لبنان في عهدة الجنرال: أولويات السعودية بدلت في «دور الحريري» وخيار «العدوان الوقائي» بيد إسرائيل وإيران شغوفة بـ«الساحل»

قد تكون الرغبة في البحث عن انتصار سياسي استعراضي هي السبب وراء الاستعجال في قراءة خلفيات ثم تداعيات المشهد اللبناني المستجد على الأقل من جانب المعسكر المناصر للنظام السوري .
في القراءة السطحية للأحداث خصوصا في بعض ساحات الجوار اللبناني مثل عمان والقاهرة وأحيانا في بيروت نفسها، سارعت تحالفات دمشق للاحتفال برئاسة العماد ميشال عون لجمهورية لبنان على اعتبار ان المسألة تنطوي على انتصار معسكر على آخر. الرئيس السوري بشار الأسد صعد إلى السطح نفسه وهو يسارع للاتصال بحليفه القوي الذي أصبح رئيسا للوزراء الجنرال عون، فيما تدفق الإعلام السوري الرسمي في حالة تسحيج وتصفيق متسارعة على أساس ان ما حصل في لبنان مؤخرا هزيمة سياسية ساحقة للتيارات والمعسكرات المناهضة لنظام دمشق ولنظام طهران.
خلف الأحداث وبين نخبة من خبراء الشأن الاستراتيجي تبرز معلومات ومعطيات توحي بقراءة متباينة للموقف، الأمر الذي ينتهي باستنتاج له علاقة بعبثية المشاركة في الاحتفال خصوصا وان المنجز الإقليمي الذي انتهى برئاسة الجنرال عون سيبقى محليا بامتياز وقد لا ينعكس على الوضع الإقليمي بسبب رقابة إسرائيل وتركيا ومعهما روسيا لكل صغيرة وكبيرة تحصل في حوض المتوسط.
هنا حصريا يبدو ان انتقال الرئيس سعد الحريري المفاجئ قبل أسابيع لصالح خيار الجنرال عون لم يكن محصلة فقط لما سمي إعلاميا بسوء التفاهمات وتبدل التحالفات بينه وبين المملكة العربية السعودية تحديدا بقدر ما كان بصورة دقيقة نتيجة لعملية تسوية سياسية داخلية لها علاقة بالحالة اللبنانية نفسها لمواجهة الاستعصاء الوطني أكثر مما لها علاقة بالمسار الإقليمي.
السعودية هنا لم تغفل، كما يروج البعض، التداعيات المحتملة للمفاجأة التي فجرها الرئيس الحريري، بل يمكن القول انها سمحت بها ولم تستدرك وامتنعت عن مقاومتها لأن لديها برنامج أولويات مختلف تماما له علاقة مرة بتطورات المشهد في اليمن، ومرة بالأجندة المالية والاقتصادية.
الكاهل السعودي يحمل اليوم الكثير من الأثقال، هذا لم يعد سرا، ولم يعد سرا في المقابل ان أولويات الرياض قارنت ما بين العبء الناتج عن استمرار حالة الاستعصاء في لبنان وبين حاجة اللبنانيين الملحة للعودة إلى هوية الدولة على الأقل وهي حالة استفاد منها دوما حزب الله قبل ودون غيره .
بالتالي قايض السعوديون لبنانيا بين تفرغهم للأولويات العميقة وبين تخففهم ولو قليلا من الأزمة اللبنانية عبر منح تيار المستقبل الذي يدعمونه فرصة الحركة المرنة، لأن أوساط الرياض تقول ان الأولوية بعد اليمن هي لبقاء وحدة دول الخليج وحماية البحرين من المد لشيعي ثم الاستعداد لمواجهة الضغط العنيف من الإدارة الأمريكية المقبلة بعد قانون «غاستا» الذي صوت فيه الديمقراطيون بمن فيهم هيلاري كلينتون ضد قرار الرئيس أوباما بخصوصه.
ما يقوله الخبراء في الغرف المغلقة ببساطة ان نظام الأولويات السعودي دفع تيار الحريري أو جناحه النافذ في تيار المستقبل لحركة مرنة انتهت مع بداية الأسبوع الماضي بتولي الجنرال عون الرئاسة. في الوقت الذي تتحدث فيه أوساط السعودية نفسها عن رئيس لجمهورية لبنان لا يمكنه احداث فارق كبير لان الصلاحيات التنفيذية والأساسية بيد الحكومة السنية. السعوديون يقولون في دوائرهم المغلقة ان التخلي عن جناح سعد الحريري كان تكتيكيا وبسبب نظام الأولويات سالف الذكر.
وإذا صدق مثل هذا الطرح ستظهر الرياض عندما يصل لبنان إلى مرحلة تشكيل الحكومة ذات الصلاحيات الواسعة مرونة في المقابل لدعم الحريري ومجموعته والتأكد بالنتيجة من ان الحضن الإيراني سيبقى بعيدا عن هذه المجموعة حتى وان حاول الرئيس عون وحزب الله السير في الاتجاه المعاكس.
وفقا لهذا المنطق يمكن اعتبار ما حصل في لبنان مؤخرا نتيجة طبيعية لعملية تسوية داخلية تأثرت بمناخات الإقليم وتوازنات القوى وأولويات المملكة العربية السعودية، على الأقل طرف خبير مثل الأردن يميل لقراءة المستجدات على هذا الأساس.
بطبيعة الحال خسرت السعودية بما حصل نفوذها في معادلة حكم لبنان أو بعض منه لصالح التفرغ لأولوياتها الوطنية على أمل ان يصمد التفاهم بين الحريري وعون ويؤسس مستقبلا حالة لبنانية داخلية منسجمة لا تتميز بالعداء للمصالح السعودية ويمكن التأثير عبرها في النفوذ الإيراني في هذا البلد الصغير.
قد تكون تلك النتيجة وان كانت الأهداف خارج نطاق البرمجة حيث يقلق حلفاء أساسيون للسعودية مثل الإمارات والأردن من سعي إيران للانتقال من مستوى التأثير والتعطيل والعرقلة للحياة السياسية في لبنان إلى مستوى الحكم والإدارة لأجهزة الدولة وهو أمر يعتقد ان ما يحول دونه كاستراتيجية سعودية وإماراتية بالمناسبة تلك العلاقات المتنامية بين ابو ظبي والرئيس نبيه بري حصريا خلف ستارة الأحداث.
إيران تريد موطئ قدم عبر لبنان على ساحل المتوسط تحديدا وهو خيار ترفضه بشدة دولة الاحتلال الإسرائيلي وستتصدى له ويبرر في النتيجة التقاربات السعودية التركية التي يعتبر إبعاد إيران عن المتوسط عبر لبنان على الأقل من أهدافها العميقة، بمعنى أن تصبح المقايضة انتاجية أكثر، حيث تمكين لبنان من معالجة الاستعصاء عبر تفاهمات بين الحريري وعون ومراقبة حلفاء طهران على الساحل اللبناني بالتوازي دون ان يمنع الأمر حصول نقطة تلاقي بين السعودية وإسرائيل وتركيا حول هدف له علاقة بإبعاد النفوذ الإيراني قدر الامكان عن الجزء المتوسط في سواحل لبنان.
وما دام الجنرال عون رئيسا بلا صلاحيات يدرك ان مزاولته باسم طائفته لمهام وظيفته أمر يدين فيه بالفضل لشريكه الجديد سعد الحريري الذي سيتمكن بدوره من إعادة تأهيل علاقاته مع النظام الرسمي العربي ومع السعودية بشكل خاص تحت شعار مقايضة معاكسة عنوانها دعمه ومساندته بدلا من تركه في أحضان حلفاء إيران في بلاده والمنطقة.
إسرائيل بدورها مهتمة بطبيعة الحال بكل التفاصيل اللبنانية ووجودها قوي في هضبة الجولان وجنوب لبنان وفي درعا جنوبي سوريا وفي اللحظة التي تنقض فيها طهران على لبنان بحكم الواقع الجديد يفترض ان لإسرائيل القدرة على التدخل والعدوان وهو أمر يدركه على الأرجح الجنرال عون الذي أكثر من الكلام المحلي بامتياز في خطبة تعميده للرئاسة متجاهلا الرسائل الإقليمية.
الخبراء المعنيون يعتقدون ان إسرائيل قد تشن حربا وقائية على حزب الله بعد رئاسة عون، لكن الأمر مع وجود بصمات تأثير لإيران في قطاع غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان وسوريا قد ينطوي على مجازفة كبرى.
عليه وبسبب تلك التقاطعات المعقدة في المثلث الإيراني الإسرائيلي السعودي المحيط بلبنان وأزمته الداخلية يمكن القول ان السيناريوهات ستبقى مفتوحة وان الحروب الإقليمية قد تصعد مجددا إذا ما حاول الجنرال عون الابتعاد ولو قليلا عن الانشغال بالملفات والقضايا المحلية فقط أو إذا تصرف بمؤسسة الرئاسة كممثل لحزب الله فقط بعيدا عن المؤسسية.
قد يحصل ذلك لأن روسيا ببساطة لا تعتبر نفسها حتى اللحظة معنية بالتفصيل اللبناني ولأن الملف اللبناني تجاهله الأمريكيون طوال سنوات لصالح فرنسا وألمانيا وتلك قصة أخرى.
ويحصل – وهذا الأهم- لأن التصور الدولي الذي تم تمريره للسعودية وغيرها يقضي بأن اكمال الحلقة «المؤسساتية» في لبنان حيث يوجد رئيس وحكومة وتفاهمات بين دول قد يسمح بالانتقال لخطوة ينتظرها الجميع وتطهى على نار هادئة جدا وعنوانها «تفكيك» المكون العسكري لحزب الله وتحوله لحزب سياسي وبتسوية مع طهران نفسها وتلك أيضا قصة ثالثة.

انتخاب الجنرال عون: عندما تلتقي مصالح الطبقة الاوليغارشية وتؤبد المحاصصة الطائفية

إبراهيم درويش
جاء انتخاب الجنرال ميشال عون (81 عاما) بعد ما يزيد من عامين على شغر منصب الرئاسة اللبنانية وتعيينه سعد الحريري لتشكيل الحكومة الجديدة ليغلق ملفا ظل يقلق الطبقة السياسية اللبنانية بسبب انسداد الأفق في الحياة اللبنانية واستقطابها بين الأطراف المشاركة في اللعبة – سنية وشيعية ومسيحية. ولم يكن عون رجل التوافق بين الجميع، فهو يظل بتاريخه شخصا انقساميا ووضع نفسه بعد عودته من المنفى الفرنسي في خدمة مشروع حزب الله في لبنان وتحالف الثامن من آذار. وهو مدين بعودته من فرنسا لمقتل أهم رئيس وزراء فيما بعد الحرب الأهلية، رفيق الحريري وبالضرورة مدين في انتخابه رئيسا لنجل الحريري، سعد الذي قبل أخيرا به ورضي بترشيحه رئيسا للبنان في لعبة توازنات أمريكية- فرنسية ، إيرانية ـ سعودية ونتيجة لحسابات خاصة تعود لكل طرف في المعادلة اللبنانية. وكانت زيارة ثامر السبهان المبعوث السعودي الخاص بداية للتعجيل في اجتماع مجلس النواب الذي اجتمع في جلسة فوضوية حصل فيها عون على 83 مقعدا من أصل 128 في البرلمان اللبناني. واكتملت الدورة بعد يومين عندما كلف عون الحريري بتشكيل الحكومة بعد فوزه بـ 112 مقعدا في الانتخابات التي جرت بالبرلمان. وتظل قصة عون في تجادلاتها من أمير حرب إلى قائد للجيش اللبناني ورئيس للوزراء في نهاية الحرب الأهلية قبل أن يقصفه السوريون ويجبروه على الخروج من لبنان ومن ثم عـــودته وتصـــالحــه مع أعدائه صورة عن السياسة اللبنـــانية في تعقيداتها وتوازناتها الطائفية والسياسية. ويظل أيضا صورة من الماضي، ففي 31 تشرين الأول (اكتوبر) بدأ العمل بالتوقيت الشتوي في لبنان وعادت الساعة للوراء ولكن المغردين على التويتر كتبوا ساخرين أن الزمن عاد 27 عاما والتقط عون من صفحات التاريخ.

بين السعودية وإيران

وعلق ديفيد غاردنر في صحيفة «فايننشال تايمز» (31/10/2016) على انتخاب عون بالقول إنه رجل انقسامي في بلد يضم 18 طائفة. ويرى فيه أتباعه «ديغول لبنان» أما نقاده فيتساءلون إن كان قادرا على تحريك ولو ست بنسات. وفي البعد الإقليمي تعاملت إيران مع انتخابه كانتصار جديد على منافستها السعودية، وهو ما بدا في التغطية الصحافية الموالية لحزب الله في لبنان والصحافة الإيرانية. فقد علق علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي على التطور بقوله «إنه نصر عظيم للمقاومة الإسلامية في لينان ولإيران وحلفائها». ولم تفت غاردنر المفارقة عندما قال إن عون ليس مدينا بفوزه لحزب الله فقط ولكن لسعد الحريري، الذي أعطى الجنرال صوته. ويقول غاردنر إن وصول حليف حزب الله إلى بعبدا يعبر عن تحول في السلطة من السعوديين. ويبدو أن تحرك الحريري مرتبط بتأثر مصالحه التجارية بالسعودية، خاصة «سعودي أوجيه» التي سجلت خسائر مالية. واستخدمت الرياض مسؤولا من الدرجة الثانية لإخبار اللبنانيين أن بلدهم أصبح موضوعا ثانويا لها. وأنها تخلت عن لبنان واعترفت بتحوله لإقطاعية حزب الله بسبب التوسع الإيراني في سوريا وتوقفت عن تزويد الجيش اللبناني بأسلحة فرنسية بمليارات الدولارات. وفي الوقت الحالي تفوقت إيران بالنقاط على السعودية. ويعلق بول سالم نائب مدير البحث والسياسة في معهد الشرق الأوسط بمقال نشرته «فورين أفيرز» (29/10/2016) على البعد الإقليمي في التطور الجديد، ويشير إلى حسابات الحريري مع السعودية التي يبدو أنها لم تعد متحمسة له أو أنها تخلت عن لبنان بسبب ما تواجهه من مشاكل داخلية والحرب التي تشنها في اليمن. وقال إن من الصعب التأكد من طبيعة وأسباب التحول السعودي تجاه لبنان. وإذا كانت الحسابات الداخلية هي السبب، فقرار الحريري جاء بسبب ما واجهه من تحديات داخلية سواء تراجع شعبية حركته في الانتخابات المحلية الأخيرة أو الأزمة المالية التي أثرت على دعمه لحركته، 14 آذار التي احدث قراره دعم عون شقا في داخلها. وعليه فعودة الحريري إلى المسرح السياسي وكرئيس للوزراء يمكن أن تساعد على استعادة قاعدته الشعبية التي خسرها منذ عام 2011.

شأن غير مهم

ومهما يكن فانتخاب «الجنرال» لا يهم المواطن العادي كثيرا فستظل النفايات دون جمع ولن يتوقف انقطاع التيار الكهربائي. فالرئيس ليس مسؤولا عن تسيير الأمور اليومية. وترى مجلة «إيكونوميست» (5/11/2016) أن تأخر انتخاب الرئيس طوال هذه المدة وبعد فشل 45 محاولة هو عرض لمظاهر القصور التي يعاني منها النظام السياسي اللبناني الذي أكد مؤتمر الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية (1975- 1990) على تحجره وعدم عدالته لمسلمي لبنان. وتعتقد المجلة أن هناك حاجة في لبنان لإعادة النظر في التوافقات السابقة. ففي ضوء التوازنات الجديدة وصعود حزب الله، وكيل إيران والمدعوم من سوريا فيما يعرف بمحور المقاومة وتحرير جنوب لبنان عام 2000 ومواجهته إسرائيل في عام 2006 وتأكيده على أحقيته في حمل سلاح «المقاومة» فإن الخريطة السياسية في هذا البلد الذي تم رسمها من ركام الدولة العثمانية في العشرينات من القرن الماضي بحاجة لإعادة النظر. ولا يخفى أن الوضعية الخاصة للموارنة مرتبطة بمحاولة الغرب جعل لبنان جيبا للمسيحيين وقام على فكرة المحاصصة الطائفية التي أعطتهم أغلبية المقاعد في البرلمان. فيما منح النظام السنة والشيعة حصصا متقاربة. ونظرا لحساسية المكون الديموغرافي فلم يجر في البلاد إحصاء رسمي منذ عام 1932. ويرى زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط في تصريحات للمجلة أن المسالة السكانية تظل حساسة. وقال إن «إحصاء جديدا سيلخبط النظام» وهو «موضوع حساس، وستؤدي نتائج الإحصاء الجديد إلى مشكلة، وستغضب بعض قطاعات المجتمع اللبناني. وهناك توترات قائمة يبين السنة والشيعة والمسيحيين. إحصاء هو أمر لا نريده الآن».

الأرقام مهمة

ولهذا السبب فعودة عون للسلطة بعد سنوات من التغير والتحول كرئيس تؤكد ما يطلق عليها «الشرعية اللبنانية» والتي أكدها مؤتمر الطائف عام 1989. وفي هذا السياق ترى المجلة في دراسة لها لتصرفات الناخب اللبناني وبناء على أرقام حصلت عليها وحللتها أهمية المسألة الديموغرافية في إعادة النظر بالنظام السياسي القائم. ودرست المجلة 3.2 مليون شخص يحق لهم الانتخاب بناء على توجهاتهم الدينية. وهي أرقام وضعتها وزارة الداخلية اللبنانية على موقعها في الإنترنت قبل أن تسحبها. وحسب الأرقام التي نشرت فإن الموارنة الذين كانوا غالبية السكان أصبحوا اليوم يشكلون نسبة 21٪ فيما تشير الأرقام وهي ليست نهائية إلى أن الشيعة يشكلون نسبة 29٪ والسنة 28٪. وترى المجلة أنه بسبب الهجرة وتراجع مستوى الولادة لدى المسيحيين فحصتهم من الأصوات ستكون قليلة من مجمل عدد السكان العام. وتصل نسبة المسيحيين المشاركين في الانتخابات بكل أطيافهم إلى 37٪ ومع ذلك فقد حصلوا على 69 مقعدا (منها 34 للموارنة) من 128 مقعدا في البرلمان فيما حصل السنة والشيعة على 27 مقعدا لكل طائفة، أما بقية المقاعد فخصصت للدروز والعلويين. وتقول المجلة «كلما اندلع العنف تتركز الجهود على التلاعب وليس تغيير التوازنات. فقد جرد اتفاق الطائف الرئيس الماروني من معظم سلطاته الأصلية وقوى من صلاحيات رئيس الوزراء ورئيس البرلمان». وتقول المجلة إن الدعامة التي يقوم عليها النظام السياسي اللبناني قد تنفضح أكثر خاصة أن السجلات حول أعمار الناخبين تشير إلى أن المسلمين أصبحوا يشكلون غالبية شباب البلاد. وعليه سيجد المسيحيون صعوبة في تبرير استمرار سيطرتهم على البرلمان. وسيجد عون نفسه أمام مهمة صعبة كي يعيد السلطات الرئاسية التي خسرها المسيحيون في مؤتمر الطائف.

صعوبة التغيير

وتعترف المجلة أن أي تغير سيكون صعبا. فأي صيغة ستقود إلى نزاع طائفي لا يريده أحد حسبما تقول رندا سليم من معهد الشرق الأوسط ومقره واشنطن «المسيحيون لهم نصف البرلمان والسنة لهم رئيس الوزراء وحزب الله منشغل في الحرب السورية ولهذا فلا أحد لديه اهتمام للتفاوض على الوضع القائم، لأنه سيقود للنزاع». وهناك مشكلة أخرى تلوح في الأفق نابعة من تداعيات الحرب الأهلية السورية.
فمنذ اندلاع العنف عام 2011 استقبل لبنان ما يزيد عن مليون لاجئ. ويشكلون اليوم ربع سكان البلاد، ومعظم هؤلاء سنة، وستؤدي أي محاولة لاستيعابهم وتطبيعهم كمواطنين لمشاكل تفكك التوازن الطائفي الذي قام عليه لبنان. وواجه لبنان المشكلة نفسها مع الفلسطينيين الذين لجأوا إليه بعد عام 1948 ويقدر عددهم بحوالي 450.000 نسمة. وبدلا من استيعابهم كمواطنين أصدرت الحكومة سلسلة من القوانين القمعية التي قيدت حريتهم للحصول على عمل بشكل أدى لظهور طبقة دنيا بات من السهل نمو التطرف فيها. وترى المجلة أن المسيحيين وإن كانوا محقين في خوفهم من إعادة التوازن في البلاد الذي سيجعلهم أقلية صغيرة في بلادهم إلا أن النظام البرلماني القائم على المبالغة في التمثيل لا يمكن الحفاظ عليه لعقد أو عقدين.

دولة عادية

وترى المجلة أن نظام المحاصصة الذي يعود إلى عام 1943 لم يعد قابلا للاستجابة للتغيرات الديموغرافية والأزمات التي يمر بها الشرق الأوسط. وتضيف أن توافقات الطائف لم يقصد منها أن تكون أبدية. وفي النهاية يظل انتخاب عون تعبيرا عن توافقات بين الطبقة الاوليغارشية المؤثرة في البلاد وتلاقي مصالحها حول أهمية إعادة الصبغة الدستورية للدولة وإن بشكل مؤقت. وكما يرى بول سالم فالسياسة ستظل متوترة ومنقسمة ولن يتحسن أداء الحكم. وهو وإن اعتبر وصول عون للرئاسة مثالا عن انتقال سلمي للسلطة التي ظلت شاغرة منذ نهاية فترة ميشال سليمان في أيار (مايو) 2014 ويعتبر أمرا نادرا في المنطقة حيث خلفت مسألة الخلافة في سوريا مئات الألوف من القتلى وملايين اللاجئين. وفي إطار آخر فإن ترفيع عون للرئاسة من قبل الطبقة الاوليغارشية سيؤبد النظام السياسي العاجز ولن يؤدي للتغيرات في طريقة الحكم التي يحن إليها شباب البلد والمواطنون غير الملتزمين بأحزاب وطوائف. ويضيف سالم أن لبنان يبقى مثالا مثيرا للإعجاب فيما يتعلق بالاستقرار النسبي والتعايش الطائفي والتشارك السياسي في منطقة مشتعلة بسبب الحرب الطائفية، إلا أن حكومته تظل قاصرة عن تحقيق المطلوب إن أخذنا بعين الإعتبار الامكانيات التي تتوفر لدى سكان البلاد.

 

لبنان في عهدة الجنرال: أولويات السعودية بدلت في «دور الحريري» وخيار «العدوان الوقائي» بيد إسرائيل وإيران شغوفة بـ«الساحل»

بسام البدارين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية