ليس غريباً في الحقيقة، لكنه مدهش بحق، أن يفتتح الشاعر البحريني قاسم حداد ديوانه الجديد « ثلاثون بحراً للغرق» بقصيدة يخاطب بها الملك الأسطوري آرثر، مستلهماً مساواة الفرسان خلف الطاولة المستديرة، تحت سقف يوتوبيا كاميلوت. ولكن بلغة زرقاء محلقة بأجنحة زرقاء في فضاءات زرقاء، هي ما يمكننا الشطح قليلاً بتسميتها لغة يوتوبيا ديلمون ــ البحرين، جنة البشرية الأولى، حيث: «الأسود لا تقتل أحداً، والذئب لا يلتهم الحَمَل الوديع» كما جاء في أسطورة جلجاميش. وكما يجيء في قصيدة «اسمع يا آرثر»: «لسنا رعاياك/ ونوشك أن نسأم منك/ وأنت تمد المدى للصدى/ تبالغ في ثقتك بصبرنا عليك/ لن ندخل حروبك/ لا نصغي لطغيان الفتوى/ وأصوليي الحانات/ لست إلهاً/ لسنا عبيداً/ لأقدامنا أجنحة تكفي/ وطيشنا بلا حدود»…
وليس غريباً على نافذة هذا الافتتاح، الساطع بحكمة القارعة على من يغلق أذنيه عن «قهقهة الموتى»، أن يوجه الشاعر تحيةً للمناضل الديمقراطي البحريني عبد الرحمن النعيمي، وأن يمد بساط خطابه الكاشف شاشةً أمام الإنسان، تعرض له مصيره الترابي، ومصير قصوره وخيله ونسائه من بعده، مهما علا، ملكاً واقعياً أو مهدياً منتظراً مجسداً، تحت سلطة حكمة دستور تدوير الطاولة، وضلال ظن أن «سيوف الفرسان المصقولة بالمبارزات، كافية لترويض شكيمة شعب خصه الله بالبحر».
ديوان شعر «ثلاثون بحراً للغرق» كتاب مشرع بزرقة البهاء، مكتوبة قصائده بلغة طازجة دائماً وغير مستعارة، يزيدها الإيقاع المتنوع بين غنائية التفعيلة العالية، وهمس النثر الذي يمد أذرعته جسوراً لوصل الإيقاعات، سواء في القصائد المنفصلة أو داخل القصيدة الواحدة، تميزاً خاصاً بالشاعر. وحداد لا يأبه بكسر الوزن داخل المقطع، أو بافتتاحه بخطوات نثر تتسارع إيقاعاً مفعلاً راقصاً، مثل انسياب صفحة البحر التي تنشق بغتة عن دلافين نراها قافزة في رذاذ ضوء الشمس الصريحة، ومتلاففة متراشقة داخل نور الزرقة الخفيضة المندهشة.
ولننظر بثقة تشبه ثقة الشاعر بإيقاعاته، «ناحية حانة الذئب» كمثال:
4 ــ «تفتح الشمس بوابة الغيم يوم الأحد
قبلها.. لا أحد..
.. مثلها ينتمي للحديقة
أو يحتمي بالأبد»
5ــ ـ رسمت الطفلة طفلتها
في زجاج الفرح
وبكت عندما طفق العابرونَ
يمرون في غفلةٍ
ثم ينسون أطفالهم
في رصيف المرح»…
ولن يُضر سليقتنا الشعرية، بطبيعة الحال، دخول ساحة رقص الشعر بخطوة جملة النثر: «رسمت الطفلة طفلتها»، فنحن نرقص ونواصل الرقص بفرح غامر، على امتداد 29 قصيدة متنوعة بين قصيدة النثر، وقصيدة التفعيلة، والقصيدة المتراكبة بين النثر والتفعيلة الموحدة، وبين النثر والتفاعيل المختلفة. ولكن دائماً بشطح الدراويش في «سديم الفلك» و«كما يفعل الله من دون قصد»، حيث لا مكان للعقل في بحر وغابة لغة حداد، المتراكبة الحارقة لوصلات الحياة اليومية، والملقية بنا دفعة واحدة من على جسر الشعر الشاهق، لكن بحبل كَسْر الخوف الذي يمسك أقدامنا ويعيدنا إلى الأعلى، نفضاً بنشوة صراخ الأجنحة المحلقة:
«هناك.. هناك.. في مهب الجنة
حيث يفيض العسل الكثيف
يركع ناسك مشبوق
يصقل ما تقدم من ذنبه وما تأخر
ينتابه الترنح لفرط الله
ويجهش في بكاء من نالته الشهوة العفيفة
يتهدج في خشوع من تضرعته الآلهة»…
وما دمنا غارقين في ثلاثين بحراً من لغة حداد، وبـ «معنى الروح الخاص بالشاعر في الجسد اللغوي الحي الممتد عبر الكتابة المترامية الأطراف» كما عبر في مقابلة معه، فإننا سنكتشف خلال انحباس أنفاسنا أن هذه اللغة لا تحمل المعنى أداة نقل، بل تهصره لتنصهر في تلون وجوهه حتى غياب التأويل، وتتحول إلى حياة تتنفس وتنبض وتخلق، كأنها الريح نفسها، النار نفسها، الفراشة نفسها، والعاشقة التي تضوع كذلك:
«خذ ما تبقى
يشعل القنديل في أحلامك الفصحى
فلا يجتاحني صمت لديك
أنا البعيدة في حوارك
خذني، سيأخذني جحيم النوم عنك
وخذ بقايا رغبة القاموس في تفسير نارك»…
ويبدو أننا في هذا الغرق سنسعد بتنفس القصيدة المهداة إلى زوجته موزة خليفة الشملان، حيث سيخطفنا البرق الذي يجعل هذه اللغة حية، أي الحب، الغامر بدفئه برد الكون، الحب الذي يسير فيه الشاعر مخطوفاً كصوفي «مغمور بالمعشوقة الصاعدة في معراجها ومشتهاها»، المعشوقة التي «يلهج لها البرتقال بالأزرق، وتتضرع لها المهاوي بتضاريس الأوج»:
«ما الذي يشبهك
عندما تجلسين على شرفة الكون
مأخوذة بالخجل القرمزي
تضيئين عالمهم كرماً
بلا منة تجرح الروح؟»
ويستمر غرقنا في بحار الصور الشعرية، المتلاطمة حباً، وفنوناً، وأحلاماً، وحدائق مشرعة على الكون الذي تهدد بتضييقه وصندقته أوهام السلالات التي تتبادل نصب الفخاخ والشراك، وتزوير الخرائط التي لا تفصح إلا عن «سلالة الغبار»، بإيقاعات الحزن واليأس والأمل والحسرة على بلاد يزرع حواتها من الجانبين الحقل بالأوتاد التي لا يفصح حصادها إلا عن الخيام.
ويزيدنا فيض الصداقة والإخلاص، ودفء العائلية في إهداءات القصائد للأصدقاء المكافحين من أجل عالم السواسية، وللزوجة، والابنة والابن والحفيدة، غبطةً مضيئة، تحت عناوين متألقة، تشكل قصائد بحد ذاتها: (الأغاني الصغيرة للأميرة ذات الخيال ــ تنهدات حارس الحلم ــ الكأس في الرأس ــ رقصة طائشة ــ قلب لتحيا قلبان لكي تحب ــ خذني أموت على يديك ــ معراجكِ ومشتهاكِ ــ سديم الفلك ـــ الأقداح المعبوبة حتى الثمالة ــ يوزع يقظته على نائمين ــ جرس ينهر الشعوب ــ لكم دينكم وللخارجين الأجلاء دين عليكم…إلخ). ومن الواضح ودون إشغال فكر، تلمس مدى الثقافة العميقة التي تنساب بها العناوين والقصائد.
ويبقى لنا أن نختم غرقنا الشعري الجميل بـ «ثلاثون بحراً للغرق»، قصيدة الكتاب المعنون باسمها، والمؤلفة من ثلاثين مقطعاً، زاخرة بفرادة جمال الصور الشعرية المنسوجة بما تحفل به عوالم البحار، أمواجاً وسفناً وشواطئ وقلوعاً ونوارس وأسماكاً ومباهج؛ في غبطة الزرقة التي تمس أصوات نوارسها شغاف القلب، لكن بنذير الرمال المتجرع مر اليأس:
ما من أملٍ
لا تتخذوا حصناً للحربِ
فليس لنا غير الغرق القادم
ما دمنا ننسى أسماء البحر الحسنى».
ولا يتركنا هذا الختام دون الاعتراف بأنه: لا يمكنك أن تكتب عن شاعرية هذا الكتاب دون أن تخلع ثياب النثر، وتحلق بأجنحة الشعر.
قاسم حداد: «ثلاثون بحراً للغرق»
منشورات المتوسط، ميلانو 2017
157 صفحة.