لبنان: جبهة «المقاومة»… ولكن ضد اليأس!!

ما كدت أصل من المطار إلى بيتي البيروتي حتى انطلق صوت الرصاص ربما لتذكيري بحماقتي في ترك «وكري» الباريسي الآمن والإصرار على العودة إلى مسقط قلبي: عالمي العربي! وبصفتي من خريجي «جامعة الحرب الاهلية» اللبنانية طوال عشرة أعوام قبل الرحيل وجدتني اركض للاحتماء بجدران الممر.. اذ لا نوافذ له يمكن ان تتطاير شظايا زجاجها للتوقيع على بشرة وجوهنا النازفة عبارة: الجنون مر من هنا!!
لم أدر أهو رصاص احتفالي من «المربع الأمني» في الشارع المجاور لبيتي، ام انه الرصاص النذير بمعركة ما في شوارع أخرى مجاورة.
في بيروت يشعر المرء بهشاشة الوضع الأمني منذ الدقائق الأولى ويعي التفاصيل بالذات وتحت عدسة مكبرة اذا كان قد أقام في باريس ثلاثة عقود ونيفاً وقبلها في جنيف ولندن. و.. و.. ولا يملك إلا المقارنة.

الديمقراطية على الطريقة اللبنانية!

من المفترض ان لبنان وطن ديمقراطي كفرنسا. لكننا نتساءل: لماذا تُعاقبُ «اللا أمانة» على أموال الشعب في فرنسا وتتم مكافأة سلوك كهذا في لبنان أحياناً؟
المرشح الخاسر لرئاسة جمهورية فرنسا «مسيو فيون» كان المرشح الأكثر فرصة في الفوز. هذا حتى كشفت جريدة «لو كانار انشونيه» انه استغل مخصصاته النيابية لمنح المال لزوجته وابنه. دونما وجه حق (وظائف وهمية).
واليوم جاءت وزارة جديدة تحت حكم الرئيس الجديد ماكرون، وكشفت جريدة «لو كانار أنشنيه» ان احد وزرائها: «ريشار فيرون» تصرف ايضاً على طريقة «فيون» «بتنفيع» الازلام والمحاسيب والاسرة.
اما في لبنان، فيعتبر (تنفيع) الأقارب والمريدين صفة حسنة في ظل راية الفساد، حيث الخاسر هو الشعب اللبناني وراية الفساد مرفوعة غالباً فوق علم الديمقراطية اللبنانية!!
وحين يجرؤ فريق على كشف فساد فريق في حقل ما يكون الرد بالتهديد بكشف فساد الآخر في حقل آخر!!

لبنان: خرج ولم يعد؟..

لبنان، حلم الحرية والديمقراطية على ارض عربية هل انتهى؟ لا.. ما زالت جبهة المقاومة ضد الياس تعمل.
ولها فروع عربية. من يحكم لبنان؟ قبل الأسماء المعروفة ثمة حاكم يزداد تسلطاً في الحقول كلها اسمه «الفساد» ويشعر المرء بحضوره من أصغر تفاصيل حياته كشراء الطعام إلى اكبرها.. كخارطة الوطن!
الكل يعي المشكلة والحل هو ببساطة كما في فرنسا: العقاب..
الوزير السابق «كايزاك» الفرنسي مثلاً الذي قاد حملة ضد «هرب الودائع» الفرنسية إلى سويسرا وسواها من «الجنات الضريبية» تبين انه ينهي عن خلق ويأتي بمثله!.. واضطر للاستقالة وللاعتذار العلني وانتهت حياته السياسية. اما عندنا فتبدأ الحياة اللامعة للسياسي غالباً حين يتبين انه يقوم (بتنفيع) أنصاره على حساب ضرائب الناس (الخراف) وانه (الشاطر) الذي جمع ثروة لا يحاسبه أحد على مصدرها بل ويباهي البعض بأنه (يقبض) من دولة أجنبية ما ويصير ذلك من عناصر قوته!.. وما يدور في لبنان ليس استثنائياً ويشبه للأسف ما يدور في أقطار عربية أخرى بدرجات متفاوتة! في فرنسا لا يتم احراق مبنى جريدة (لو كانار انشونيه) مثلاً التي تكشف المزيد من الفضائح (الصغيرة قياساً بلبنان) ولا مباني محطات التلفزيونات التي تذيع ذلك ولا ينزل الاتباع إلى الشوارع على دراجات نارية ويطلقون الرصاص لترويع الناس، بل يتم عقاب من يثبت القضاء العادل فساده أو اتهامه للآخرين زوراً.

اريد كهربا وماء وصمتاً!

الشعب اللبناني تقشف كثيراً في أحلامه. لا يريد من (بطله) غير ان يعيد له الكهرباء ليل نهار ليتخلص من مافيا (المولدات) والماء إلى صنابير المياه ليتخلص من شاحنات صهاريج التزويد بالماء نصف الملوثة احياناً.. ويريد ان يجد من لا يرفضه في المستشفيات حين يحتضر ويريد ان يصمت المسؤولون ولا يحاضرون عن (الفضيلة) السياسية!!
لم يعد احد يصدق شيئاً من الخطب المجلجلة والاصابع المهددة..

المقاومة الحقيقية برفض اليأس!

في هذا المناخ المكهرب نجد اللبناني مصراً على استخراج ينابيع الفرح من صخور اليأس، وها هو لبنان يعلن عن عشرات المهرجانات الصيفية الفنية في مختلف مدنه الجميلة الرافضة لتحويلها إلى كبش فداء في محرقة حروب المنطقة ومنها مهرجانات بعلبك.
كان أهل بعلبك قد تظاهروا ضد السلاح المتفلت الذي يخلف ضحايا ثم يختبئ لدى (فئته) التي تحميه (كما في «طريق الجديدة» في بيروت ايضاً) وتلك حكايا تطول عن مجرمين آخرين في لبنان تحميهم (طائفتهم) من العقاب العادل. اعود إلى الإيجابي: ثمة مهرجانات صيفية في صور وجبيل وبيت الدين والبلمند.
وزحلة وسواها كثير.. وثمة لقاءات تشكيلية فنية ومؤتمرات اقتصادية والسؤال الكبير هو: هل سيترك المجرمون السريون (المعروفون جداً) لبنان يعيش صيفاً من الأمان يدر المال على فقراء الوطن ويشجع السائح العربي على الحضور؟ وحمى الله لبنان عاصمة الحرية العربية على الرغم من أنف كل شيء وأدامه واحة لعشاق العدالة والديمقراطية والحرية من امثالي والعدو لعصابات تحتمي بأحزاب تزعم العدالة وتترك اتباعها يعتدون على البيوت والحوانيت والارزاق.
هذه الخواطر كلها افترستني وانا في الممر مختبئة من الرصاص الحربي أو الاحتفالي (لا ادري) وحيدة ونصف خائفة!!
ولكنني سأظل أعود إلى الوطن وليكن ما يكون!

لبنان: جبهة «المقاومة»… ولكن ضد اليأس!!

غادة السمان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية