■ حرص محمد مختار جمعة وزير الأوقاف في حكومة محلب الثانية، الأولى في ظل رئاسة المشير عبد الفتاح السيسي، على التأكيد أن ما لديه من تفاؤل يتجاوز ما كان لديه في أي مرحلة أخرى، ورغم أن أجواء المؤتمر الصحافي الذي عقد لرئيس الوزراء والوزراء تميزت بجو احتفالي واضح، وغلب عليها حديث الوزراء بكل ثقة عن ملفات وزاراتهم لدرجة لا تستطيع فيها تمييز الوزير القديم من الجديد، فالكل يعرف المشكلات القائمة ولديه ملفات للتعامل معها، فإن حالة التفاؤل تلك لم تستطع الانتقال عبر الشاشة، ولم تغير من مساحة القلق والخوف التي تصاحب الموقف في عمومه، كما صاحبت المؤتمر الصحافي نفسه.
ولعل واحدة من النقاط المثيرة للاهتمام والقلق هي صيغة الخطاب المستخدم في المؤتمر الصحافي الذي لم يختلف عن كثير من الصيغ التي مرت على مصر لعقود، وربما زاد عليها طبيعة اللحظة القائمة. فالحديث الدائم، رغم الإشارة السابقة لحديث كل وزير عن معرفته بملفات وزارته، هي عن السيد الرئيس الذي يعرف كل شيء ولديه رؤية عن كل شيء ويقدم توجيهاته التي يحرص الوزراء على اتباعها. هذا الخطاب عن السيد الرئيس وتوجيهاته ليس جديدا بالطبع على المشهد المصري، ولا عن الاسئلة التي طرحت على الوزراء، والتي حرصت على التساؤل عن الرئيس ورأيه في تلك القضايا أو دوره في التوسط في خلافات قائمة كتلك التي بين بورسعيد والقاهرة، أو النادى المصري والاهلي بعد مذبحة بورسعيد الشهيرة.
تلك الرؤية نفسها ليست بعيدة عن النقاش الذي ينقل رؤى بعض الجماهير ومطالبهم من الرئيس، فالرئيس هو محور الحدث والحياة وتطورها، كما هو الوضع الدائم. ولكن ما يزيد عليه الوضع الحالي هو حالة القلق القائمة في المشهد، التي تنتج بدورها من حالة الانقسام القائم والتطورات التي شهدتها مصر بشكل عام منذ الثورة، وبشكل خاص منذ إقالة الرئيس محمد مرسي. وضعية الدولة المصرية واحساس النظام بأنه محل تساؤل، تزيد من حالة المزايدة في الدور والمساحة المتروكة للرئيس من الأطراف التي تؤيده والتي ترغب في التقرب عبر درجات وصور مختلفة من التأييد، كما ظهر واضحا في الفترة السابقة على الانتخابات الرئاسية. ولكن يضاف لكل ما سبق طبيعة الرئيس، القادم بناء على طلب الجماهير بدون برنامج أو تعهد واضح، والذي حرص خلال اللقاءات التي تمت معه قبل الانتخابات الرئاسية على تأكيد هيمنته القادمة، فهو الرئيس الأعلى المشرف على الدين والقيم والثقافة، والمسؤول عن التربية والتوعية، والقادم من عالم الاحلام بتوقيت الساعة الاوميغا من أجل ضبط الشعب وتنظيم حياته كما يرى.
صورة الرئيس التي عبر عنها السيسي أثارت استياء البعض، ليس لأنها تتجاوز حدود الدور الدستوري فقط، ولكن لأنها تتجاوز حدود المتصور لدور شخص الحاكم في أي نظام يفترض أن يطبق الديمقراطية أو يسعى إليها. هذه الصورة المسيطرة نراها بالطبع في العديد من الحالات الحقيقية والمتخيلة. وقد ظهرت واضحة في مسرحية «الزعيم» التي عبرت بجمال خاص عن علاقة الرئيس المسيطر برجال دولته، فهو من يفكر بالنيابة عن الجميع، ومن يتصور أن لديه الحق في التفكير، يغادر العالم ليتحول لدرس لمن يستمر بعده. تلك الصورة ظهرت واضحة في المؤتمر الصحافي للحكومة، ولكن بدلا من أن نشاهد الرئيس في خطابه مع الوزارة، كانت صورته حاضرة في الخطاب والاسئلة. فوزير الشباب والرياضة خالد عبد العزيز أعرب عن دهشته الشخصية لمعرفة الرئيس بأعداد مراكز الشباب وسؤاله عن خطط إصلاحها وتطويرها، وهي أمور يمكن قولها ولكن بشكل مختلف لا تغلب عليه فكرة الشخصنة والدهشة المصطنعة. وبالمجمل هي صورة لا تبعث على التفاؤل ان كان لمصر ان تتحول إلى دولة ديمقراطية حقيقية.
وإلى جانب الخطاب المستخدم، هناك الكثير من الأبعاد الأخرى التي تضعف من أي حالة تفاؤل مطلقة، كالتي يتمتع بها وزير الأوقاف. فالحديث عن القضايا الكبرى لا يواجه بحلول كبرى، والإشارة لنماذج دول أخرى يتم بشكل انتقائي يخرج القضية من سياقها فتكون مشوهة وغير مقنعة ومثيرة للعديد من التساؤلات المهمة. ورغم حالة السخرية التي صاحبت حديث المشير عن بداية العمل في الخامسة صباحا، وما طرحته من تساؤلات عن الفرق بين بداية العمل في الساعة الخامسة والعمل في الساعة الثامنة أو التاسعة على العمل نفسه، إلا ان كان المقصود هو الشكل وليس الجوهر. فإن الإشادة الكبرى التي تتكرر الآن للحديث عن بداية العمل في الساعة السابعة من الرئيس والوزراء تحمل بعدا إيجابيا مهما للمواطن بشرط إلا يبدأ عمل المواطن إلا بعد هذا التوقيت بشكل كاف. فالمواطن عادة ما يلعب دور «طباخ الريس» في فيلم طلعت زكريا حين كان عليه أن ينتظر مع الجماهير أسفل الكوبري حتى يمر موكب الرئيس. ولأن تلك الخبرة معروفة في الواقع المصري، وتتجاوز موكب الرئيس لغيره من الوزراء وغيرهم من الشخصيات في أحيان أخرى، فإن توجه المسؤولين إلى مكاتبهم قبل المواطنين ميزة مهمة لزحام الطرق وعمليات التأمين التي تصاحب مواكبهم بشكل يتجاوز ما يحدث في الكثير من الدول الأخرى. وقبل الحديث عن حالة الانفلات الأمني والإرهاب، فتلك ممارسة ممتدة لم نشهد غيرها في مصر، إلا في حالات قليلة واستثنائية من بعض الشخصيات أو في بعض الفترات، كما حدث بعد الثورة وفي أول حكم مرسي.
وان كان توجه المسؤول إلى مكتبه قبل المواطنين مسألة مهمة لمن يسير في طرق تلك المواكب، فانها لا تبعث وحدها على التفاؤل، لأن الوجــــود في مكان العمل لا يعني بالضرورة القيام بالعمل، ووجود الموظف في مكتبه في وقت مبكر لا يترجم إلى إنهاء معاملة المواطنين في أقل وقت وبأقل معاناة كما يفترض.
ولعل كل من يتعامل مع الجهات التي يفترض فيها أن تكون خدمية في مصر لديه خبرة واضحة في هذا السياق، فالموظف يتذمر ممن يأتي مبكرا، لأنه يريد وقتا للراحة والافطار، ثم يريد وقتا للراحة من الراحة ويريد وقت للاستعداد للمغادرة.
وهنا فإن جزءا من حديث الموظف يرتبط بالوقت الذي يمضيه في المواصلات، والاحساس أحيانا كثيرة بالقهر لأسباب متعددة، وأحيانا أخرى بعدم التحقق الوظيفي وأشياء كثيرة جدا تمثل جزءا من هيكل البناء الوظيفي نفسه وجزءا من الحياة اليومية التي تتحمل الدولة كمؤسسات جزءا منها.
ولعل التفاؤل المتكررة الإشارة إليه من ماراثون الدراجات الذي شارك فيه الرئيس يرتبط بتلك القضية أيضا. فبعيدا عن الاستعدادات التي تمت بالطبع لمثل هذا الحدث، بما في ذلك اختيار الطريق نفسه، فإن قطع مجموعة من أصحاب سيارات الأجرة بعد هذا الحدث لطريق المنشية- كوم أمبو في أسوان للمطالبة برصفه تعبر عن التناقض القائم في المشهد بين ماراثون دراجات في طرق مختارة يمكن السير فيها بالدراجة، وواقع عام لطرق لا تسمح بالسير فيها للسيارات نفسها قبل الناس والدراجات. يضاف إلى هذا، السياق العام المحيط بتجربة الدراجات كوسيلة انتقال يتم الحديث عن تحديد أماكن لها في الشوارع. ففي النهاية لا تواجه فقط ببنية أساسية لا تسمح بهذا في الشوارع، ولكن بواقع حياة يؤكد أن الدراجة لا يمكن أن تتحول إلى الوسيلة الوحيدة أو الأساسية للانتقال كما يتم تقديمها، وما يمكن أن توفره الدراجة هنا لا يختلف عن أفكار المصابيح الموفرة التي طرحت لتوفير الكهرباء، وسيارات بيع الخضار التي طرحت لحل مشكلة البطالة، بدون التقليل من قيمة أي عمل، فهي أفكار صغرى لمشاكل كبرى ومركبة وممتدة فلا تواجه كعادة المصريين إلا بالسخرية، ليس لتسفيه الفكرة ولكن للتأكيد على عدم الاقتناع بتلك الأفكار نفسها في ظل الواقع المعاش.
في اليابان، التي أشار إليها المشير في أحاديثه، التي تعرف باستخدام الدراجات كعدد من الدول المشهورة بهذا، لا تستخدم الدراجات كوسيلة انتقال رئيسية من المنزل لمكان العمل، خاصة في الأعمال البعيدة بالطبع. فإلى جانب أنها وسيلة رياضية في أيام الاجازات، فهي وسيلة انتقال من المنزل إلى أقرب محطة قطار أو مترو وربما محطة أتوبيس في بعض الأحيان. الدراجة لا تعوض الاهتمام بوسائل النقل العام التي تعد واحدة من أكثر الوسائل آدمية وتقدما واحتراما. كما أنها ترتبط بالطبع بممارسة مكملة وضرورية في الحياة، فالواقع يقول ان إشارة المرور في اليابان محترمة ومقدسة في معظم الأحيان، وعندما تغيب عن بعض الطرق الجانبية او الصغيرة تكون الأولوية للمشاة ثم لراكب الدراجة ثم للسيارة، وهو واقع يغيب عن مصر بالطبع.
لا يعني ما سبق رفض الإصلاح أو رفض الأفكار الجديدة أو رفض البدء بخطوات صغرى حتى يتكون النهر وتسير المياه فتنمو الأرض وتخضر، ولكن هناك فارقا كبيرا بين وضع أزمة يفترض فيه أن تطرح الحلول الكبرى والرؤى الإستراتيجية، وواقع الحياة العادية التي يمكن أن تُطرح فيها أفكار صغرى وتترك للتراكم والتغيير والتصويب بالممارسة. الحديث عن الدراجات في مصر والحديث عن تخصيص أماكن لها في الشوارع يعني تخصيص موارد وجهد لأمور احتفالية وليس لحلول إستراتيجية كماراثون الدراجات نفسه. ولعل التفكير الأكثر أهمية في تلك المرحلة التركيز على تحسين وسائل النقل العام، والعمل على تخطيط الطرق والمدن الجديدة بطريقة صديقة للدراجات، فيمكن لمن يسكن فيها الاعتماد في حياته اليومية على الدراجة والتحرك لأماكن العمل بوسائل انتقال آدمية، بالإضافة إلى ضرورة وضع ضوابط على استخدام مواكب سيارات المسؤولين والسيارات الخاصة خلال أيام الأسبوع، كما يفعل العديد من الدول. أما ماراثون احتفالي معلب فهو لا يبعث على التفاؤل ولا يقارن برؤساء وزراء يركبون وسائل النقل العام والدراجات للتوجه الى عملهم الحكومي في وضع لا نشهده في مصر، حيث الأولوية للأمن إلى جانب المظاهر، وحيث تغيب المكاشفة والمحاسبة ولا يعرف المواطن أين تذهب أمواله والأولويات التي يتم بها تخصيص تلك الأموال.
الكثير من التطورات والأحداث في الواقع تقف رافضة لخطاب الوزير عن التفاؤل غير المسبوق، ولكن أتفق معه في أن هناك سببا مستمرا للتفاؤل، أو بمعنى أصح للثقة وهي الثقة في الله، وحقيقة أن الظلم مهما طال بحسابات البشر عمره قصير، وأن الحق يجب أن ينتصر يوما وأن السجن يمكن أن يكون بوابة حرية حتى ان تم التحرر منه بالمياه والملح، كما فعل عبد الله الشامي وغيره في انحاء العالم، حيث يتم الاحتفال بالسجين وليس الجلاد.
٭ كاتبة مصرية
عبير ياسين