بيروت ـ «القدس العربي» ـ سعد الياس: إذا كان تفاهم معراب بين القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر أوصل العماد ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية فماذا يعني سقوط هذا التفاهم؟ هل يؤدي إلى تأخير تأليف الحكومة بعد نكث التيار بتعهداته بتوزيع المقاعد الوزارية مناصفة بينه وبين القوات؟ هل يؤدي إلى إحراج القوات اللبنانية فإخراجها من الحكومة؟ وهل لدى سمير جعجع أي توجّه للذهاب إلى المعارضة وترك الرئيس المكلف سعد الحريري وحيداً يصارع حزب الله وقوى 8 آذار؟
الواقع أن كل محاولات إنعاش اتفاق معراب ومن ضمنها زيارتان قام بهما سمير جعجع إلى رئيس الجمهورية ميشال عون لم تنفع في تصحيح المسار، علماً أن جعجع بادر فور لقائه عون إلى الاتصال برئيس التيار الوزير جبران باسيل وأوفد إليه وزير الإعلام ملحم الرياشي لتكريس الهدنة الإعلامية والسياسية، واتفق على لقاء ثان بعد عودة باسيل من إجازة في أوروبا إلا أن رئيس التيار ظهر على شاشة «MTV» وأطلق مواقف فهمت منها القوات أن باسيل ليس في وارد الالتزام بمضمون الاتفاق بحجة أن القوات لم تكن داعمة للعهد، ما جعل نائب رئيس القوات النائب جورج عدوان يرفض اللغة الفوقية التي ينطق بها باسيل ويوضح أن القوات كانت داعمة للعهد لكنها لم تكن داعمة للصفقات. وأكد عدوان «أن النقطة الأساسية في التفاهم كانت أن تمضي القوات بانتخاب الرئيس ميشال عون وتبذل كل جهدها لإيصاله مقابل حصولها على شراكة كاملة بهذا العهد» مضيفاً «في ما يخص إيصال عون للرئاسة (نحنا عملنا إلي علينا بشكل أكثر من كامل) ولكن الغير لا يريد أن يلتزم بواجباته التي نص عليها التفاهم».
ولم يقتصر ردّ القوات على النائب عدوان، بل إن رئيس جهاز الإعلام في القوات شارل جبور رأى «أن كل الأمور كانت على ما يرام إلى حين تقدّم مشروع رئاسة جبران باسيل على مشروع إنجاح العهد وتكريس فلسفة الرئيس التمثيلي، وليس الرئيس القوي، أي الرئيس القوي بتمثيله وليس بعضلاته، فاختلط الحابل بالنابل وأصبحت الأولوية إضعاف وتحجيم كل مَن يقف حائلاً دون وصول باسيل إلى القصر الجمهوري».
ولفت إلى «فارق بين نظرة القوات إلى تفاهم معراب ونظرة باسيل، أي الفارق بين نظرة استراتيجية ترتبط برؤية مثلّثة الأبعاد للبلد: سيادة، ميثاق، إصلاح، وتنفِّذ رؤيتها بسلاسة لا استفزاز، بمعنى أنّ استعادة الحقوق من أجل إحياء الميثاق لا تستدعي إدخال البلد في حروب أهلية، والمسألة تتمّ بالتراكم لا بالقوة، وبين رؤية سلطوية بامتياز وفي حالة عدائية مع معظم القوى السياسية، وإمكانية التقاطع معها قائمة في حالة واحدة هي دعم مشروعها السلطوي، والتعارض معها وارد في كل لحظة يتمّ فيها الابتعاد عن دعم هذا المشروع».
وقال «كان اعتقاد باسيل أنه في ظلّ رئاسة عون وقانون الانتخاب يستطيع أن يكرّس أحاديّة مسيحية، ففاجأته الانتخابات النيابية بما لم يكن يتوقع، وتبعاً لنتائج الانتخابات بدأ حربه المزدوجة على القوات إن بتشويه صورتها أو تطويقها وتحجيمها تحقيقاً للأحادية في استحقاق 2022. فهو لا يريد شراكة استراتيجية، ولا تنظيم العلاقة تحت العنوان الاستراتيجي، وإلّا كان طبّق ما اتفق عليه في التفاهم لجهة التنسيق في كل شاردة وواردة، الأمر الذي لم يحصل، لأنه اعتباراً من لحظة تشكيل الحكومة الحالية بدأ يعدّ العدّة للتخلّص من القوات».
وهذه هي المرة الأولى التي تجاهر فيها القوات علناً أن لدى باسيل مخططاً رئاسياً تتعارض أجندته مع أجندة العهد وتتعارض مع الاستقرار ومع التحديات المطلوبة لتأليف الحكومة.
وفي إطار الرد على رئيس التيار، سرّبت القوات مقتطفات من تفاهم معراب تشير إلى ان «القوات» و»التيار» يتوزعان مناصفة المقاعد الوزارية المخصصة للمسيحيين في حكومات العهد كافة، وتلفت إلى ان الحقائب السيادية هي وزارات: الخارجية والدفاع والمالية والداخلية. وبيّنت أنّ «الإتفاق ينصّ على توزيع مراكز الفئة الأولى في الإدارات الرسمية والمؤسسة العامة ومجالس الإدارة العائدة للمسيحيين، بالاتفاق بين الجانبين وفقًا لمعياري الكفاءة والنزاهة» منوّهةً إلى أنّ «الصفحة الرابعة من الاتفاق، تشير إلى أنّ الجانبين اتّفقا على أن تكون كتلتاهما النيابيتان مؤيدتين لرئيس الجمهورية، وعاملتين على إنجاح عهده، من خلال مكافحة الفساد، تحقيق الإصلاح المنشود، تحقيق المصالحة الوطنية، تعزيز الدور المسيحي الوطني وصلاحيات رئيس الجمهورية».
ماذا بعد سقوط اتفاق معراب الذي أسّس لعودة التوازن والشراكة المسيحية الإسلامية على الصعيد الوطني؟
يبدو أن الساحة اللبنانية بصدد العودة إلى حالة الاصطفاف بين جبهتين رئيسيتين: الأولى تيار المستقبل وحزب القوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي، والثانية حزب الله وحركة أمل وتيار المردة وسنّة 8 آذار وربما التيار الوطني الذي لا تمرّ علاقته بتلك القوى بأحسن حالاتها حيث الاشتباك قائم بين باسيل وكل من الرئيس نبيه بري ورئيس تيار المردة سليمان فرنجية الذي يتطلّع بدوره إلى الرئاسة الأولى مثله مثله باسيل وجعجع وكل من جعجع وفرنجية وبعض حلفائهما يسعيان لتعطيل خلافة باسيل للعماد عون في الرئاسة، ويسعى الرئيس الحريري من خلال مهادنته رئيس الجمهورية إلى عدم ارتماء التيار الوطني الحر مجدداً في أحضان حزب الله.
أما التوازن المسيحي الإسلامي على المستوى الوطني الذي عانى منه المسيحيون قبل اتفاق معراب فهو قد يشهد خللاً جديداً على مستوى التوازن التمثيلي بين الرئاسات الثلاث وعلى مستوى الشراكة في مجلس النواب وعلى مستوى التعيينات.
11TAG