لبنان فتح ذراعيه للنازحين السوريين رغم التحذيرات من خطورة أعدادهم على ديموغرافيته

حجم الخط
0

بيروت – «القدس العربي» : أدى إندلاع الصراع في سوريا عام 2011 إلى تدفق أعداد كبيرة من اللاجئين السوريين إلى لبنان، وبتاريخ 31 أيار/مايو عام 2014، وصل عدد النازحين السوريين في لبنان إلى 37٪ من إجمالي العدد في مختلف أنحاء المنطقة حيث كان يستضيف ما مجموعه 1.4 مليون نازح سوري. وقد عمدت الحكومة اللبنانية في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2013، بدعم من البنك الدولي والأمم المتحدة، لاعداد «خريطة طريق للتدخلات ذات الأولوية التي من شأنها تحقيق الإستقرار نتيجة النزاع السوري». وتضمنت خريطة الطريق مجموعة أولية من التدخلات ذات الأولوية الهادفة إلى المساهمة نوعاً وكماً في التخفيف من تأثير الأزمة السورية على لبنان وفي تنظيم موضوع النزوح الذي فشلت معه تجربة اقامة مخيمات على الحدود السورية اللبنانية، فبقي النازحون منتشرين على كامل الأراضي اللبنانية من الجنوب الى الشمال فالبقاع مروراً ببيروت وجبل لبنان.
ومنذ بدء الصراع في سوريا وبدء تدفق أعداد كبيرة من النازحين السوريين في اتجاه لبنان، بدأت عملية استقبال هؤلاء النازحين في القرى والبلدات اللبنانية على اختلافها ولاسيما في عرسال وعكار والبقاع الأوسط بإعتبارهم هاربين من ظلم النظام السوري وآلة القتل والتدمير. وبدا فريق 14 آذار أكثر المتحمسين لاستضافة النازحين وإغاثتهم انطلاقاً من خصومة هذا الفريق مع نظام بشار الأسد ودعمه المعارضة السورية.

بين طلب اقفال الحدود بوجه

النازحين وتقديم التسهيلات لهم

أما الحكومة اللبنانية التي كان يرأسها الرئيس نجيب ميقاتي فبدت منقسمة على نفسها حيث أن فريق التيار الوطني الحر برئاسة العماد ميشال عون بدأ يطلق التحذيرات يومها من خطورة تزايد عدد النازحين على النسيج اللبناني ووصل به الأمر في إحدى جلسات مجلس الوزراء الى طلب اقفال الحدود. في وقت كان الفريق الشيعي يلتزم الصمت ويقف ضمناً خلف التيار العوني وإن كان يعتبر في بعض الأحيان أن السوريين فتحوا أبوابهم للبنانيين خلال حرب تموز/يوليو 2006 ولا يجوز سد الأبواب اللبنانية في وجههم حالياً. وفي المقابل، وقف فريق النائب وليد جنبلاط بقوة ضد محاولات اقفال الحدود وإتهم الواقفين وراء هذا الطرح بـ «العنصرية». أما الرئيس ميقاتي وفريقه فكان غير قادر تحت وطأة انتمائه الى طرابلس وتحت ضغط تيار المستقبل و14 آذار إلا تقديم كل التسهيلات للنازحين.
وبقيت الأمور على حالها من التعاطي الايجابي مع قضية النازحين حتى ما بعد تشكيل حكومة الرئيس تمام سلام. إلا أن مشاركة حزب الله في القتال في سوريا الى جانب الأسد بذريعة الدفاع عن القرى الشيعية، إستدعت السيارات المفخخة الى الضاحية الجنوبية وارتفاع حدة التوتر المذهبي بين السنّة والشيعة. وأخذت العلاقات تتوتر مع النازحين السوريين من جانب شريحة من اللبنانيين وبدأ التضييق على قسم من النازحين المتواجدين في قلب الضاحية معقل حزب الله. لكن الأمور بقيت تحت السيطرة الى حين اندلاع معارك عرسال بين عناصر «جبهة النصرة « وتنظيم «داعش» من جهة والجيش اللبناني من جهة أخرى الذي وقع عدد من جنوده ومن قوى الأمن الداخلي رهائن في قبضة المسلحين.
عند هذا الحد ، إنقلب المشهد اللبناني ضد النازحين السوريين في عدد كبير من المناطق اللبنانية بما فيها المسيحية والدرزية وحتماً الشيعية التي كانت تتحرّك غضباً كلما تمّ ذبح جندي شيعي. وانطلاقاً من هذه الوقائع يمكن تسجيل إعتداءات وممارسات حصلت بحق النازحين كالآتي :
بعد ساعات على إعلان تنظيم «الدولة الإسلاميّة» ذبح العسكري في الجيش اللبناني عباس مدلج، المتحدّر من منطقة بعلبك، حصلت اعتداءات على نازحين سوريين في المنطقة، وأقدم عدد من الشبان في بريتال على حرق خيم اللاجئين السوريين وتمّ تبرير الامر بأنه إنتقاماً لمدلج. كما تمّ ضرب عدد من العمال السوريين على طريق المطار، وقيل إن من يقف وراء هذه الاعتداءات هم أفراد ولا علاقة للأحزاب الشيعية بهم. وجرى تدوين هذه الممارسات من قبل منظمة «هيومن رايتس ووتش».
في بيروت رفعت لافتات تخيّر اللاجئين السوريين بين الرحيل أو التعرض للقتل والتعذيب. وفي منطقة الأشرفية استفاق الأهالي قبل أيام على شعارات كتبت على الجدران فيها «إعرف عدوّك…السوري عدوك» في استعادة لشعارات كتبت في مرحلة الحرب الأهلية.
رفع عدد كبير من البلديات الرسمية وخصوصاً في بلدات مسيحية في محافظة جبل لبنان لافتات تدعو العمال الأجانب وضمناً السوريين الى عدم التجول بين الساعة الثامنة مساء والساعة السادسة صباحاً تحت طائلة المسؤولية.
مداهمات للجيش في عرسال وعدد من المناطق في جزين وصيدا والسهيلة وتنورين وبسكنتا أسفرت عن توقيف عدد من السوريين المشتبه بإنتمائهم الى تنظيمات متطرفة.
وقبل وخلال هذه التصرفات التي نشأت بعد معارك عرسال يمكن تسجيل سلسلة من التدابير الرسمية تجاه النازحين السوريين إضافة الى عدد من الممارسات الفردية الشاذة التي سبقت تفاقم التوتر ومنها:
إعطاء الأولوية من قبل وزارة التربية للتسجيل في المدارس الرسمية للطلاب اللبنانيين وبعدها يأتي دور الطلاب السوريين.
منع السوريين من قبل وزارة العمل من مزاولة أعمال ومهن حرة بإعتبارها حكراً على اللبنانيين واقتصار أعمالهم على قطاع البناء والزراعة مع تسجيل خروقات مثل فتح بعض السوريين محلات تجارية في البقاع أو ممارسة مهنة الطب في بعض المستوصفات.
طلب وزارة الداخلية والبلديات من النازحين السوريين عدم القيام بأي تجمعات سياسية، وعدم القيام بأي لقاء علني له أبعاد سياسية قد يؤثر بأي شكل من الأشكال على الأمن والاستقرار في لبنان، أو على علاقة النازحين السوريين بالمواطنين اللبنانيين، وذلك إنطلاقاً من موقف الحكومة اللبنانية المتمسك بتحييد لبنان عن الصراع الدائر في سوريا، وحرصاً على سلامة العلاقة بين اللبنانيين والنازحين السوريين. مع تأكيد الوزارة حرية الخيار السياسي للنازحين بما لا يتعارض مع قواعد الأمن الوطني اللبناني.
 إسقاط وزارة الشؤون الاجتماعية صفة النازح عن كل سوري يغادر لبنان الى سوريا وإتخاذ قرار بعدم إدخال أي سوري يأتي الى البلد من منطقة آمنة في سوريا، والتدقيق في موضوع المقيمين الذين يحملون بطاقة نازح دون انطباق المعايير القانونية عليهم.
نشر فيديوهات تظهر تعاملاً عنصرياً مع أطفال سوريين أولها كان يظهر قيام ولد لبناني عمره 3 سنوات بتحريض من والده على ضرب فتى سوري بالعصا، والثاني أظهر قيام شاب لبناني في النبطية في جنوب لبنان بتهديد ثلاثة أطفال سوريين لم يتجاوز عمر أكبرهم الـ 8 سنوات، بالذبح وقطع الأصابع كما تفعل «داعش» بعدما كانت الوالدة السورية عهدت اليه الاهتمام بأطفالها خلال غيابها. وقد قوبلت هذه الأفلام بسخط كبير على مواقع التواصل الاجتماعي وتناولتها وسائل الإعلام في نشراتها الاخبارية ما أدى الى ملاحقة وتوقيف القائمين بها.
استغلال بعض النازحات السوريات وحاجة عائلاتهن الى المال لتأمين لقمة العيش من خلال استخدامهن في الترويج للدعارة مقابل مبالغ مالية زهيدة.

