عندما يأتي حاييم رامون إلى جامعة تل أبيب لإلقاء محاضرة في قسم العلوم السياسية سيواجه بالعديد من الخارجين على القانون الدولي. خلافا له، لم يتم تقديمهم للمحاكمة. مخالفاتهم تعتبر مصدر فخر وسبباً لتقدمهم المهني ليس مثل إدخال لسان لفم إمرأة أصغر منك بـ 35 سنة ضد رغبتها.
عفواً! رامون لم يدخل فقط لسانه بالاكراه. في نهاية 1995 عندما كان وزير الداخلية بدأت وزارة الداخلية في إسرائيل بسياسة الترانسفير الهادئة: الغاء والتهديد بالغاء مكانة المقيم لفلسطينيين في القدس بواسطة معايير متوحشة وشريرة بشكل خاص. باختصار، وسائل طرد لسكان محتلين. هذه السياسة لم تحقق هدفها لكنها تنغص على حياة الفلسطينيين أكثر من السابق.
ليس هناك شيء خاص في جامعة تل أبيب: خارقو النظام الدولي موجودون بكثرة أيضاً في جامعات أخرى، وحتى خارجها: الأمر يتعلق بنوع نادر من الخارجين على القانون، ينتشر جداً في إسرائيل، مثل الرمال التي توجد على شاطىء البحر: قادة أصدروا أوامر لتدمير بيوت فوق رؤوس سكانها المدنيين، طيارون قصفوا، ضباط طردوا أشخاصاً من بيوتهم، رجال قانون يحللون ما هو حرام، مهندسون خططوا ويخططون مستوطنات وشوارع ابرتهايد والمستوطنون أنفسهم. جامعة تل أبيب تذكر هنا بسبب أن عضوات الخلية النسوية فيها يعارضن قيام رامون بالقاء محاضرة في إطار مساق «صلاحية بدون مسؤولية، مسؤولية بدون صلاحية». قبل زمن طويل من عهد «مي تو» قبل 11 سنة، تمت ادانة رامون بعمل غير لائق عندما قام بتقبيل مجندة قسراً، قبلة «فيها كل عناصر المخالفة الجنسية»، كما قال القضاة. المخالفة جرت عشية الحرب الثانية ضد لبنان عندما كان رامون وزيراً للعدل. القضاة أيضاً انتقدوا محاولة رامون تشويه سمعة المجندة. لقد قضى عقوبته (120 ساعة في خدمة الجمهور ودفع تعويض مالي للمتضررة). دوره في قرارات الحكومة، التي مكنت من التسبب بضرر عام لمدنيين لبنانيين، بما في ذلك استخدام القنابل العنقودية، لا يعتبر عندنا مخالفة.
بفضل نضال نسوي لسنوات طويلة ومتساوق هبطت أسهم اشتهاء النساء والتحرش اللفظي والجسدي بهن كمرادف للرجولة والقوة الشخصية (بصورة غير كافية حقا). رغم النضالات المدنية الطويلة والمتساوقة، فإن أسهم التنكيل بالفلسطينيين كشعب وكأفراد فقط ارتفعت عندنا، والمتحرشون هم من الصفوة. أيضاً من يشتهون النساء ومن يتحرشون بهن هم أيضاً من الصفوة.
ظاهرة «مي. تو» والظواهر التي سبقتها ـ المحاكم العامة التي جرت في الشبكات الاجتماعية والصحف ضد رجال مشهورين أساؤوا للنساء والنضالات النسوية الاجتماعية والدعائية لرفع الوعي بخطورة المس بالنساء ـ حققت ثلاثة انجازات أساسية: ساعدت النساء على الجرأة والتحدث، وهكذا أن يتحولن من أفراد إلى مجموعة، كشفت العيوب والنواقص في نظام القانون والقضاء، التي وجدت وتطورت في واقع الهيمنة الذكورية. لذلك كانت هناك صعوبة في تعريف المس بالنساء كجريمة، وضعت أمام الجنسيين العنيفين قيوداً سلوكية، على أمل أنه مع مرور الوقت يتم استيعابها كقيم مفهومة من تلقاء ذاتها. نحن في ذروة هذه العملية. القيود السلوكية موضوعة أيضاً في الطرق العدوانية مثل التشهير والمقاطعة، ليس فقط نقاش عام ورفع وعي. ما زال تقديم هارفي فينشتاين للمحاكمة أسهل من الحصول على (وحتى المطالبة) على أجر متساوٍ للنساء. ولكن هذا ليس سبباً للكف عن كشف فينشتاينيين من أجل مساعدة جهاز القضاء في معاقبتهم وردع آخرين وتعليم الاجيال القادمة.
المعركة العامة ضد رجال عنيفين محددين تقفز عن مبدأين منطقيين وعادلين في التشريع وفي جهاز القضاء. مدرج الخطورة للمخالفات وتاريخ انتهاء صلاحية العقاب حسب خطورة المخالفة (لنترك للحظة التطبيق: في كل دولة، وفي كل مؤسسة هرمية، المحاكم تتأثر بالمكانة والمنشأ. بالتأكيد لدينا ـ في دولتنا الاثنوقراطية واليهودية ـ المناطقية، التي تعمل على مواصلة ابعاد الفلسطينيين عن وطنهم وبيوتهم).
القبلة بالاكراه لمرة واحدة ليست مثل الاغتصاب المتكرر. وعندما يقضي الشخص عقوبته يجب عدم العودة ومعاقبته إلى الأبد، حتى لا تتحول العقوبة إلى انتقام. لقد كانت للادارات القانونية العامة نجاحات: كان هناك رجال تم تقديمهم بصورة متواصلة للمحاكمة. كان هناك من استقالوا من وظائفهم وكان هناك من تمت ادانتهم بالاقصاء الاجتماعي. هكذا حدث أن شدة العقاب حددت ليس حسب خطورة المخالفة بل حسب وزنها والرأس مال الاجتماعي للمجموعة المدعية والمحاكِمة، وهذا بالنسبة لوزن وقوة المدعى عليه. يمكن شرح ذلك كمرحلة في عملية التحرر الطويلة جداً من السيطرة الذكورية، التي في ظلها رجال وأنظمة اقتصادية ومؤسساتية يسمحون لأنفسهم باهانة النساء. ولكن يوجد أيضاً واجب نسوي لفهم عدم عدالة الانتقام بدون حدود ووضع حد له.
كشخص يُدخل اللسان فإن رامون قضى حكمه. اتركوه. لا تضيعوا عليه الرأس مال الاجتماعي المتراكم الموجود اليوم لدى حركة منع المس بالنساء. هيا نتذكر: كطارد لفلسطينيين من مدينتهم القدس، رامون لا يعتبر عندنا خارقاً للقانون. بل العكس، هو يعتبر مفكراً.
هآرتس 3/6/2018