لسانكم يلهج بالشر

حجم الخط
0

تنسب وثائق الصراع الدولي على مناطق النفوذ في الشرق الإسلامي، فكرة تهجير يهود أوروبا وتوطينهم في الأرض المقدسة، إلى بدايات توسع الإمبراطوريات الغربية وانتشارها على شكل استعمار استيطاني في بلدان العالم الجديد، وبعض بقاع آسيا وأفريقيا، هذا الانتشار تبع حركة الاكتشافات الجغرافية الكبرى التي نشطت مع مطلع العصر الصناعي وانهيار النظام الإقطاعي في إنكلترا ووسط أوروبا.
ومن يومها عبرت تلك الفكرة العدوانية عن حاجة الإمبراطورية البريطانية، إلى مشروع استيطاني مشابه لما يجري تشكيله في العالم الجديد، مشروع يؤمن له التحكم في طرق التجارة والسيطرة على منطقة الشرق العربي. ولما كانت هذه المنطقة، إحدى مناطق العالم القديم، التي لا تخلو من السكان والحضارة، فقد تم التطلع إلى استيطان من نوع خاص، استيطان اختير له اليهود حصراً وفلسطين بالذات، لانتفاء دوافع الهجرة التلقائية لاستيطان فلسطين من قبل البيض الأوروبيين العاديين، الذين كانت تجذبهم بلدان العالم الجديد، عبر الهجرة الفردية، ولدوافع اقتصادية محضة، ولذا كان لابُدَّ من عنصر خاص يتم تحريكه عن طريق بعث الأساطير والنصوص الميتة وإشعال الحماس الديني، واستغلال واقع الانغلاق الطائفي، فضلاً عن خرافة عودة اليهود إلى فلسطين، التي صيغت بنصوص كهنوتية عمادها الافتراء والضّلالة، موجهة إلى أقوام جاهلة بتاريخ الأمم والأديان، لصيقة الصلة بالفكر البالي المتزمت. هذه العقائد النازعة نحو السطو والاغتصاب ومصادرة أملاك الآخر، عبرت عن فكر عنصري آسن قاطع المد الحضاري لعصر النهضة، وتعامل أصحابه مع الأسطورة والخرافة وكأنها الواقع بعينه. وعليها أقاموا شرائع حروبهم العنصرية ومعاملاتهم الدينية والدنيوية مع أقوام عاشوا بينها، من دون مسؤولية كبيرة تجاه تاريخ طويل من العشرة والمصير المشترك على أرض التجسد والقيامة، مُنى أفئدة المؤمنين التي رامت أن تكون فردوس الأديان على الأرض.

ليس في مسلككم عدل

بلا شك أنَّ زوغان المتطرفين اليهود وشذوذهم عن صراط الحق الإلهي (ولا تلبُسُوا الحَقَّ بالباطلِ وتكتموا الحَقَّ وأنتم تَعلمون)، وانخراطهم في سياسة دول لا تُقيم وزناً لأقوامٍ ليس من جلدتها، بل أباحت حق التصرف بميراثها وثرواتها وسجلت، كما شاءت، تاريخ أُمم، وأحكمت منهاج واتجاه تطورها من دون حساسية نحو إسهامات حضارية، أنار شعاعها بقاعا واسعة من المعمورة، ما عرفتها قبل ذاك الأُمم المعتدية، زاد من عزلة عامة اليهود وتقوقعها في أوهام الماضي، وانطوائها في حاضر محاط بالبغض والكراهية وجشع المستقبل المطل من رؤية عنصرية مروعة نحو من ليس منهم (الأغيار)، الأمر الذي أثار فزع وغيض الشعوب التي يعيشون بينها. كل هذا صدَّر (المسألة اليهودية) المختلقة بلباس عرقي – ديني قاتم، قائم على تلفيق البواعث والدلائل لتسويق سياسة سفك الدماء للوصول إلى مناطق غنية بالثروات وتجريدها من سكانها وجعلها مناطق غير مأهولة.
ولم يعد خافياً ضرر الأذى المروّع الذي ألحقه جشع المرابين اليهود وأحزابهم الإرهابية بأهل فلسطين وإرثهم الحضاري وأقداس الأديان السماوية. وواضح أن أولئك المرابين الصهاينة لم يتعظوا من دروس ماضي (بني قومهم) الإشكالي، الذي اختلطت فيه حقائق النص الديني الرباني ومكارمه بالأساطير والإنشاء الملحمي، غير المجرد من الانعزالية والعنصرية. الأمر الذي جعل الريبة بالآخر وكراهيته والطمع في أملاكه حاكم ديدنهم وعلاقاتهم بالأعراق والأقوام التي عاشوا بينها أو جاوروها. وغدا النفور من ثقافات وأديان وقيم الشعوب، والانغلاق على أعراف واهية سمة ومسلك حياتهم الاجتماعية وطقوسهم الدينية. كل هذه الأعراف البالية والصدامات والمآسي المرعبة لازالت تتحكم بعقائد اليهود المتزمتين ورؤاهم وعلاقاتهم بالأقوام الأخرى. وهذه المرة، وبسبب وجود سلطة الكيان الصهيوني، أخذت طابعاً أكثر قسوة وإرهاباً، بل تراهم لا يتوانون عن ارتكاب أبشع الجرائم، وحتى إبادة شعب بأكمله. ويبدو أَنَّ ما قاله النَّبيُّ أشعيا عن سلوك أولئك اليهود القتلة، قبل أكثر من عشرين قرناً، ينطبق اليوم تماماً على ما يفعله الإرهابيون الصهاينة بأهل فلسطين المقدسة وإبادة أطفال غزة وشعبها الآبي، وكأنهم لا زالوا يعيشون في تلك العصور المظلمة؛ (إن أيديكم قد تخضبت بالدم وأصابعكم تبخست بالإثم، شفاهكم تكلمت بالكذب ولسانكم يلهج بالشر، طريق السلام لم تعرفوه وليس في مسلككم عدل).

تجميع اليهود وعودة المسيح!

يَعد المؤرخون (نداء اليهود) للمحامي الإنكليزي هنري فينش، أوائل القرن السابع عشر، أول صيحة أوروبية لـشحن اليهود إلى فلسطين. وليس من الصدفة أن يعمد الاستعماري أوليفر كرومويل، بعد ثلاثين عاما، إلى التقرب من اليهود لاستثمارهم في مشروع (استيطان فلسطين) فكان أن سمح بعودتهم إلى الجزر البريطانية، بعد أن كانوا قد طردوا منها قبل أكثر من ثلاثة قرون. وحينئذ صاحب ظهور مؤلفات وبيانات تدافع عن (حق اليهود في العودة إلى فلسطين)، بلغ عددها في القرن السابع عشر وحده اثنا عشر مؤلفا، انتشار الحركة البيوريتانية التي غزت العالم (البروتستانتي)، وكانت تروج لعقيدة عودة (المسيح المخلص) وضرورة (إعادة اليهود إلى فلسطين) تمهيداً لتلك العودة (المرتقبة). كما نشطت حركات بروتستانتية أخرى مثل (المورون) و (شهود يهود) و (السبتيين) و (الأوفنتست) لخلق رأي عام مؤيد لفكرة (عودة اليهود إلى فلسطين). وقامت بتوجيه النداءات والتوسلات إلى ملوك ورؤساء الدول والحكومات (البروتستانتية) لاتخاذ الإجراءات من أجل (حصول اليهود على حقهم في الاستيطان في الأراضي المقدسة). وعلى امتداد القرن الثامن عشر تشكلت بيئة خصبة لنمو أفكار متزمتة وتبلور، في إنكلترا، تيار فكري وسياسي متطرف، الأمر الذي أدى إلى توالى فيض هذه الدعوات التي كان بعضها صريحاً في اعترافه بأن الهدف منها خدمة المصالح البريطانية. وزادت تلك الدعوات أواخر القرن. ونشير إلى صدور كتاب «تجديد مملكة إسرائيل»، عام (1774)، الذي أعده الضابط البحري البريطاني ريتشارد بروزرز، وفيه حدد عام (1795) موعداً لظهور المسيح المنقذ ودعا إلى إعادة اليهود إلى فلسطين تحقيقاً لنبوءة التوراة واعتبر الإنكليز من سلسلة الأسباط اليهودية. الأمر الذي حث النائب ب.هوكهيد إلى دعوة البرلمان البريطاني إلى تبني مشروع (بروزرز) بصورة رسمية. كما ظهرت كتب أخرى مثل «رسائل اليهود» و»نداء إلى اليهود» للدكتور بريستلي، الذي لفق فرية الأرض الخالية من السكان (فلسطين مجد البلاد قاطبة، تؤلف الآن جزءاً من الإمبراطورية التركية، وهي تكاد تكون خالية من السكان: أرضها لا تعرف الحراثة أبداً، إنها فارغة ومستعدة لاستقبالكم. غير أنه ما لم (تنهر) هذه الدولة التي تحتفظ بتلك البلاد من دون منفعة تُجنيها، فمن المحال أن تصبح بلادكم، لذا فأنا أُصلي جدياً لانحلالها)، وكرّاسي «خطاب ودي لليهود» عام (1787) و»علامات الأزمنة» عام (1794) للكاهن الإنكليزي جيمس بيتشينو، الذي عاد وأصدر عام (1800) كتاباً آخر في هذا الموضوع بعنوان «عودة اليهود أزمة لكل الأمم»، دعا فيه إلى تجميع يهود العالم في فلسطين تحقيقاً لِنُبُوءةِ التوراة، وسعياً إلى حل الأزمات التي تجتاح الدول المسيحية والدولة العثمانية. وعلق جيمس بيتشينو آمالاً كبيرة على فرنسا لتحقيق هذا المشروع . غير أن مبادرة نابليون لتشكيل مجلس أعلى للطوائف اليهودية (السنهدرين) لاستغلاله كأداة سياسية في صراعه مع منافسيه منيت بالفشل، ولذلك اتجهت الأنظار إلى الدول البروتستانتية (بريطانيا وبروسيا) لتحقيق هذا المشروع. وآنذاك لقيت آراء الكاهن جيمس بيتشينو صدى واسعاً في بريطانيا ما فرض الحاجة إلى إعادة طباعة كتابه «عودة اليهود أزمة لكل الأمم» عام (1807). ويُذكر أن الاستعماري اللورد آشلي، أُعجب بهذه الفكرة وراح يدعو لها في خريف عام (1838). إذ كان يعتقد أن جمع شتات عامة اليهود على أرض فلسطين سيكون بمثابة خطوة أولى نحو تنصيرهم. كما أن استعمار فلسطين يشكل ضرورة للاقتصاد البريطاني، الذي شَهَدَ ازدهاراً وتوسعاً كبيرين نتيجة للثورة الصناعية – التجارية المتطورة. وفعلاً، وبضغط من الداعية اليهودي اللورد آشلي وافق قريبه، الُمحابي للفكر الصهيوني، اللورد بالمرستون وزير خارجية بريطانيا على رعاية مشروع (عودة) اليهود إلى فلسطين وضمان الحكومة البريطانية حماية المقيمين منهم في ولايات السلطنة العثمانية.

أُسطورة التحول إلى المسيحية

وفي هذا السياق، يرى مؤرخو الحركة الصهيونية أن أول مشروع استيطاني بريطاني طرح لتوطين اليهود في فلسطين قدمه اثنان من المتطهرين الإنكليز (البيوريتانيين) في منتصف القرن السابع عشر، على شكل عريضة كتبها يوحنا وإبنيزر كارترايت اللذان يقيمان في أمستردام. ومما جاء فيها: (أن أمة إنكلترا وسكان هولندا سيكونون أول الناس وأكثرهم استعداداً لنقل أبناء إسرائيل وبناتها على سفنها إلى الأرض التي وعد بها أجدادهم إبراهيم واسحق ويعقوب، لتكون ميراثاً لهم إلى الأبد)، ثم تقدما بطلب آخر للسماح لليهود بالعودة إلى إنكلترا، بعد أن حظر عليهم ذلك الملك إدوارد قبل (350) عاما، وبذل جهد مشترك مع هولندا لـ (إعادة) توطينهم في فلسطين بعد إقامتهم في إنكلترا كمرحلة أولى. وربط المتطرفان البيوريتانيان عودة اليهود إلى إنجلترا بالاعتقاد البيوريتاني القائل إنه نظراً للتقارب الوثيق بين العقيدة البيوريتانية والديانة اليهودية، فما أن يتم الاتصال مع اليهود حتى لا يعود باستطاعتهم مقاومة التحول إلى الدين المسيحي. والغريب أن هذه الأسطورة- الوهم لا زالت تحكم عقائد وثقافة، بل وأعراف المتطهرين الإنكليز والأمريكيين، بل والمحافظين الجدد، رغم مرور أكثر من ثلاثة قرون، ربما لأنها أصبحت عقيدة دينية وأيديولوجية لإدارة سياسة مصالح الإمبراطوريات الأوروبية منذ عصر الغزو الاستعماري وحتى حقبة العولمة و(صدام الحضارات).

٭ باحث عراقي

لسانكم يلهج بالشر

ناظم مجيد حمود

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية