بيروت و«صبر أيوب»!: يشعر عاشق لبنان الحرية مثلي بإيقاع قلبه متوزعاً بين النشوة والهلع.. النشوة مثلاً كيوم اصطحبتني إحدى صديقاتي إلى «أربعاء أيوب»، والهلع من انفجار سيارة مفخخة هناك. ففي «أربعة أيوب» من كل عام يجتمع (البيارتة: أبناء بيروت) ويأكلون «المفتقة» ـ نوع من الحلوى ـ وسواها ويتوافدون إلى شاطئ البحر وبالذات «الرملة البيضاء» وهو تقليد شعبي متوارث من قائمة العادات البيروتية الجميلة.. وثمة رواية شبه أسطورية عن اغتسال «أيوب» عليه السلام في بحر بيروت. أيوب أمير الصابرين!
المهم أن (البيارتة) وجدوا مناسبة لرقص الدبكة الروحية للحنين وللانتماء ولإبداء مشاعر الالتصاق بالفرح والبهجة والتقاليد الشعبية.. وصبر أيوب!!
ليس «فلورياد» أمستردام ولكن…
أتابع ذكريات زيارتي البيروتية الأخيرة.. رافقت صديقة أخرى إلى «معرض الحدائق والزهور» ويقام في ميدان «سباق الخيل» بعدما توقفت بعض الخيول العربية الأصيلة في لبنان عن الركض صوب هدف تحرير فلسطين كما انتهى تقليد «سباق الخيل» هنا، وحل محلهما معرض لطيف وهو هذه السنة بعنوان «صباح الفل والياسمين». وكانت جولة ممتعة بين الزهور والورود وينصب الاهتمام على الفل والياسمين.. صحيح أنه يقل كثيراً عن معرض (الفلورياد) الشاسع للتيوليب لكنه يحملني إلى مسقط قلبي في دمشق وإلى «زقاق الياسمين» خلف الجامع الأموي الشامي حيث بيت جدتي.
وهكذا غادرت المعرض ثملة بعطور ألفتها منذ الطفولة، وتابعنا الجولة وفي مكان معين هبت علينا رائحة «القمامة».. تلال من القمامة لمّا يتم الاتفاق بعد على أسلوب التخلص منها، ويقال ان السبب يعود إلى صفقات مالية وأخرى مضادة من فريق آخر وريثما يتم الاتفاق حول تقاسم الأرباح من «تجارة القمامة» يظل حقل الألغام اللبناني يزخر بالروائح غير العطرة للجشع، والفساد: اللغم الأكبر!
إنما للصبر حدود
بيروت تنبض إبداعاً كما بقية المدن والمناطق اللبنانية.. مصرة على المهرجانات ولا تدري هل ستنفجر الألغام تحت أقدام الراقصين ام ان الموعد لما يتم تحديده من قبل المندوب السامي هنا والآخر هناك..
يرغب اللبناني في إلقاء القبض على مصيره وانتخاب رئيس للجمهورية على الأقل، لكنه ممنوع من ذلك فمن شروط الحياة في حقول الألغام ألا يكون المرء سيد مصيره وحرياته.
وهكذا حين رافقت صديقة بيروتية إلى حانوت في «شارع الحمرا» لأشتري بعض الهدايا المحلية للصديقات والجارات الفرنسيات، نظر إليّ البائع بريبة غير ودية لأنني لا أتحدث باللهجة «البيروتية» بل نصف الشامية ولاحظت صديقتي حذره فقالت له إنني «السيدة فلانة..» واسم زوجي جزء من «الأسر البيروتية السبع» وهنا تهلل وجهه ورحب بي، ولم يسعدني ذلك. خفت من ظاهرة إقصاء الآخر والنفور منه ولكن كردة فعل على زارعي الألغام.. ومحصلة ذلك في نظري الانقسام… وكدت أصرخ في وجه البائع: أنا لاجئة سورية من زمان! ولكن يبدو أنه للصبر حدود عند أهل بيروت، ومن يلومهم؟
ذاكرة الحرب وشهوة السلام
أتسكع في بيروت في دروب الماضي. ثمة جيل جديد لم يعرف أهوال الحرب الأهلية في بيروت ويهدد بها في كل لحظة كما يحلف الحمقى بالطلاق لأسباب تافهة..
ووجدتني أمام ذلك المبنى في (ساحة حرب السوديكو) يومئذ، حيث كان الفاصل بين حروب بيروت الشرقية والغربية.. ذلك المبنى الاصفر الذي كنا نمر به، صديقتي الراحلة فاطمة ناعورة السردوك وأنا في طريقنا إلى (الاسبوع العربي) مقر عملنا مقابل (متحف سرسق اليوم) وكان الرصاص ينهمر علينا والقذائف تنخر المبنى الأصفر، أمامنا.
توقفت بسيارتي أتأمل المبنى المثقوب بآثار الحروب وارتحت كثيراً لفكرة «ذاكرة بيروت» حيث سيتم تحويل «المبنى الأصفر» من شاهد على الحرب إلى معلم ثقافي يختزن «ذاكرة بيروت».
اتركوه كما في برلين
وتمنيت لو يُترك «المبنى الأصفر» على حاله وعدم إصلاحه.
وفي برلين شاهدت وأنا اتسكع، كنيسة نخرتها القنابل والمتفجرات ودمغها الرصاص هي «كايزر فيلهلم غيدا ستينيسكبرش» وقد عرت جراحها المسودة بهباب الحرائق لعيون المارة، وتركها أهل برلين على حالها كشاهد على بشاعة الحرب وشيدوا إلى جانبها كنيسة جديدة تحمل الاسم ذاته كأنها صرخة استغفار عن خطيئة الحرب.
وليتنا نتعلم من ذلك، نحن والذين يثابرون على زراعة لبنان لا بالفل والياسمين بل بالألغام.. ويحرمونه من انتخاب رئيس للجمهورية ويبالغون في تخويفه بلغة التهديد والوعيد وهز الاصابع في وجهه كالعصي من الديناميت.. والناس تصرخ بلا صوت: كفى. نريد ان نحيا..
غسان كنفاني و«الهدف»
منذ اليوم الذي سمعنا فيه أحد الأصوات ينادي بأن الطريق إلى فلسطين تمر من «جونية» المسيحية عرفت اننا ضيعنا الطريق… ومن يومها والطريق إلى فلسطين تمر من كل مكان إلا من الدرب المباشر. لقد أضعنا البوصلة.. وندفع غالياً ثمن زرع الألغام في لبنان بدلاً من زرعها في حقول عربدة اسرائيل في فلسطين المحتلة..
لقد اضعنا الهدف الحقيقي العروبي «الهدف».. لم يكن غسان كنفاني ـ ليدعو مجلته التي أصدرها باسم «الهدف» عن عبث.. بل كان يحذرنا منذ عقود مما نحن فيه اليوم.
غسان كنفاني مات من أجل وطنه فلسطين أما اليوم فقد قام الالتباس وزرع الألغام في المكان الخطأ.. والسطو على لقب «شهيد» بعدما أضعنا «بوصلة» الهدف.
ولكن لبنان مصر على رقصة الإبداع والعطاء والحرية حتى في حقل ألغام..
غادة السمان