أزمة اليونان ستدفع الاتحاد الأوروبي نحو اندماج أفضل

حجم الخط
0

بدأت السوق الأوروبية المشتركة في الخمسينيات بتعاون اقتصادي بين فئة صغيرة من الدول على رأسها فرنسا والمانيا بهدف تجاوز أحقاد الماضي المرتبطة بالحرب العالمية الأولى والثانية وتعزيز الوحدة السياسية للقارة الأوروبية. وتعتبر العملة الموحدة اليورو القفزة الثانية لهذا التجمع الذي أصبح يسمى الاتحاد الأوروبي، لكن الأزمة اليونانية تضع اليورو سياسيا محل تساؤل حول مستقبله وبالتالي الوحدة السياسية على المحك. وبين مشاعر القلق، هناك ميل إلى الاعتقاد بعدم مغادرة اليونان اليورو بل عمل الاتحاد الأوروبي على إصلاح خلل الاندماج المالي.
ويعتبر الاقتصاد عاملا رئيسيا في التنافس والتوتر وكذلك في الوحدة في العلاقات الدولية. ومن أجل استكمال التكامل الاقليمي وتعزيز التكتلات تطمح الدول إلى الوحدة السياسية ولكنها تبدأ بالاقتصاد. وتعتبر تجربة الاتحاد الأوروبي رائدة، فهي أول تجربة خلال القرنين الأخيرين انتقلت بوحدتها السياسية إلى عملة موحدة بعد وحدة الولايات الأمريكية التي أعطت الولايات المتحدة الأمريكية وعملتها الدولار، وتجارب أقل بروزا في القارة الأمريكية مثل الولايات المتحدة المكسيكية أو فدراليات الأرجنتين.
وهكذا، فالأزمة اليونانية تحمل شقا ماليا لأنه المحور الحالي للمفاوضات ولكنها تحمل في الوقت ذاته وهو الأهم شقا سياسيا حول تأثير اليورو على الوحدة السياسية وقبلها مستقبل اليورو خاصة في مواجهة الدولار.
في الوقت الذي تستمر فيه الأزمة اليونانية تتفاعل لا يبدو أنها تحمل تأثيرات ملحوظة على مستقبل اليورو لسبب بسيط، هو أن اقتصاد اليونان صغير الحجم وسط العائلة الأوروبية لا يمكن مقارنته باقتصاد فرنسا أو المانيا أو حتى اسبانيا، ولا يشكل سوى 2٪ من الناتج الإجمالي للاتحاد الأوروبي. وعليه، فالأزمة اليونانية لم تلق بتأثيرات قوية على اليورو حتى الآن.
ونظرا لصغر الاقتصاد اليوناني الذي لا يتجاوز إنتاجه العام 242 مليار دولار سنويا، فبعض الحكومات الأوروبية وتحت ضغط ما هو آني  تعتبر خروج اليونان من العملة الموحدة اليورو قد يكون في صالح هذه العملة لأنها سيجعلها مستقرة وسيجعل باقي الدول مثل إيطاليا والبرتغال واسبانيا لا تعاني من فوائد مرتفعة خلال الحصول على قروض جديدة. وهو ما يفسر موقف رئيس الحكومة الإسبانية ماريانو راخوي بأن نجاح «لا» في استفتاء اليونان يجب أن  يترجم إلى مغادرة اليونانيين اليورو. تصريح جرّ عليه الكثير من الانتقادات لأنانيته وغياب حس الوحدة فيه.
وعمليا، تسببت الأزمات التي شهدتها دول جنوب أوروبا وعلى رأسها اليونان في فقدان اليورو أكثر من 30٪ من قيمته خلال السنة ونصف الأخيرة مقابل باقي العملات وأساسا الدولار. وفي الوقت الذي يعتبر فيه بعض المحللين الماليين التراجع علامة ضعف لليورو، يرى آخرون أن الأمر يتعلق بعودة طبيعية لليورو إلى قيمته الحقيقية التي كان عليها ما بين سنتي 2002 و2004، أي يعادل الدولار.
ولا يمكن فصل النمو الاقتصادي لدول جنوب أوروبا مثل اسبانيا التي ستحقق أكبر معدل نمو في الاتحاد الأوروبي السنة المقبلة بما يناهز 3٪ عن تراجع قيمة اليورو الذي ساهم في ارتفاع صادرات اسبانيا وجلب السياح والتقليل من الواردات، وهو ما تشهده باقي دول جنوب أوروبا.
واتخذ البنك المركزي الأوروبي كل الاحتياطات الضرورية واللازمة لتفادي تأثيرات سلبية كبيرة في حالة انسحاب اليونان من اليورو، فهي ستكون عملية انسحاب مرتب لها وليس فجائية. ويبقى تخوف البعض من احتمال ارتفاع صاروخي لليورو مجددا تحت ذريعة مغادرة عضو فقير حظيرة العملة الموحدة. وارتفاع اليورو سيضر باقتصاديات باقي دول أوروبا ومنها الجنوبية على الخصوص، حيث قد تتقلص الصادرات مجددا. وليس مفارقة غريبة أن يكون ارتفاع اليورو إلى قرابة 40٪ من قيمة الدولار قد تزامن مع أكبر أزمة اقتصادية شهدها الاتحاد الأوروبي خلال السنوات الماضية وفاقم هذا الارتفاع من الأزمة.
وفي الواقع وعلى المدى البعيد، مستقبل اليورو لا يطرح على المستوى المالي وإنما على المستوى السياسي وخاصة حلم الوحدة الأوروبية في مواجهة التكتلات الآخذة في التبلور في مناطق متعددة من العالم. والحديث عن الجانب المالي بإسهاب كبير إلى مستوى المبالغة هو نتاج التعاطي المكثف لوسائل الإعلام وخاصة الاقتصادية منها المرتبطة باليومي وما يتعلق من ارتفاع وتراجع فوائد الربح والبورصات، بينما مراكز التفكير الاستراتيجي ترى اليورو من زاوية مدى تأثيره، سواء سلبا أو إيجابا على الوحدة الأوروبية وقدرتها على المساهمة في صنع القرار الدولي.
وتعتبر العملة الموحدة حلم الآباء المؤسسين للاتحاد الأوروبي، حيث كان لهم هدف واضح في الأجندة السياسية وهو بناء وحدة سياسية تجنب القارة حروبا بين أعضائها كما حدث في الحرب العالمية الأولى والثانية من جهة، وتمنح للقارة موقعا في الخريطة جيوسياسية عالميا. وتطلب الوصول إلى العملة الموحدة قرابة خمسة عقود بعد اللبنات الأولى للاتحاد الأوروبي (السوق الأوروبية المشتركة في البدء).
وبعد قرابة ثلاثة عقود من التأسيس، تبنى الأوروبيون «الوحدة النقدية الأوروبية سنة 1979 والتي تعرف بحروفها الللاتينية ECU « وكانت تفيد في إرساء استقرار الصرف بين مختلف عملات الدول الأعضاء في السوق الأوروبية المشتركة وقتها. وجاء تعويضها سنة 1999 رسميا بالعملة الموحدة اليورو، وقبلها كانت عملية تحول السوق المشتركة إلى الاتحاد الأوروبي. وأصبح المواطنون الأوروبيون يتعاملون باليورو ابتداء من فاتح كانون الثاني/يناير 2002.
ولمعرفة القيمة جيومالية أو جيواقتصادية لليورو، فهو يستعمل من طرف 19 دولة في الاتحاد الأوروبي وتحول إلى العملة الثانية في العالم بعد الدولار. لكن قوته المالية لا تعادل قوته السياسية على المستوى الدولي والتي تبقى ضعيفة.
وتاريخيا، تعتبر العملة عنوانا للقوة السياسية، فقد سيطر الجنيه الإسترليني على الأسواق العالمية عندما كانت بريطانيا إمبراطورية لا تشرق عليها الشمس، وعندما تحولت الولايات المتحدة إلى القوة العالمية الأولى عسكريا وسياسيا بعد الحرب العالمية الثانية، رافق هذا، تحول الدولار إلى العملة الأقوى عالميا إلى يومنا هذا.
وتحاول دول البريكس المكونة من روسيا والصين والبرازيل والهند وجنوب افريقيا التقليص من هيمنة الدولار لأنه سيشكل المدخل لضرب الهيمنة الأمريكية على العالم. وخلال قمة أوفا في روسيا التي جمعت هذا الأسبوع الجاري زعماء هذه الدول جرى الاتفاق على إرساء معايير التبادل بالعملات الوطنية في المبادلات التجارية بين الدول الخمس على شاكلة الوحدة النقدية الأوروبية السابقة لليورو، إن كان الوصول إلى عملة موحدة في حالة البريكس مستبعدا جدا. وكتبت صحافة هذه الدول خلال هذه الأيام بكثرة عن ضرب الدولار.
وتعمل دول أمريكا اللاتينية على تعزيز الاندماج المالي ومنها الرهان مستقبلا على عملة موحدة، لوعيها عدم التقدم بدون عملة واحدة تجمع اقتصاديات المنطقة إقليميا.
ونظرا لرمزية العملة الموحدة في التعبير عن مختلف مظاهر قوة دولة أو تكتل دول، من الصعب تفريط الاتحاد الأوروبي في خروج اليونان من العملة الموحدة اليورو. فدول مثل فرنسا وإيطاليا وبلجيكا تعمل المستحيل لبقاء اليونان. وبدل إضعاف اليورو، تساهم الأزمة الاقتصادية اليونانية في دفع الاتحاد الأوروبي إلى إصلاح خلل الاندماج المالي مستقبلا للحفاظ على العملة.
ولهذا، فبعض مراكز التفكير الاستراتيجي في اسبانيا وفرنسا وحتى المانيا تعتبر الأزمة الحالية، واحدة من الأزمات التي واجهها الاتحاد الأوروبي في الماضي مثل أزمة الدستور الأوروبي منذ سنوات، ليضع لبنات جديدة نحو تعزيز وحدته ليتموقع في الساحة الدولية إلى جانب الولايات المتحدة ودول البريكس.

د. حسين مجدوبي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية