لبنان في درجة الغليان: المقاومة بسلاح الجماليات!

حسناً، لن أكابر وأقول إن لبنان بألف خير ولم ينكب مؤخراً بغير انفجارات عدة في رسائل صوتية همجية مكتوبة بالدم على أجساد الأبرياء!!
لبنان مخطوف وممنوع من انتخاب رئيس للجمهورية منذ أعوام وأترك للراسخين في السياسة شرح أسباب ذلك وأرصد المقاومة الأخرى في لبنان. المقاومة ضد التشاؤم (المبرر) وتتجسد في إعلان المبدعين لسلاح الجماليات رغم تمدد (السيرك العالمي للشهوات السياسية) ومحاولة تغلغله في لبنان، والرفض العام لاستعمال لبنان كورقة مقايضة.
كل ما في لبنان يغلي…
في مرجل السياسة غليان وترقص حول المرجل ساحرات شكسبيريات وسحرة وحواة من عصرنا ينفثون الأفاعي مع كل كلمة ويخرجون الأخطبوط من العمامات وقبعات (السموكن) الغربية متعددة الجنسيات بدلاً من الأرنب من قبعة ساحر السيرك! وإلى جانب الغليان في مرجل الشر المصمم على إيداع لبنان في غرفة «الكوما» والغيبوبة ثمة مقاومة بالحياة والمحبة تغلي بالابداع حتى ليدهش المرء من قدرة هذا الوطن الصغير على مقاومة الزلازل والبروق والرعود بقمر الإبداع.. وشموس العطاء.

المرأة اللبنانية ودعم العطاء

نحن في صيف مثقل بالوعود بمهرجانات فنية في المناطق اللبنانية كلها.
تحقق بعضها في ربيع نصف هادئ شاهدنا خلاله «رواية بيروت» العــــرض الموسيقي الضخم ومهرجان «ربيع بيروت» لذكرى اغتــــيال سمير قصير و«مهرجـــان الربــيع» وســـواهما كثير.
المهرجانات ليست وقفاً على بيروت بل تمتد إلى «بيت الدين» في مهرجاناتها الدولية السنوية، وبعلبك في مهرجانها الشهير الذي احتضن منذ عقود أشهر الأسماء العربية والغربية: فيروز ـ صباح ـ جان ميشال جار ـ كركلا ـ وسواهم كثيرون.
وهنالك أيضاً مهرجان «ليالي أرز تنورين» و»مهرجانات بيبلوس – جبيل» التي يفترض انها عاصمة السياحة العربية لعام 2016. وهي جديرة بذلك اذا لم يحدث (الشغب) العنفي السنوي الصيفي/الخريفي على الموسم السياحي. شغب يزيد في إفقار الوطن فنياً وإفقار الناس مادياً، فالسياحة «بترول» لبنان، والفنادق ليست «أنصاباً» خاصة بالهدم والتكسير بل يعتاش منها مئات العاملين فيها كما مرافق الرحلات السياحية للغربيين في الوطن وبعض تلك الرحلات صارت للأسف تختار اسرائيل لأن الوضع الأمني فيها افضل من عندنا في لبنان وسوريا والعراق وليبيا إلى آخره. والناس لا تسامح من يقطع رزقها.
ويلفتنا ان المرأة تلعب دور المحرك للمقاومة بالفرح ضد «صناعة الارامل» وتنشيط الموت العبثي والحزن، وتومض في رأسنا أسماء كثيرة تقف خلف ذلك امثــــال: لمى تمـــام سلام ـ ليلى الصلح حمادة ـ بهية الحريري ـ نورا شرباتي جنبلاط ـ زلفا بويز ـ ندى السردوك ـ رندة الاسمر ـ جيزيل خوري ـ نائلة كتانة دي فريج ـ لطيفة اللقيس ـ مادلين حرب ـ وسواهن. كأن المرأة في لبنان تحاول صنع الفرح والسلام في مناخ (حربي) على وشك الانفجار في كل لحظة.

فتش عن المرأة خلف الإبداع!

في حقل المسرح ثمة غليان إبداعي ايضاً. مسرحية «عنبرة» حظيت باقبال كبير وفيه تصور المخرجة علية الخالدي حكاية جدتها البيروتية عنبرة سلام الخالدي التي ادهشني يوم وصلت من دمشق إلى بيروت لمتابعة دراستي في جامعتها الامريكية ان عنبرة ترجمت الالياذة والاوديسة و»فيرجيل» إلى اللغة العربية إلى جانب نضالها لتعليم المرأة.
والابداعات تأتي إلى لبنان، ومرت به الفرقة الاسكندرانية «مسار إجباري» في مسرح «مترو المدينة».
واستطاعت المرأة نقل الابداع المسرحي حتى إلى السجن! حيث قامت زينة دكاش بعرض مسرحي استثنائي في «سجن رومية» الشهير! هذا ناهيك عن عروض الازياء النسائية في اسبوع الموضة ولم يكن بينها اي ثياب مستوحاة من ازياء الميليشيات.

المقاومة في حقل الفن التشكيلي

لا تبخل بيروت على زائرها (وعلى نفسها) بالمعارض الفنية.. وسبق ان كتبت عن المعرض الفني الاستثنائي للفنان المبدع محمد الرواس. أما آسيا حبيقة مسابكي فعرضت في غاليري «شرفان» ـ انطلياس وفي غاليري ربيز عرض راشد بحصني. في غاليري «روشان» التقينا بأعمال مازن الرفاعي (وسط بيروت ـ الصيفي فيلاج) كما نورما الفرزلي. وفي «الجامعة الامريكية» أقيم معرض تكريمي للمعمارية الكبيرة زها حديد.
وأنا ذاهبة للتسوق في قلب بيروت مررت في «سوق الذهب» بمعرض عن الكبير كامل مروة مؤسس جريدة «الحياة» بمناسبة مرور نصف قرن على اغتياله.
نبيل ابو حمد كان قد عرض في بيروت/الجميزة/ تحت عنوان «ركام». هاني بعيون عرض قبلها في حرم الجامعة الامريكية «خطى ملونة». ميشال كنعان عرض في جامعة «البلمند». اندريه هوشار فتال في غاليري اليس مغبغب/الاشرفية. شانتال غريب في «غاليري آرت ليب» الجميزة/ومتحف سرسق (الاشرفية) قدم معرضين لعلي شري وفؤاد دباس.
وغليان ابداعي في كل حقل… غليان، إكراماً لحب الحياة لا تمجيداً للموت العبثي.
ويظل إطلاق أول متحف إلكتروني لـ»الفن التشكيلي اللبناني» خطوة عصرية.

أحلى فوضى بين الأحياء والأموات!

ما زال «شارع الحمرا» البيروتي يحتفظ بوهج خاص.. من زمان، كانت مقاهيه الملتقى لمبدعي لبنان والعالم العربي ممثلين باللاجئين الفكريين إلى واحة حريته النسبية.
وكلما مررت به في زيارة من زياراتي إلى بيروت أرى مقهى «الهورس شو» كما كان يومئذ وألتقي بأصدقاء الأمس كسليم اللوزي وغسان التويني وكامل مروة وياسر هواري ومحمود درويش وياسين رفاعية وملحم كرم ورياض طه ورفيق شرف ونهى سمارة وأنسي الحاج وسواهم لا يحصى وانا اتجه إلى المقهى مع غسان كنفاني وجميعهم رحل عن عالمنا!! ولكنهم ما زالوا أحياء في ذاكرتي وفي الذاكرة الجماعية حتى للجيل الشاب وبالتالي فان مهرجان «أحلى فوضى» صيانة للذاكرة ضد الفساد ومحاولات اغتيال روح لبنان.
وكل ما تقدم قطرة من مرجل الغليان الابداعي اللبناني في وطن ما زال على الرغم من كل شيء يحارب التشاؤم بالعطاء.. وفيه يلتقي الأحياء بالأموات في «أحلى فوضى» ويتحاورون…

 

لبنان في درجة الغليان: المقاومة بسلاح الجماليات!

غادة السمان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية