات حقوق الإنسان تجلّت في قرار صادر عن الأمن في 31 كانون الأول/نوفمبر 2014 حيث فرضت ما يشبه نظام الكفالة لدخول السوريين، حيث قسمّوا إلى 6 فئات. ويشير التقرير إلى أن ارتفاع تكلفة تجديد تصاريح الإقامة السنوية، إلى جانب سياسات مبهمة لتجديد تصاريح اللاجئين من سوريا، دفع بالعديد من اللاجئين إلى عدم تسوية أوضاعهم، ما جعلهم عرضة للاعتقال والاحتجاز والترحيل. ويرى حوري أن هذه المشكلة تنمو في ظل غياب الإرادة الإجتماعيَّة والمسؤولية المشتركة لمكافحة التعذيب. ويقول أن العقبة الأساسية تكمن في عدم الثقة، وأن بعض ضحايا التعذيب ”يخشون تقديم الشكاوى، ومحاميهم ينصحونهم بهذا طمعا بتخفيف الحكم الصادر بحقهم، لذلك هناك عدم جدية في التعاطي مع هذا الموضوع”.
العنف لانتزاع الاعترافات
يعتبر سبب التعذيب الأساسي والأكثر إنتشارا ممارسة التعذيب لإنتزاع الإعترافات إضافة إلى ممارسة «التعذيب التأديبي» من قبل القوى الأمنية. وفي حين تجرم المادة 401 من قانون العقوبات اللبناني استخدام العنف لانتزاع الاعترافات فإن القضاء اللبناني نادرا ما يقوم بمحاكمة الأشخاص الذين يزعم أنهم ارتكبوا أعمال التعذيب. في حين وضع بعض القضاة جانبا اعترافات انتزعت تحت التعذيب، والبعض الآخر يستمر بقبول مثل هذه الاعترافات على الرغم من الحظر المنصوص عليه في القانون اللبناني لاستخدام الاعترافات القسرية لإدانة الناس من الجرائم. وقال حوري لـ «القدس العربي» أنه يتم معاقبة ومحاسبة المتورطين في ممارسة التعذيب ولكن في حالات نادرة، وفي بعض الحالات الأخرى يتم فتح تحقيق ولا يتم الكشف عن نتائجه. ويشير تقرير العفو الدولية أن السلطات المعنية لم تجرِ تحقيقات ذات مصداقية في مزاعم التعذيب، «بما في ذلك تلك التي أدلى بها صبي عمره 15 سنة، وأشخاص آخرون احتجزوا بعد اشتباكات بين الجيش اللبناني ومجموعات مسلحة، في حزيران/يونيو 2013، في منطقة صيدا».
الاستخدام المفرط للقوة
استخدمت قوات الأمن اللبنانية الرصاص المطاطي وقنابل الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه وأعقاب البنادق، والهراوات ضد المتظاهرين خلال الإحتجاجات الشعبية التي اندلعت مؤخرا ضد أزمة النفايات والفساد الحكومي. كما أطلقت قوات الأمن الذخيرة الحية في الهواء، لتفريق المتظاهرين. وأدى استخدام القوة إلى إصابة عدد من المتظاهرين السلميين بجروح.
وفي 23 آب/اغسطس، كلف المدعي العام للدولة اللبنانية، سمير حمود، قاضي المحكمة العسكرية صقر صقر، بالتحقيق في الجرائم التي ارتكبت من قبل قوات الأمن، إلا أنه حتى الآن، ليس من الواضح ما هي التدابير التي اتخذت نتيجة التحقيق.
وقال الأسمر لـ «القدس العربي» فيما خص التوقيفات التي حصلت خلال المظاهرات وتوقيف ناشطي حملة «طلعت ريحتكم» أنه لا يمكن الكلام عن تعذيب مورس بحقهم انما ”للأسف طرق التوقيف كانت قاسية جدا وكان هناك استخدام مفرط وغير مبرر للعنف من قبل القوى الأمنية”. وأضاف الأسمر أنه وخلال التوقيف تعرض الكثير من الناشطين للضرب المبرح حيث كانوا يرمون أرضا ويرفسون ويسحلون على مسافات طويلة بطريقة تظهر نية انتقامية و«تأديبية». إلا أنه يعود ويؤكد أن المعاملة كانت أفضل عندما وصل الناشطون إلى مراكز الاحتجات وذلك بحسب شهادات. وقال الاسمر أنه ومجموعة من الناشطين وثقوا بعض الحالات التي تم فيها الاعتداء على بعض الناشطين بالضرب من دون تدخل القوى الأمنية لحمايتهم كما ينص القانون، كما ولم تتدخل القوى الأمنية عندما قام بعض أنصار احد الزعماء بضرب ناشطين تحت مرأى ومسمع القوى الأمنية ذاتها. وقال عماد بزي، الناشط في حملة «طلعت ريحتكم» لـ «هيومن رايتس ووتش» في مقابلة هاتفية إنه فيما كان يحاول إبعاد المتظاهرين عن رجال الأمن، ضربه أحد رجال الأمن على يده اليمنى. وفيما بعد «أعمتني خراطيم المياه ولم أتبين عدد رجال الأمن الذين يهجمون عليّ. كنت فقط أحس بهم وهم يضربونني بالعصي على ذراعي اليسرى وصدري وأنا أحاول حماية رأسي»
الحلول
تؤكد «هيومان رايتس ووتش» أن أبرز الحلول لمشكلة التعذيب في لبنان تكمن في إنشاء آلية وقائية وطنية للقيام بزيارات إلى أماكن الاحتجاز، لمراقبة معاملة وظروف المحتجزين، وتقديم توصيات بشأن الوقاية من سوء المعاملة، كما هو مطلوب بموجب البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب، إضافة إلى ضرورة ضمان إجراء تحقيقات مستقلة ونزيهة وشفافة في مزاعم الانتهاكات ضد المعتقلين. كما وتؤكد المنظمة على ضرورة تعديل المادة 401 من قانون العقوبات لتجريم جميع أشكال التعذيب وسوء المعاملة، وتقديم لبنان تعريف للتعذيب بما يتفق مع التعريف الوارد في اتفاقية مناهضة التعذيب. أما الحلول بحسب حوري فتكمن في محاسبة أي شخص قام بالتعذيب من قبل القضاء المستقل. وبحسب حوري، فإن الوصول إلى هذا الهدف، يعتمد على ضرورة وجود آلية لتسهيل تقديم الشكاوى، إضافة إلى إقامة لجنة مخصصة لزيارة المعتقلات، وهي لجنة، وافق لبنان في السابق على تشكيلها إلا أنها لم تقام بعد. ويقول الأمين العام للمركز اللبناني لحقوق الإنسان وديع الأسمر لـ”القدس العربي” أن اقرار قانون تجريم التعذيب وإنشاء آلية مستقلة للحماية منه يشكلان خطوات أساسية نحو الغاء التعذيب ورسالة سياسية واضحة عن إرادة الدولة بوقف هذه الممارسة».
تعريف التعذيب حسب إتفاقية مناهضة التعذيب (صادق عليها لبنان في عام 2001)
لأغراض هذه الاتفاقية، يقصد «بالتعذيب» حسب المادة الأولى من الإتفاقية، أي عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد، جسديا كان أم عقليا، يلحق عمدا بشخص ما بقصد الحصول من هذا الشخص، أو من شخص ثالث، على معلومات أو على اعتراف، أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه، هو أو شخص ثالث أو تخويفه أو إرغامه هو أو أي شخص ثالث – أو عندما يلحق مثل هذا الألم أو العذاب لأي سبب من الأسباب يقوم على التمييز أيا كان نوعه، أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه موظف رسمي أو أي شخص آخر يتصرف بصفته الرسمية. ولا يتضمن ذلك الألم أو العذاب الناشئ فقط عن عقوبات قانونية أو الملازم لهذه العقوبات أو الذي يكون نتيجة عرضية لها.
2. لا تخل هذه المادة بأي صك دولي أو تشريع وطني يتضمن أو يمكن أن يتضمن أحكاما ذات تطبيق أشمل. (اعتمدت وعرضت للتوقيع والتصديق والانضمام بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 39/46 المؤرخ في 10 كانون الأول/ديسمبر 1984 ).
المادة 2: تتخذ كل دولة طرف إجراءات تشريعية أو إدارية أو قضائية فعالة أو أية إجراءات أخرى لمنع أعمال التعذيب في أي إقليم يخضع لاختصاصها القضائي.
لجنة مناهضة التعذيب
هي الهيئة المؤلفة من 10 خبراء مستقلين التي ترصد تنفيذ اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة من جانب دولها الأطراف.
وجميع الدول الأطراف ملزمة بتقديم تقارير منتظمة إلى اللجنة عن كيفية إعمال الحقوق. ويجب على الدول أن تقدم تقريراً أولياً بعد سنة من انضمامها إلى الاتفاقية ثم تقارير دورية كل أربع سنوات. وتفحص اللجنة كل تقرير وتوافي الدولة الطرف ببواعث قلقها وتوصياتها في شكل «ملاحظات ختامية. وبالإضافة إلى إجراء تقديم التقارير، تنشئ اللجنة ثلاث آليات أخرى تؤدي من خلالها مهامها المتعلقة بالرصد، يجوز أيضاً، في ظروف معينة، أن تنظر اللجنة في الشكاوى الفردية أو بلاغات الأفراد التي يدعون فيها أن حقوقهم بموجب الاتفاقية انتُهكت، وتجري التحقيقات اللازمة، وتنظر في الشكاوى بين الدول.
والبروتوكول الاختياري للاتفاقية، الذي دخل حيز النفاذ في حزيران/يونيو 2006، ينشئ اللجنة الفرعية لمنع التعذيب. وللجنة الفرعية لمنع التعذيب ولاية تتمثل في زيارة الأماكن التي يجري فيها حرمان أشخاص من حريتهم في الدول الأطراف. وبموجب البروتوكول الاختياري، يتعين على الدول الأطراف إنشاء آلية وقائية وطنية لمنع التعذيب على المستوى المحلي لها أيضاً ولاية تتمثل في تفتيش أماكن الاحتجاز.
وتجتمع لجنة مناهضة التعذيب في جنيف وتعقد عادة دورتين كل سنة تتألفان من دورة مدتها أربعة أسابيع في نيسان/أبريل ـ أيار/مايو ودورة أخرى مدتها أربعة أسابيع في تشرين الثاني/نوفمبر.
وتنشر اللجنة أيضاً تفسيرها لمحتويات أحكام الاتفاقية، المعروف بالتعليقات العامة بشأن القضايا المواضيعية.
ريما شري