لغة العرب ضد الاحتلال والإرهاب

سبق للعديد من الخبراء الدوليين بشأن الظاهرة الإرهابية وكيفية التعامل معها، أن الجميع أعلنوها صراحة بأن العلاج أصبح (مستحيلًا) لهذه الظاهرة الضاربة؛ بعدما استشاروا في الأمر المختصين في الأزهر والزيتونة ومراكزالأبحاث في أوروبا؛ فلم يحصلوا على جواب فعال. ولسان حالهم يقول «إنه لا حل عمليا لعلاج الظاهرة الإرهابية باسم الدين». إن خطورة هذه الظاهرة السلبية في غلوها المتطرف في التحول لإرهاب عاصف في الشرق والغرب.
لكن لنتعرف بموضوعية على مفهوم الإرهاب أولًا ومتى يجب أن يوصف؛ كنتيجة للاحتلال، إن الإرهاب تعريفه الجامع المانع هو: كل فعل حركي توظيفي جرمي منظم ظاهر أو مستتر؛ مرتبط بقوة خارجية؛ بغض النظرعن جنسية أدوات تنفيذه من عملاء ووسطاء؛ ومبرراتهم المعلنة الدعائية؛ ويستهدف بشكـل مباشر أو غير مباشر زعزعة أركان السيادة للدولة والمجتمع الهدف، أو أحد أركانهما الوطنية القومية، بوسائل وأساليب تقوم على العنف بكل أشكاله. وشرط الصفة للإرهاب؛ ارتباطه بقــوة خارجية أجنبية أو أكثر، سواء أكانت سياسية أو أمنيــة أو عسكريـة أو اقتصادية أو أيديولوجية… فهو قرين العمالة والتجسس؛ لذلك فإن الإرهاب عابر للحدود حكمًا لازمًا، ويخضع لمتابعـة أجهزة الأمن القومي وللقانون الدولي حصرًا. وإلا فهو جريمة منظمة داخلية تخضع للقوانين القضائية والشرَطية المحلية للبلــد المستهـدف.
إذن الإرهاب هو سبب من أسباب الاحتلال أو نتيجة من نتائجه، وإن نمو الإرهاب يبدأ من صناعة لغة خارجية خاصة به، لذلك أول شيء تسعى إليه القوى الاستعمارية المحتلة البحث عن مترجمين محليين ليكونوا معوانا وظيفيًا بمقياس، ومن خلال هؤلاء (المترجمين) تتوغل في مداخل المجتمع لتخلق قوة إرهابية عميلة تابعة لها؛ تمارس أعمالًا رمادية لتشويه المقاومة الوطنية، فهي قد استثمرت المدخل اللساني (الترجمة) في بناء الهيكل الإرهابي كتجربة أولية. كأن اللغة عندهم قد تحولت بدهاء مسبق، من وظيفة اللسان إلى وظيفة السنـان. ومن هنا تبدأ سياسة (فرق تسد) في تحويل المجتمع الهدف إلى صراعات متناقضة. فيظهر صراع المصالح بوسائل الغلو والتطرف؛ ليزيد الإعلام الاستعماري القتامة (بفبركة) التهم ذات اليمين وذات الشمال بأخبار التمرد والقتل، منسوبة كذبًا لمراكز أبحاث ورأي عام لدراسة المزاج الشعبي تابعة له؛ سواء في الداخـل أو في الخارج، لخلط وتداخل الخنادق وقلب البنادق المصوبة نحو المحتل لتكون على (اللسان) الناطق. إن النسغ كعلاقة بين الإرهاب والتطرف طردية. فكلما ازدادت نسبة التطرف ازدادت نسبة الإرهاب.
وكلما ازدادت نسبة الإرهاب ازدادت نسبة التطرف. فهما كالسيف المصقول والغمد الأجـرب. بالمقابل مشرقيًا كلما ازداد الهجوم على مكانة العربية كمقدس قرآني زاد التطرف وزاد تبعًا له الترهيب. هذا هو مفهومنا الذي يقوم على تعريف حقيقة الإرهاب القتال؛ لا على مفهومه السيال في وسائل الإعلام والاتصال، من جهة أخرى يتم تغليف الأعمال الإرهابية المقيتة بغطاء (مقدس). وهذه ليست جديدة فقد سبق لابن رشد القول «إذا أردت أنْ تتحكم في جاهل فعليك أنْ تغلف كل باطل بغلاف ديني» كي تعطيه شرعية التنفيذ والغطاء بدون تردد؛ مهما بلغ من أعمال دراماتيكية تدميرية.
وهذا يدلنا على أن الإرهاب لديه لغة خاصة محلية أو مستوردة. وغالب ألفاظ لغته تلك تقوم على الاستعارة وتقمص وحي الزمن الماضي في الحاضر للتأثيرالمباشر، بل إن هناك لغةً وبلاغة تكاد تكون خاصة بالظاهرة الاحتلالية والإرهابية. أما بالنسبة للعرب المسلمين الذين أصبحت الظاهرة الدينية وعلاقتها بالإرهاب الدولي مقترنة بهم كتهمة إعلام سياسية؛ كيف يتم لهم معالجة التعامل مع النصوص كي يقتنع (الرأي العام) الدولي والمحلي بموضوعيتها وحيادتها وقانونيتها. ولكي لا يشاع أن هذه وجهة نظرالنظام الرسمي فهي حرام وسياسة؛ وتلك وجهة نظر السلف الصالح فهي حلال وشرعية؟ إن الحل أبسط من كل ما هو معلن أو دفين. والجواب المباشر في، اللغة العربية.
نعم فهي المخرج الإستراتيجي لمعالجة الإرهاب الأسود؛ بعدما فشلت أغلب الوسائل. من المعلوم أن الغرب الأوروبي منذ مرحلة الاستشراق الكنسي والسياسي (بعد الحروب الصليبية ) سعى جاهدًا إلى زعزعة أسس اللغة العربية كافة؛ وتهميش حضورها الفاعل في المشرق؛ بمختلف الوسائل المعروفة العلنية والمخفية؛ لتحقيق الاستعمار والغزو: الثقافي، النفسي والعسكري، وبالتالي السياسي والاقتصادي، حتى أوصلوها، مع تخاذل بعض أهل العربية، نتيجة مؤثرات ذاتية واقتصادية نحو (العزلة النفسية) عن الحضور والفاعلية الحضارية. من هنا (انفردت) عمائم التكايا على شؤون اللغة، وبالتالي على شؤون تفسيرالنصوص من دون معيار؛ خاصة في تفسيرالخطاب القرآني؛ وبأمية لسان وعقل لا تقل عن «حمق باقل».
هكذا نمت جهلاً (جرثومة) الانحراف إلى الغلو فالتطرف فالإرهاب. وقد قالها سيدنا الإمام علي ابن طالب لابن عباس قبل محاججة الخوارج «لا تخاصمهم بالقرآن؛ فإن القرآن حمال أوجه». فأين إذن نجد (ثبوت) الوجه العربي الصحيح لمفردات الخطاب والنص القرآني؟ والجواب في معاجم اللغة العربية أولًا؛ وفي الشعر العربي ثانيًا؛ والشعر الجاهلي منه خاصة؛ ففيه مكنون الألفاظ والمعاني الواردة في المصحف. وفي الحديث النبوي: «إن من الشعر لحكمة؛ فإذا ألبس عليكم شيء من القرآن فالتمسوه في الشعر، فإنه عربي».
ومن المعلوم أن اللغة بطبيعتها لا تنتمي هكذا لا ليمين ولا ليسار؛ ولا لهذه القبيلة ولا لطائفة ولا لتلك، بل هي وعاء تواصل لساني وفكري قومي جمعي مرتبط بوحدة الواقع الاجتماعي المشترك، وقد أخذت استقرارها ضمن البنية التاريخية، والغداة فإن (أهم معجم جامع للغة العربية) هو لسان العرب لابن منظور؛ المتضمن أغلب ألفاظ ثقافة الأمة ذات الجذور. من هنا البداية؛ شرط استحضار السياق للخطاب أو النص مع البلاغة، وسنجد العون والتعزيز الداعم في جوامع كلم السنة النبوية. عند ذاك سيكون لنا ميزان ومعيار واضح لفهم النص بدقة وروية واقعية الرؤية والمعرفة المنيرة؛ لا بالمزاج والتأويل لأشباه الأميين، فالعلم نور. ومن هنا أيضا تبدأ مقدمات العلاج بالمعرفة والفطنة لا بالأمن والقبضة (المعرفة ذكاء والفطنة خبرة).
تأسيسًا في ذلك على أوروبا وأمريكا كحكومات ومؤسسات وأجهزة أن تباشر وضع برنامج حقيقي داعم لتنشيط التفاعل مع اللغة العربية للتكفيرعن سلوكهم الاستعماري السابق واللاحق في محاربة هذه اللغة؛ ذات المقاومة والجاذبية في الخطاب والنص. ونقولها حرصا على سلامة الجميع، فكلنا من آدم وحواء يجب على أوروبا وأمريكا أن تساعدا لرفع سياسة الحيف عن اللغة العربية، ففي ذلك خلاص من أخطبوط الإرهاب؛ نتاج مشروع الاحتلال، فهي ليست مجرد لغة محكية ذات لسان ومقال، بل هي جذوة مقاومة روحية ذات جاذبية ودافعية للقتال؛ يذوب بين يديها سراة الرجال؛ وقد اندمج فيها قدر وقضاء الدال والدلول فـلا ينفصلان. وكما قالها الأصمعي «العربية شبه الوحي». لقد وردت لفظة (عربي) ثلاث مرات، ولفظة (عربيا) ثماني مرات في آيات القرآن؛ وكلها في تعديل وتثبيت المسار من الباطل إلى الحق. إن العلاج اللغوي لبنية الإرهاب الفكري والاحتلال العملي جدير بأن يكون في الجامعات ومراكزالأبحاث المختصة الرصينة، لا في تكايا الفضائيات والأسماء الدعائيـة على الشاشات التجارية العابثة.
أخيرا إن الاحتلال الجرثومة قبل معالجة الإرهاب وليست (مكافحة الإرهاب) لأن المعالجة تراتبية للشفاء التام فهي استراتيجية أمة؛ والمكافحة مجرد إبادة سريعة لقصب البردي؛ فهي تكتيك مرحلة؛ سرعان ما سيعود ناميًا منتصبًا كثيفًا كرؤوس الرماح الحادة في مستنقعات الدم… مع اعتبار التطورات في تقنية واختزال اللغات الاشتقاقي، من خلال الذكاء الصناعي كما في روبوت الفيسبوك؛ الذي نجح في اختراع لغة جديدة (مراوغة) لسيطرة الإنسان. وستبقى للظاهرة رؤوس كثيرة متكاثرة كالهديـرا.
أخيرا لنتذكرما جاء في المأثور «تعلموا العربية فإنها تزيد في العقل والمروءة وصلة الرحـم ومكارم الأخلاق». وهذه هي المكونات المضادة للاحتلال وللإرهاب (الأسود) المقبل بدعم العدو الخارجي (الأبيض) سواء أكان من الشرق أو من الغرب، ولن يتحقق كل ذلك إلا بدوام من الصبـر والإخـلاص والتخصص. لأن مقاومة الإرهاب البغيض مثل مقاومة المحتل الأبغض؛ كلاهما سلاحه «لسـان ذو سنـان»، أو سيبقى البركان لا يهدأ ولا يخمد أبدًا.

كاتب عربي

لغة العرب ضد الاحتلال والإرهاب

جمال البدري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية