اختلط الأمر عليه أم أحرج من الطلب، لم يحب أن يرد طلب المضيفة، أم اندمج وهاج فؤاده طربا فغنى؟ لا أحد يعرف.
في لقاء تلفزيوني في برنامج «ست الحسن» الذي تقدمه الإعلامية شريهان أبو الحسن من قناة (ON E)، استضافت فيه قارئ الموشحات والابتهالات الشيخ الأزهري إيهاب يونس، وللتعريف بالشيخ إيهاب نقول إنه منشد ضرير، اشتهر بخامة صوته الرخيمة المميزة، قدم احتفالاته الدينية على الكثير من المسارح داخل وخارج مصر، وحقق نجاحا منقطع النظير، وقد اكتسحت بعض أغانيه الدينية الذائقة الجمعية في المجتمع المصري، مثال ذلك موشحه الشهير (قمر سيدنا النبي) الذي أصبح رنة الموبايل الأشهر في مصر.
لكن فجأة وبدون سابق انذار يسحل الشيخ إيهاب يونس من علياء سماء النجومية إلى غرف التحقيق والتأديب واللجان الإدارية في مشيخة الأزهر، ويمنع من الخطابة والإمامة في مسجد علي بن ابي طالب (رض) في مدينة السلام الذي يعمل فيه، لماذا؟ لأنه غنى مقطعا من أغنية «لسه فاكر» لكوكب الشرق أم كلثوم في برنامج تلفزيوني وهو يرتدي زيه الأزهري، وبذلك فإنه أهان الأزهر وقيمه، وارتكب معصية الغناء! وقد قرر وزير الأوقاف، بعد أن حقق بنفسه مع الشيخ إيهاب يونس إحالته إلى باحث دعوة، وهو عمل إداري بإدارة أوقاف السلام، لحين فصل النيابة في القضية، وكانت وزارة الأوقاف قد قررت إحالة الشيخ إيهاب يونس للتحقيق الإداري، حيث قال الشيخ جابر طايع، رئيس القطاع الديني في مشيخة الأزهر في تصريح صحافي» إن الشيخ إيهاب يونس يعمل إماما وخطيبا في إدارة أوقاف السلام، وتمت إحالته للتحقيق بديوان عام الوزارة، وسيتم التحقيق معه بمعرفة القطاع الديني في وزارة الأوقاف».
ولم تأت ردة فعل مشيخة الأزهر من فراغ، إنما جاءت اتساقا مع الموجة الصاخبة التي أثيرت حول الحدث في وسائل التواصل الاجتماعي، فقد تهجم الكثيرون على الشيخ المنشد واتهموه بتهم عديدة، فعلى سبيل المثال كتب أحد المعلقين على الحدث «عيب عليك تبقى لابس ملابس الأزهر وتغني، أنا لا أحلل ولا أحرم ولكن حين تريد الغناء يجب عليك تغيير ملابس الأزهر، لأن لها هيبتها واحترامها الديني»، بينما اتهمت ناشطة الشيخ ايهاب قائلة «اللي أنت لابسه له احترامه والناس دي مش بتخليك تغني حبا في صوتك، لا علشان يهينوا العمامة من خلالك – وأعتقد أنك بكده هدمت ما قدمت، وإن كنت لم أشاهده أصلا في حال كنت قدمت أصلا – إن كنت تريد الطرب اخلعها وريحنا وارتاح». ومن هذين النموذجين يبدو ان المشكلة مركبة وتحتاج الى وقفة وتفكيك وتأمل، فهل الاعتراض على الغناء نفسه لأنه حرام؟ لكن القنوات تذيع الموسيقى والغناء ليل نهار ولم يعترض أحد، أم أن الغناء حرام على الشيوخ فقط؟ لكن المشايخ يغنون ويحققون شعبية عالية، وأوضح مثال ما ذكرناه من أغان دينية للشيخ المتهم نفسه وغيره من المشايخ، أم أن المشكلة في زي وعمامة الشيخ التي أهانها بغنائه؟ لكن تاريخ الفن الحديث شهد العديد من العمائم التي كان لها دور في عالم الغناء، ولم يتهمهم أحد بإهانة الزي أو الأزهر، أو الإسلام، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر الشيخ سلامة حجازي والشيخ سيد درويش والشيخ أبو العلا محمد والشيخ زكريا أحمد، وليس انتهاء بالشيخ سيد مكاوي أو الشيخ إمام، مع الفارق بين كل شيخ من هؤلاء المشايخ ودوروه وما قدمه للفن.
اذن ما هي المشكلة؟ هل كان إسلام بداية القرن العشرين برجاله ومؤسساته، المتطبع بطابع المدنية والنهضة والتحضر، يتقبل أشياء هي حرام في الاصل؟ أم أنه أمر فيه جدال؟ إن الجواب على سؤال هل الغناء والموسيقى حلال أم حرام؟ سؤال إشكالي بحق، فيه الكثير من الأخذ والرد، وقد قدم فيه الفقهاء وعلماء التفسير والحديث فيضا من الآراء، حتى بات اليوم سؤالا معياريا، يبين مدى تشدد أو تسامح المجتمعات، ومدى مرونتها، أو تقبلها للتغيير، لذلك كان هنالك العديد من الآراء التي استهجنت ما حدث للشيخ إيهاب يونس في مرحلة يدعو فيها النظام المصري في كل مناسبة لتحديث الخطاب الديني والنهوض به والقطيعة مع الآراء المتشددة. وعندما تسأل فقيها اليوم سؤالنا الإشكالي سيأتيك جوابه (لقد تعدّدت الفتاوى في حكم الغناء، وذلك ناتج عن تعدّد ألوانه، فليس كل الغناء مباحاً بإطلاق وتعميم، ولا حراماً بإطلاق وتعميم)، ومع ذلك نجد آراء فقهية متشددة تتمسك بالإحالة الى تحريم الغناء، جاء في قوله تعالى في (سورة لقمان آية 6) «وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ»، حيث تشير بعض الروايات التاريخية، التي لم يتم التحقق من مصداقيتها، إلى إن ابن عباس وابن عمر، رضي الله عنهما، في تفسيرهما لهذه الآية قد اشارا إلى أنها نزلت في (الغناء).
وتضيف بعض المرويات أن عبد الله بن مسعود (رض) قد حلف على أن اللهو في هذه الآية هو الغناء. وقيل أيضاَ في تفسيرها إنّه ليس كل الغناء، بل هو الغناء الذي يترك أثراً في النفوس، ويحرك الكامن فيها لما فيه من كلام غزل، أو وصف للنساء ومفاتنهنّ. ومع كل هذا التشدد نجد مفكرا إسلاميا معاصرا، لم يعرف بالتهاون أو التسامح، بل كانت له مواقف متشددة كثيرة هو الدكتور محمد الغزالي له رأي مختلف جدا في هذا الأمر، فقد اعتمد الشيخ محمد الغزالي، رحمه الله، في إباحته للغناء والموسيقى على أن الأصل في الأشياء الإباحة، وأنه لم يرد حديث صحيح في تحريم الغناء على الإطلاق، وأكد ذلك بأن الغناء ما هو إلا كلام فحسنه حسن وقبيحه قبيح، وقال عن الموسيقى: «والموسيقى كالغناء، وقد رأيت في السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم مدح صوت أبي موسى الأشعري – وكان حلواً- وقد سمعه يتغنى بالقرآن فقال له: لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود، ولو كان المزمار آلة رديئة ما قال له ذلك. وقد سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الدف والمزمار من دون تحرج، ولا أدري من أين حرّم البعض الموسيقى ونفّر في سماعها؟».
وقد تبع الشيخ الغزالي الإمام ابن حزم الظاهري الاندلسي رحمه الله، في الزعم بأنه لم يصح حديث في تحريم المعازف، اذن، من الاولين ائمة بقامة ابن حزم أحلّوا الغناء والموسيقى في مجتمع الاندلس الذي كان منفتحا حضاريا، ومن المعاصرين ائمة مثل الغزالي قالوا بهذا الرأي، فمن اين جاء التشدد؟
عندما نصل الى هذه النقطة يثار خلاف، أو لنقلها واضحة يثار صراع بين إسلام حضاري وإسلام صحراوي، فالاسلام الحضاري فيه لمسة وجد صوفية تمس الروح وتحرك الوجدان، وتحاول أن تسمو بحياة البشر الذين سحقتهم الحياة المادية وتعيد لهم إنسانيتهم، بينما الإسلام الصحراوي الجلف لا يمتلك إلا الوجه المكفهر والترهيب، حتى طبع صورة الاسلام في عيون الاخر بطابع همجي بدوي متخلف، وأزاح صورة إسلام القرون الوسطى المتحضر من عقول المتلقين. وما موجة الهجوم التي تعرض لها الشيخ ايهاب يونس إلا نتيجة لموجة التصحر الذي ضربت اسلامنا، فارحمونا، إرحموا من في الارض يرحمكم من في السماء.
كاتب عراقي
صادق الطائي