اعتقالات وإجراءات تعسفية

وإزاء هذه الممارسات والتدابير الرسمية، أطلقت مجموعة نشطاء سوريين في لبنان «نداءً إنسانياً هاماً وعاجلاً» توجهت فيه إلى منظمات المجتمع المدني والمفوضية العليا لشؤون اللاجئين ومجلس الأمن الدولي، والدول الراعيــة للديمـــوقراطية والحريات، والائتلاف الوطـني الســـوري لقوى الثورة والمعارضة.
وتحدث الناشطون عن خمس نقاط حول المعاملة التي يتلقاها السوريون في لبنان وأهمها:
1- لا تعتبر الحكومة اللبنانية السوريين في لبنان لاجئين ونازحين وفق قوانينهم الحكومية الحالية وبالتالي لم يستفد اللاجئون بهروبهم من سوريا بشيء سوى الخلاص من عمليات القتل.
2- اللاجئون السوريون في لبنان يتعرضون للإعتقال تحت حجج وذرائع تخالف المبادىء الدولية المنصوص عليها وفق قوانين حماية اللاجئين الدولية.
3- يمنع على اللاجئين السوريين في لبنان ممارسة أي عمل.
4- لا يستطيع اللاجئون السوريون الانتقال بين منطقة وأخرى خوفاً من الاعتقال وهم يعيشون أسوأ الأوضاع الإنسانية.
5- القادمون أو المغادرون من السوريين عبر مطار بيروت أو ميناء طرابلس يتعرضون لمعاملة سيئة وللإذلال وللاضطهاد النفسي ولإجراءات تحقيق قاسية تشبه التمييز العنصري، وكأن السوري أصبح العامل الأساسي للإرهاب الدولي!.
وختم الناشطون نداءهم إلى المنظمات المعنية بمناشدتها لاتخاذ إجراءات تخفف عنهم وطأة المعاملة السيئة في لبنان، واختصروا تلك الإجراءات «بثلاثة خيارات أولها الضغط على الحكومة اللبنانية لمعاملة السوريين وفق المبادىء الدولية لحقوق اللاجئين، وثانيها الإسراع بإطلاق ورشة عمليات لنقل السوريين الراغبين بمغادرة لبنان إلى إحدى دول الجوار الأخرى (تركيا -الأردن) أو أي دولة تسمح باستقبالهم، وثالث الخيارات تجسد في إقامة مناطق عازلة في الداخل السوري، حيث يتمكن السوريون في لبنان من الدخول إليها».

الظلم لا يعالج بالظلم

غير أن صورة وضع النازحين السوريين في لبنان ليست سوداوية بالكامل بحسب ناشطين لبنانيين، الذين يعتبرون أن لبنان رغم مساحته الصغيرة استقبل القسم الأكبر من النازحين السوريين وفتح ذراعيه لهم، واستقبلهم اللبنانيون في بيوتهم وقراهم رغم أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية الصعبة، وهم باتوا يرون المساعدات تأتي من المنظمات الدولية الى السوريين فيما هم لا تصلهم أي مساعدة.
ويقول هؤلاء النشطاء إن بعض السوريين يقومون بأعمال سرقة وخطف وقتل بحق اللبنانيين، ونادراً ما تتم ردات فعل انتقامية وإذا حصلت يجري التدخل فوراً لمنع امتدادها كما حصل اخيراً في منطقة العبادية في عاليه عندما أقدم سوريان على قتل شاب درزي وجرح أمه حيث سارع الحزب التقدمي الاشتراكي الى تطويق أي تداعيات. ويذكر هؤلاء الناشطون كيف تدخل النائب وليد جنبلاط مع أهالي عين عطا وراشيا لعدم التعرض للنازحين السوريين وعدم مقابلة خطف جنود دروز لدى «جبهة النصرة» و»داعش» بخطف مضاد لنازحين وقوله «إننا لا نستطيع معالجة الظلم بظلم، فهذا ليس معقولاً، وأتذكّر ذاك اليوم الأسود عندما اغتال النظام السوري في 16 اذار/مارس 77 كمال جنبلاط، حيث جرت شائعات وقام الجهّال في بعض الأوساط الدرزية بقتل مئات من الأبرياء المسيحيين الآمنين في الجبل»، مضيفاً «لا نريد ان نقع في نفس الفخ اليوم».
وكما النائب جنبلاط كذلك الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله الذي قال في كلمته المتلفزة الأخيرة «لا يجوز المس بأي نازح ولا يجوز تحميل النازحين السوريين مسؤولية جرائم الارهابيين».
كذلك، فإن جمعيات في المجتمع المدني اللبناني تؤكد مراراً ادانتها أي ممارسات عنصرية وبغيضة بحق السوريين ليس فقط لتناقضها مع شرعة حقوق الإنسان بل أيضاً لتعارضها مع قوانين لبنانية لا تبيح التعدي على أي إنسان سواء كان مقيماً أو أجنبياً أو لاجئاً. ولا تنفك هذه الجمعيات تدافع عن حقوق اللاجئين وإغاثتهم وطموحهم الى الحرية والعدالة وتوفير الحماية لهم من الترحيل القسري الى بلد سيتعرضون فيه لخطر الاضطهاد. وتدعو أجهزة الدولة اللبنانية الى متابعة حوادث الاعتداء على السوريين وملاحقة المتورطين بها.
يبقى أن مسألة خطف العسكريين اللبنانيين ستبقى تؤجج مشاعر العديد من اللبنانيين ضد النازحين السوريين طالما لم تجد هذه القضية طريقها الى الحل بعد، علماً أن اهالي العسكريين الذين يلجأون الى قطع طرقات رئيسية يصبون ايضاً جام غضبهم على الحكومة ورئيسها تمام سلام ووزرائها مطالبين إياهم بالاسراع في المقايضة بين العسكريين وسجناء إسلاميين في روميه.

سعد الياس وناديا الياس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية