يبدو أن التقرير العلني الذي نشرته أمس لجنة الخارجية والأمن، التي قامت بعمل جدير بكل ثناء وغير مسبوق في شموله، عن مفهوم الأمن وبناء القوة العسكرية للجيش الإسرائيلي، ظلم التقرير السري أن فيه الكثير من التلميحات إلى أن فريقا غير كبير ممن يعرفون التفاصيل الدقيقة في الجيش الإسرائيلي وحدهم يمكنهم أن يفهموا المقصود منها.
ولكن التقرير العلني موجه للمواطن البسيط، الذي يريد أن يحصل على جواب بسيط عن السؤال: هل الجيش الإسرائيلي مستعد للحرب صباح غد. الجواب الواضح يوجد على ما يبدو في التقرير السري المفصل، بينا التقرير العلني غامض ومعقد. وبعد قراءته الجواب هو: أي حرب تمسك بتلابيبنا.
يمكن أن يفهم من التقرير بأن خطة العمل متعددة السنين «جدعون» التي يفترض بها أن تعد الجيش للحرب المقبلة، هي قبل كل شيء اعتراف من الجيش الإسرائيلي بحقيقة أنه حتى «الجرف الصامد» بنى الجيش نفسه للحرب غير الصحيحة وعليه فإنه يستعد على نحو مغاير.
وعلى مدى التقرير العلني يحظى رئيس الأركان بالثناء لمجرد الاعتراف بحقيقة أنه يجب التغيير ويجب تحديد استراتيجية الجيش وبناء خطة تتناسب والتهديدات التي يتوقع الجيش أن يضطر إلى مواجهتها.
إن القرارات التي اتخذها رئيس الأركان حتى الآن، حسب التقرير، صحيحة في أساسها. غير أنه يتبين أن الجيش يلعب الشطرنج مع نفسه. هو الذي يقرر ما هي الاحتياجات الأمنية، ما هي التهديدات، وكيف يستعد لها.
أما القيادة السياسية فلا تشارك في ذلك. في أفضل الأحوال، تختم على ما هو قائم. غير أنه حين يحل يوم الاختبار، كما حصل في المواجهات الأخيرة، تتخذ القيادة السياسية قرارات استراتيجية تختلف عن تلك التي بنى الجيش نفسه لمواجهتها.
في حرب لبنان الثانية، مثلا، لم يكن الجيش الإسرائيلي مستعدا كما ينبغي للمواجهة الطويلة التي فرضتها عليه القيادة السياسية. كما أن الجيش لم يبنَ على نحو صحيح لتهديد «الجرف الصامد»، وبالتأكيد ليس للجداول الزمنية التي فرضت عليه.
من يتعهد بأن ما يفعله اليوم آيزنكوت سينجح في اختبار الاحتياجات والمتطلبات من القيادة السياسية في المواجهة التالية؟
لقد بدأت خطة «جدعون» تبنى قبل الهزة الكبرى التي وقعت في المنطقة في العقد الأخير: فالروس دخلوا مع قوة عسكرية إلى سورية وهم يعتزمون البقاء هناك على مدى الزمن. ونتيجة لذلك ينتصر الأسد في الحرب والإيرانيون يتثبتون في سورية.
عندما انطلقت «جدعون» على الدرب وتحدثت عن بناء قوات سحق مناورة، كانت النية تتجه للساحة اللبنانية. وقد بنيت الخطة وفقا لسيناريو ساحة مركزية واحدة وساحة فرعية، فلسطينية. أما اليوم فقد تنشأ جبهة مهمة أخرى ـ في سورية ـ قد تلزم الجيش الإسرائيلي بالعمل بكل قوته في عدة جبهات بالتوازي. فهل تستجيب «جدعون» لهذا السيناريو؟ يطرح التقرير هذا السؤال، والجواب يوجد على ما يبدو في قسمه السري. هل وصل الجيش الإسرائيلي إلى كتلة حرجة في الوسائل القتالية الأساس للحسم؟ التقرير العلني يلمح: يبدو أن لا.
يحتمل وضع ينعقد فيه الكابنت ويقرر استراتيجية ما. مثلا، التهديد المركزي هو طهران والنووي. في مثل هذا الوضع يمكن أخذ خطة «جدعون»، إخراج أجزاء منتقاة منها، والباقي صناعة تيارات ورق منه. تقول اللجنة إنه صحيح حتى اليوم ليس الكابنت هو من يوجه الجيش الإسرائيلي بل العكس. من يملي سيناريو الموقف والجواب هو الجيش. كما أن للجنة انتقادا على سيناريو موقف الجيش الإسرائيلي الذي هو غير واقعي برأيها: «يجب حساب المخططات العملياتية ضمن الوضع الحقيقي والفحص الواقعي للقدرات».
كما أن أعضاء اللجنة ليسوا واثقين من أنه برغم تميز الجيش في خطة «جدعون» فإن الجيش مستعد للحرب على نطاق واسع.
في لغز التقرير العلني تظهر جملة تخفي وراءها الكثير جدا من الصفحات في التقرير السري: «إن التسلح وبناء القوة يتمان بالوتيرة التي تفترضها الإمكانات ولا يستجيبان دوما للثغرات التي انكشفت للجنة في عملها في مجالات عديدة: يوجد عدد من المجالات الحرجة التي تتطلب توافقات في وتيرة بناء القوة، حتى على حساب قدرات أخرى»…. هذه الجملة تلمح بالصعوبة التي لا تسمح بالقول بيقين إن الجيش الإسرائيلي مستعد صباح غد للحرب كما ينبغي.
يديعوت 26/9/2017
اليكس فيشمان