لعنة البترودولار: حيث يتم تناسي قيم حماية الجار والكرم أمام إغراءات التمدد والتفوق

حجم الخط
1

تمثل الأزمة الخليجية الأخيرة بين السعودية والإمارات من جهة وقطر من جهة أخرى آخر تجليات التنافس بين الدول الخليجية على النفوذ والمكانة الدولية والتاريخ. فالأزمة التي استبقتها تحضيرات وتم إخراجها بعملية منسقة تظهر الشدة في تعامل الدول الجارة مع بعضها البعض. فقد سبقت الإجراءات العقابية قرصنة على وكالة الأنباء القطرية الحكومية وتصريحات منسوبة للشيخ تميم بن حمد آل ثاني ينتقد فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ويتنبأ بأن لا يعمر طويلا في الحكم، وحديثه عن علاقات حميمة مع الجارة إيران والجماعات الإسلامية وحركة حماس وعلاقات جيدة مع إسرائيل. وجرى، مع هذه الوصفة من التصريحات المتناقضة التي أكدت الحكومة القطرية أنها حملة تحريض ضدها، اعتبار هذه الدولة الصغيرة مصدر تهديد في منطقة الخليج، وهذه كانت ذروة لحملة أخرى يقودها منذ سنوات السفير الإماراتي في واشنطن يوسف العتيبة لشيطنة قطر لدعمها حركات الإسلام السياسي ووقوفها مع التيار الداعم للتغيير وحركات الربيع العربي. فقد صدرت منذ نهاية نيسان (إبريل) 144 مقال رأي في وسائل الإعلام الأمريكية كانت كافية لتقدم المعلومات الضرورية لفريق ترامب ليكون فكرة عن قطر الإشكالية التي تعتبر مصدر القلاقل وتهدد الأمن الخليجي وتدعم وتمول المتطرفين. وأكدت حكومة قطر أن ما نسب للأمير هو أخبار زائفة وأن الوكالة تعرضت لعملية قرصنة.

هاكرز مرتزقة

ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز»(8/6/2017) عن محققين فدراليين اعتقادهم أن عملية القرصنة تمت من خلال مرتزقة من الهاكرز عرضوا خدماتهم للدول التي تدفع لهم المال وأن مصدر الهجمات هو روسيا. وأشارت الصحيفة إلى تقرير صدر أمس عن مؤسستين للأمن الألكتروني أشار فيه الباحثون إلى أن القرصنة لم تعد حكرا على الروس بل يمكن للدول استئجار خدمات القراصنة المرتزقة للقيام بمهام ضد خصومهم. وأشارت إلى أن القرصنة ليست جديدة على منطقة الخليج فهي معروفة منذ سنوات حيث تم استخدام الهاكرز لاختراق حسابات دبلوماسيين خليجيين. وترى أن القرصنة على وكالة الأنباء القطرية حدثت في الليلة التي عقد فيها مركز بحث موال لإسرائيل بواشنطن «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية» مؤتمرا حول قطر وعلاقتها بالشبكة العالمية للإخوان المسلمين. وحضر المؤتمر الذي افتتحه وزير الدفاع السابق روبرت غيتس كتاب من الذين نشروا تقارير مغرضة عن قطر ومسؤولون سابقون من إدارة باراك أوباما ومستشار الرئيس ترامب لشؤون الإرهاب سبستيان غوركا، الشخصية المثيرة للجدل. وبعد أيام من القرصنة على الوكالة القطرية تم اختراق حساب العتيبة الألكتروني حيث نشرت مواقع الكترونية أمريكية جزءا من المراسلات بين العتيبة ومراكز البحث والمسؤولين الأمريكيين الذين أقام معهم علاقات وثيقة. وكشفت الرسائل حجم التحريض الذي مارسه العتيبة ضد قطر وجماعات الإسلام السياسي في واشنطن. ومن اللافت أن الرئيس ترامب استقى معلوماته على ما يبدو من هذه المصادر عندما زار المنطقة الشهر الماضي وخطب أمام قادة مجلس التعاون الخليجي ومجموعة من قادة الدول العربية والإسلامية دعاهم لبناء تحالف قوي ضد التطرف ووقف التمويل للإرهاب. وتظل الزيارة محورية في الأحداث التي اعقبتها. فقرار السعودية والإمارات وعدد من الدول الحليفة والتابعة لهما فرض حصار جوي وبري وبحري وطرد الدبلوماسيين القطريين ومنح حملة الجنسية القطرية مدة أسبوعين لمغادرة السعودية والإمارات، جاء نتاجا للجرأة التي شعرت بها الرياض وأبو ظبي من تأكيدات الرئيس ترامب لهما بأن أمريكا أعادت إصلاح الرتق الذي أحدثه أوباما طوال الثماني سنوات الماضية وتمت عودة العلاقة الأمريكية السعودية الخليجية التقليدية كما في الماضي والقائمة على تبادل المصالح دون الحديث عن قضايا الحرية والديمقراطية ولا حقوق الإنسان والإصلاح. وعليه بدا أن الخطوات التعسفية والجائرة بحق قطر كانت محاولة من الدولتين الفاعلتين في القرار الخليجي تركيع الدوحة التي التزمت طوال السنوات الماضية بسياسة خارجية مستقلة أدت لإغضاب جيرانها خاصة الرياض.

استقلالية

ومنذ وصول الشيخ حمد والد الأمير الحالي إلى الحكم وعلاقة الدوحة مع السعودية بين شد وجذب ووصلت حدا من التوتر بعد سحب أربع دول خليجية سفراءها من قطر عام 2014 حيث انتهت الأزمة بوساطة كويتية وعودة للسفراء. إلا أن الأزمة الحالية تميزت بالتمادي في الإجراءات العقابية والمطالب المشروطة قبل بدء أي حوار مع الحكومة القطرية وتوزيع قائمة «إرهاب» تضم أسماء وحركات يزعم أن قطر تقدم المأوى والتمويل لها «الغارديان» (8/6/2017). وزاد من حدة الأزمة المواقف المتضاربة من الولايات المتحدة، فمؤسسة الخارجية والدفاع القلقتان على مسار الحملة على تنظيم «الدولة» والتي تدار من قاعدة العديد خارج الدوحة حاولتا التهدئة وعرض الوساطة، أما الرئيس ترامب فاختار في سلسلة تغريدات دعم الموقف السعودي-الإماراتي وتحميل قطر المسؤولية وهو ما أثار غضب الحكومة القطرية التي قالت إنها لم تتلق مطالب أو قائمة باتهامات بل وجدت نفسها وسط موجة هجوم إعلامي وبيانات دول كل توجه لها قائمة من الإتهامات لتبرر الموقف على أرضية الأمن القومي. إلا أن ترامب على ما يبدو رأى في الحملة نهاية قريبة للإرهاب. والغريب أن الرئيس قرر استهداف قطر لوحدها عندما قال أن أصابع الإتهام توجه إليها في كل مرة يتم الحديث فيه عن تمويل الإرهاب. مع أن التصريحات التي نقلتها صحيفة «نيويورك تايمز» عن وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني تشير عكس هذا، «قال لنا» «يجب علينا التعاون معا لوقف تمويل الجماعات المتطرفة بالمنطقة وكلما قرأت تقارير عن هذه المنطقة أقرأ عن السعودية وقطر». ورد وزير الخارجية «سيدي الرئيس» «هل قامت المعلومات على تقارير صحافية أم أمنية؟ فلو قامت على تقارير صحافية فلا نستطيع الإجابة على هذا» وأكد الوزير للأمريكيين أن الحكومة لديها تعاون قوي مع المؤسسات الأمنية. وحاول ترامب تعديل موقفه عندما اتصل بأمير قطر والملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد حيث عرض الوساطة ودعوة الأطراف إلى البيت الأبيض. فقد اكتشف الرئيس على ما يبدو عواقب التشرذم الخليجي على حملته ضد إرهاب تنظيم «الدولة» وإيران التي حملها في خطاب الرياض مسؤولية ما يجري بالمنطقة من حروب وعدم استقرار.

تشرذم العائلة

وتعددت القراءات للحملة السعودية-الإماراتية على قطر وتوقيتها الذي جاء بعد زيارة ترامب للمنطقة وفيما إن هذا قد أعطى الضوء الأخضر لهما بمعاقبة قطر. وفي تغريداته ما يشي أنه مسؤول فعلا عن التحريض عليها وتشجيع الدولتين على ما قامتا به قبل أن يتحول لصانع سلام. وبعيدا عن الدور الأمريكي في كل هذه الأزمة إلا أن حروب الماضي والتنافس بين العوائل الخليجية الحاكمة وغياب القادة الاجماعيين تعتبر محركا لما جرى. ففي الماضي كان زعماء العشائر في المنطقة يتحاربون ويتصالحون ويدفنون خلافاتهم مقدرين المصلحة العامة أما اليوم فالمسألة لم تعد مهمة. ففي الوقت الذي يطوف فيه وزير الخارجية السعودي عادل الجبير العواصم الأوروبية ليقول لها أن ما جرى هو شأن داخلي يتم حله بين «الأشقاء» يقوم الأشقاء أنفسهم بقتل كل بادرة للتصالح. والتفتت مجلة «إيكونوميست» (10/6/2017) إلى ما أسمته «عداوة عائلية» حيث قالت إن الخلافات بين آل ثاني وآل خليفة وآل الصباح وآل سعود ظل وعبر القرون أمرا عاديا. إلا أنهم وفي وسط التناحرات القبلية «كانوا يحترمون القوانين الشفوية عن حماية اللاجئ والكرم» و «عندما أصبحت القبائل دولا قبل خمسة عقود ظل أبناؤها يتنقلون ويعيشون معا ويتزاوجون عبر الحدود المرسومة بالرمل». فقد يسحب مشائخهم السفراء عندما يغضبون ولكنهم لم يطلبوا أبدا من أبناء رعايا القبائل الأخرى مغادرة مناطقهم. ومن هنا فطرد الإمارات والبحرين والسعودية رعايا قطر «كان صادما أكثر من كونه إعلان حرب، فقد مزق ما تم التعارف عليه» بينهم في الماضي. وتشير إلى أثر القرارات على الزيجات المختلطة ومنع البضائع من دخول قطر التي تعتمد على نسبة 40٪ من بضائعها غير النفطية على المعبر البري الوحيد مع السعودية. وفجأة أصبحت الكثبان الرملية حواجز تمنع دخول الناس والبضائع. وتوقفت السياحة المتبادلة بين البلدان بل وجرمت الإمارات العربية كل من يظهر التعاطف مع قطر بما في ذلك التغريدات على التويتر. وتقول «إيكونوميست» إن قطر البلد الصغير دائما ما كان مصدرا لغضب جيرانه إلا أن المبررات التي قدمت للإغلاق المفاجئ وغير المسبوق ليست كافية. فقبل أسبوعين وقف أمير قطر مبتسما إلى جانب من يقومون اليوم بنفيه وعزله. وتقول إن زعم السعودية دعم قطر للإرهاب لا ينفي أنها نفسها كانت تواجه اتهامات بتمويل الإرهاب. بل وزادت تعليقات أخرى أن بريطانيا قررت عدم نشر تقرير حول دور التمويل الخارجي في تزايد نزعات التشدد بين المسلمين البريطانيين، حيث أشار التحقيق بأصابع الإتهام للسعودية. ومثلما يغضب الملوك وعلماء السعودية من علاقات قطر بإيران التي تشترك معها بحقل الغاز الكبير تقول المجلة إن الكويت وعمان تقيمان علاقات جيدة مع الجمهورية الإسلامية. كما ولعبت دبي، دورا مهما لتخفيف الحصار عن إيران أثناء العقوبات من خلال تمرير البضائع لها.

دور مستقل

وأبعد من هذه الإتهامات فما أثار حنق الحكام الآخرين في الخليج، هو ما أثار غضبهم نفسه عن الدور الذي بات يلعبه آل ثاني على المسرح الدولي، من وساطات ومصالح تجارية. فقد قدمت الدولة ملجأ للإخوان المسلمين. وكان بإمكان الدبلوماسيين العثور على مكان للحديث مع الشيخ يوسف القرضاوي أو خالد مشعل، عباسي مدني من الجزائر أو قادة طالبان. وأكدت إمبراطورية «الجزيرة» الإعلامية تأثير قطر وتوسع المشاهدين لها خاصة أنها قدمت منبرا للمعارضين من غالبية المنطقة وقدمت صوتا للغضب الشعبي الذي اندلع على شكل ثورات الربيع العربي عام 2011. ومن هنا «لم تعد شبه الجزيرة العربية كافية لتحقيق طموحات حكامها، فقد زادت التنافس مع محاولة كل منهما إنشاء موانئ بحرية وخطوط جوية وأذرع إعلامية وقوات مساعدة ومناطق مالية. ففي الوقت الذي كان هم الحكام السابقين تغليب المصالحة والإجماع والحفاظ على الاستقرار إلا أن أموال البترودولار وترسانات الأسلحة الضخمة ومباركة ترامب قد تحول أحفادهم إلى مستبدين يملأهم الغرور وكل مواهبهم هي إشعال الحروب لا تقديم التنازلات».

أدوات

وعن مسار المواجهة تقول إن آل ثاني لديهم الوسائل للصمود أمام الهجوم، فالدولة تعتبر من أكبر المزودين للغاز المسال في العالم. وقد يحتفل ترامب بمعاقبة قطر في تغريداته لكن عليه أن لا ينسى أنها تستقبل 10.000 جندي أمريكي في أكبر قاعدة عسكرية بالشرق الأوسط. كما أن مصر لن تغامر وتمنع الناقلات القطرية من عبور قناة السويس حتى لا ترد هذه بترحيل مئات الألوف من العمالة المصرية. ولكن الأمور قد تزداد سوءا، فلو قررت قطر التعاون مع إيران التي فتحت ثلاثة من موانئها للبضائع القطرية فسترد الدول الجارة بعقوبات جديدة. وزاد من التوتر الهجوم الإرهابي في طهران يوم 7 حزيران (يونيو) حيث اتهمت السعودية بالمسؤولية عنه رغم إعلان تنظيم «الدولة» وقوفه وراءه. وفي النهاية لن يكون هناك رابحون من كل هذا المسلسل، وتعتقد أن مقترحات ترامب إنشاء ناتو عربي وتوحيد سياسات مجلس التعاون الخليجي لم يعد له تلك السطوة بعد قرار حصار قطر. وتنصح المجلة ترامب التركيز على الدبلوماسية لا بيع السلاح.

لعنة البترودولار: حيث يتم تناسي قيم حماية الجار والكرم أمام إغراءات التمدد والتفوق

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية