لقد أثار القائد الاعلى لإيران علي خامنئي سخرية عندما استخف بدهاء الرئيس حسن روحاني في اجتماع كبير جرى في طهران. «الرئيس تحدث بشكل مطول عن الوضع الاقتصادي وعن الحاجة إلى عمل كذا وكذا. ولكن إلى من وجه قوله عندما قال يجب العمل، لقد وجهه لنفسه». هذا ما قاله خامنئي اثناء ضحك الحضور، ومن ضمنهم رئيس البرلمان علي لاريجاني وشقيقه رئيس الجهاز القضائي محمد صادق لاريجاني. خامنئي لم يتوقف عند هذا الحد، وقال إنه كان رئيسا لإيران عندما قسم الشعب إلى معسكرين، وكان يقصد أبو الحسن بني صدر الذي كان الرئيس الاول في عهد الخميني.
كان بني صدر رئيسا لفترة قصيرة، وهرب إلى باريس بعد اقالته. كانت الاشارة شفافة وواضحة للجميع. إذا لم يقم روحاني بالاستقامة في الخط مع القيادة المحافظة، فيحتمل أن يكون مصيره مثل مصير بني صدر.
إن من يشكك في هذه المقارنة يمكنه ايجاد الأدلة في المظاهرات التي حدثت في ذكرى يوم القدس، والتي صرخ فيها المتظاهرون أن «روحاني هو بني صدر». وفي أحد الاجتماعات العامة اضطر حراس روحاني إلى تهريبه لسيارته خشية اعتداء الجمهور عليه. وقبل ذلك أوضح خامنئي بأنه على خلفية «الحرب اللينة» التي يديرها الغرب ضد إيران وليس «ضد الحكومة» ـ يجب استخدام النار بشكل حر.
روحاني لم يبق صامتا. وهو في العادة لا يصمت. وردا على اقوال خامنئي أعلن بأن «شرعية القائد الاعلى يتم تحديدها من قبل الجمهور». أي أنه لا يتم اختياره من الله. هذا صاروخ حاد يضر بالموقف الذي يقول إن رفعة القائد الاعلى تعتمد على قوة الهية.
إن تبادل الاتهامات لم يولد الآن، الفشل الذريع لمرشح المحافظين للرئاسة، ابراهيم رئيسي، أمام فوز روحاني الساحق، الذي حصل على 75 في المئة من الاصوات، جعل المحافظين يعيدون حساباتهم، والمبادرة إلى الهجوم السياسي ضد الرئيس الذي قدم البضاعة التي وعد بها، ووقع على الاتفاق النووي، وهو ينشغل الآن بالتوقيع على صفقات تجارية مع القوى العظمى الغربية. يبدو أن إيران تحافظ على ارث قديم يجعل الرؤساء في الولاية الثانية يتحولون إلى هدف لاعداد الرئيس القادم. وهذا ما حدث في ولاية محمد خامنئي، الرئيس الاصلاحي الذي أنهى ولايته وهو ضعيف، وهكذا ايضا أنهى محمود احمدي نجاد ولايته، وهو الذي دخل إلى الصراع مع خامنئي.
إن انتقاد روحاني ليس له صلة بموقفه الايديولوجي أو تدينه. هناك اتهامان: فساد حكومته وسياسة «التدخل في العالم» التي يطمح إلى تحقيقها. هذه السياسة تضع حوله الاشتباه بأنه يحاول التقرب من الغرب، وخاصة الولايات المتحدة، والسماح للافكار الغربية والثقافة الغربية بالدخول إلى إيران. وهدم النظام من خلال تبني الديمقراطية الغربية.
المفارقة الإيرانية الأمريكية
«ألم يولد داعش في الاعوام 2013 ـ 2015، وهي الاعوام التي جرت فيها المفاوضات النووية مع الولايات المتحدة؟»، هكذا تساءلت افتتاحية صحيفة «كيهان» في بداية الشهر الحالي، وهي الصحيفة التي يقوم القائد الاعلى بتعيين محررها. هذا الادعاء معروف ليس فقط في إيران، وهو يقول إن الولايات المتحدة وإسرائيل وقفتا من وراء التنظيم كي تتمكنا من التدخل فيما يحدث في الشرق الأوسط. إلا أن هذا هو ادعاء ضد روحاني، الذي سقط في الشرك الأمريكي عندما أجرى المفاوضات حول السلاح النووي، في الوقت الذي يشجع فيه حلفاءه داعش. إن ذكر داعش ليس صدفيا بعد أن قام، لأول مرة، بتنفيذ عمليات في إيران في بداية الشهر، قتل فيها 12 شخصا على الأقل. خامنئي حاول تقليص حجم النجاح واعتبر أن العملية هي «مفرقعات»، لكن حرس الثورة قام على الفور باجراء فحص شامل من اجل معرفة أين الثغرة في الترتيبات الأمنية والاستخبارية التي مكنت من تنفيذ العملية.
هنا ايضا تكمن المفارقة الإيرانية ـ الأمريكية، والتي حسبها، الدولة التي كان يمكنها أن تكون حليفة طبيعية لواشنطن في الحرب ضد داعش، تعتبر دولة معادية يجب كبح تأثيرها في الشرق الأوسط، والعمل على تغيير النظام فيها، كما ألمح وزير الخارجية الأمريكي، ريكس تيلرسون، وبشكل أكثر تشددا، ايضا المسؤول عن التنسيق الاستخباري في مجلس الامن القومي، عزرا كوهين فوتيك. هذه التصريحات تذكر إيران بعملية «ايجاكس» التي بادرت فيها الـ سي.آي.ايه والاستخبارات البريطانية إلى اسقاط نظام محمد مصدق في العام 1953 وأعادت الشاه محمد رضا بهلوي إلى الحكم. هذا الحدث الذي نقش عميقا في الذاكرة الجماعية الإيرانية على أنه تدخل كولونيالي مباشر. وفي الوقت الذي تتحارب فيه القوى السياسية فيما بينها في إيران، تخدم ادارة ترامب المحافظين والراديكاليين الذين يتبنون تصريحات رؤساء الإدارة الأمريكية كذخيرة من اجل مهاجمة روحاني.
الصراعات في إيران لا تتعلق بالاقتصاد فقط. فتدخل طهران في الحرب السورية هو موضوع مشتعل، حيث إن الاصلاحيين المقربين من روحاني يعارضون هذا التدخل. حيث قال رئيس بلدية طهران السابق، غولام حسين كربستشي، إنه لولا تدخل إيران في الحرب السورية لما كان داعش نفذ العمليات في العاصمة الإيرانية.
صحيح أنه تعرض لانتقاد شديد من حرس الثورة ومن مقربي خامنئي، لكن النخبة العسكرية لا يمكنها تجاهل غضب الجمهور، ليس فقط الاستثمار المالي الكبير لإيران في سوريا، بل ايضا الجنود الإيرانيون الذين قتلوا في المعارك. يسارع المحافظون في إيران إلى اتهام الاصلاحيين الذين يعارضون تقديم المساعدة المالية والعسكرية لنظام الاسد، والاكثر خطورة من ذلك هو سعي السعودية لكبح تأثير إيران في الشرق الأوسط.
إن قلق حرس الثورة وقلق خامنئي هو من السياسة الروسية التي عقدت تحالفا غير خطي مع إسرائيل من اجل منع تواجد القوات الموالية لإيران في الجزء الجنوبي من سوريا. روسيا التي تعهدت بوضع قوات في المنطقة الآمنة التي ستقام في درعا على الحدود مع الاردن وهضبة الجولان لمنع شراكة تركيا وإيران في هذه المناطق، ومواقع عسكرية أمريكية في مثلث الحدود الاردنية السورية العراقية، قرب تنف في شرق سوريا، من أجل القول لإيران ما هي حدود تدخلها.
والأمر غير الواضح لإيران ايضا هو كيف ستكون سياسة الولايات المتحدة في حالة سيطرت المليشيات الشيعية والقوات الإيرانية على منطقة غرب مدينة الموصل العراقية وبدأت في السير نحو سوريا بأعداد كبيرة.
هل يتوقع حدوث تصادم بين الولايات المتحدة وبين القوات الإيرانية، أو مع روسيا ايضا، أو أنه سيتم ايجاد حل وسط عندما سيلتقي ترامب وبوتين في هامبورغ في الشهر المقبل.
في الوقت الذي تستطيع إسرائيل فيه الشعور بالأمان النسبي تحت المظلة الأمريكية ـ الروسية التي تعارض انتشار القوات الإيرانية أو المليشيات التابعة لها في جنوب سوريا وهضبة الجولان، فإن لإيران سببا جيدا للخوف.
ليس فقط أنها ستُحيد عن التدخل في المناطق الآمنة، بل ايضا سعيها إلى خلق جسر بري بينها وبين سوريا عن طريق العراق قد يصطدم بالكوابح الأمريكية والروسية. ورغم أن القوتين العظميين تتصارعان في المجال الجوي، ورغم استهداف القوات الأمريكية للمليشيات المقربة من نظام الاسد، فإن للدولتين مصلحة في تقليص تأثير إيران في سوريا وفي الشرق الأوسط. وقد يجد هذا الامر تعبيره في التدخل الأمريكي الكثيف في منطقة الحدود الجنوبية بين العراق وسوريا، وفي الشمال ستعتمد القوى العظمى على القوات الكردية وجيش تركيا الموجود داخل الاراضي السورية في منطقة الحدود مع تركيا.
الإدارة الأمريكية لم تقرر بعد كيفية ادارة الحرب في سوريا. المشاورات بين رجال مجلس الامن القومي مع رئيس الـ سي.آي.ايه والمسؤول عن تخطيط العمليات امام إيران والذين يؤيدون العملية العسكرية الفورية وبين وزير الدفاع جيمس ماتيس الذي يخشى من التدهور إلى حرب واسعة بين الولايات المتحدة وروسيا وإيران في سوريا. موقف وزير الخارجية تلرسون الذي يسعى إلى تشجيع جهات إيرانية لاستبدال النظام، لم يتضح بعد.
أما ترامب كعادته لم يقرر. كبح توسيع التدخل العسكري يتعلق إلى درجة كبيرة بنتائج لقاء ترامب ـ بوتين، وقدرة بوتين على اقناع الجهات المعادية في سوريا على التركيز على المفاوضات السياسية في اللقاء الذي سيجري في استانا بعد عشرة أيام بمشاركة إيران وتركيا، ولقاء جنيف بعد ذلك ببضعة ايام.
قبل اتخاذ القرارات، هذه التطورات تعبر عن امور استراتيجية جديدة.
للمرة الأولى تحظى إسرائيل برعاية القوى العظمى لمصالحها. الولايات المتحدة التي اعلن رئيسها عن نية تقليص التدخل الأمريكي في العالم، تدخل أكثر فأكثر في صراعات المنطقة. السيطرة الروسية بشكل غير مباشر عسكريا وسياسيا على دولة عربية ليس لها فيها مطالب تاريخية مثل اوكرانيا، أما إيران ولأول مرة، اصبحت شريكة معترفا بها في الخطوات السياسية الإقليمية، حتى لو كانت معادية، وهي تساعد في الحرب ضد داعش.
تسفي برئيل
هآرتس 30/6/2017
صحف عبرية