لا تعتبر أغاثا كريستي (1890 ـ 1976) أشهر كاتبة للقصص البوليسية في العالم فقط، بل الأشهر في عالم الأدب على الإطلاق، وكتبها هي الأكثر مبيعا، حيث بيع لها حتى الآن مليار نسخة باللغة الإنكليزية وحسب، ومليار آخر من النسخ بمئة وثلاث لغات أخرى ومنها العربية. وهي الأسم الأبرز في الأدب الغربي منذ بداية القرن العشرين وحتى الآن.
استفادت «أغاثا» من كون الفترة التي تلت الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918) كانت قد امتازت بالانتشار الواسع للقصص البوليسية، التي أصبحت من وسائل التسلية الرئيسية، فلم يكن التلفزيون أو الإنترنت قد وجدا بعد. وقد أتصفت تلك القصص بشكل عام بسذاجة حبكتها وقصص «أغاثا» نفسها لم تكن استثناء، ومع ذلك فإن مبيعاتها كانت هائلة، وقد ساعد على زيادة شهرة هذه القصص ومؤلفيها كونهم في بريطانيا الدولة العظمى ذات الإعلام المسموع في جميع انحاء العالم. ولم تكن «أغاثا كريستي» الكاتبة الوحيدة لتلك القصص، ولكنها تفوقت على الآخرين من الكتاب بوضوح، فقد كتبت ثمانين قصة بوليسية، وثلاثة كتب عن حياتها وأُنتِجَ حتى الآن أكثر من أربعين فيلما، مأخوذا عن قصصها، بالإضافة إلى عدة أفلام عنها نفسها، ومسرحية «مصيدة الفئران» ذات العدد الأكبر في العروض في العالم، مقتبسة من إحدى قصصها، وبدأ عرضها عام 1952 ولا تزال تعرض حتى الآن. وتستمر وسائل الإعلام في تناول حياة وأعمال «أغاثا كريستي» وتُنشَر كتب عنها باستمرار.
وهناك سبب مهم أضاف الكثير إلى شهرة أغاثا، ففي يوم الثلاثاء الذي صادف الثالث من كانون الأول/ ديسمبر 1926 تشاجرت أغاثا مع زوجها المقدم الطيار أرتشيبولد كريستي، لأنه كان ينوي قضاء عطلة نهاية الأسبوع مع عشيقته. وكانت أغاثا ومعارفها يعلمون بأمر العشيقة منذ فترة، وخرج هو غاضبا بعد أن أبلغها أن زواجهما قد انتهى. أما هي فقد قَبًلت ابنتها روزالند ذات السبع سنوات في الساعة التاسعة والنصف ليلا، وكتبت رسالة لسكرتيرتها لإلغاء جميع مواعيدها، ثم خرجت بسيارتها حاملة حقيبة واختفت. وأثار اختفاء أغاثا قلق الحكومة الإنكليزية حينها، لأنها كانت كاتبة مشهورة جدا، وكانت قد نشرت لتوها قصتها السادسة بنجاح كبير. ونشرت الصحف البريطانية خبر اختفائها فورا على صفحاتها الأولى، مثيرة ضجة في جميع أنحاء البلاد، وأصبح الحدث أهم ما يشغل الناس. وقام وزير الداخلية بدوره بالضغط على الشرطة للعثور عليها، ولذلك خصصت الشرطة أكثر من ألف عنصر لحل هذا اللغز، واستخدمت لأول مرة في تاريخ بريطانيا الطائرات في هذه العملية، وتطوع خمسة عشر ألف شخص للعثور عليها، كما عُرضت مكافأة قدرها مئة باوند (مبلغ جسيم في تلك الفترة) لأي شخص يدلي بمعلومات تؤدي للعثور عليها، ولكن كل هذا كان من غير طائل.
وفي اليوم التالي تم العثور على سيارتها التي كانت انحدرت إلى أسفل منحدر في منطقة سري (جنوب إنكلترا) ولكن أغاثا لم تكن فيها، وكان غطاء المحرك مفتوحا ومصابيح السيارة مضاءة، ولم تكن فيها آثار دماء، وعثرت الشرطة على حقيبتها ومعطفها الفرو، ورخصة قيادة منتهية الصلاحية داخل السيارة. وادعى البعض أنها قد انتحرت في بحيرة قريبة، ولكن الشرطة بحثت عن جثتها في البحيرة دون جدوى، وادعى آخرون أنها قد قُتِلَت على يد زوجها لعلم الكثيرين بوجود عشيقة له، أو أن الأمر لم يكن سوى خدعة دعائية. في هذه الأثناء استمرت الصحف في إثارة الموضوع واختلاق مختلف الاستنتاجات، وتنوعت الادعاءات والاتهامات، وتحول الأمر إلى قصة بوليسية حقيقية، أثارت الرأي العام البريطاني آنذاك بشكل غير مسبوق. والمضحك في الأمر أن آرثر كونن دويل (1859 – 1930)، مؤلف قصص «شرلوك هولمز» الذائعة الصيت، أراد إقحام نفسه في هذه القضية، فقد كان «شرلوك هولمز» أشهر شخصية بوليسية خرافية في العالم آنذاك، وعرِف الكاتب بدقة ملاحظته وتفكيره المنطقي والعلمي، ولكن منطق آرثر كان مفاجئا، فقد أخذ قفازا كان لأغاثا، وعرضه على امرأة تدعي التواصل مع الأرواح لمعرفة مكانها، ولكن المرأة لم تتوصل إلى شيء. وحاولت كاتبة معروفة للقصص البوليسية ومنافسة لأغاثا في النشر، أن تحل اللغز بنفسها وذهبت إلى مكان السيارة لتَفَقدِها، إلا أن كل ما توصلت إليه كان أن أغاثا لم تكن في السيارة وكأنها تفاجئ الجميع بمعلومة جديدة، إلا أنها اقتبست من مكان الحادث تفاصيل لقصتها الجديدة. واستمرت الضجة الإعلامية التي امتدت إلى الولايات المتحدة، حيث كانت آخر التطورات تنشر على الصفحة الأولى لـ»النيويورك تايمز». واستمر الحال على هذا المنوال حتى الرابع عشر من ديسمبر، أي بعد أحد عشر يوما من اختفاء أغاثا، عندما لاحظت عاملة في أحد الفنادق الراقية في «هاروغيت» (في منطقة يوركشاير) السياحية الشبه بين إحدى النزيلات وصورة أغاثا التي كانت تنشر في الصفحات الأولى للصحف كل يوم، وأخبرت عضوا في فرقة موسيقية تعزف في الفندق، قام بدوره بالاتصال بالشرطة وطلب المكافأة المعروضة للعثور على أغاثا. وبالتالي قامت الشرطة بالاتصال بزوجها والصحافة وذهبوا جميعا إلى الفندق، ولكن عندما وصلوا هناك أبقتهم أغاثا جميعا منتظرين في بهو الفندق، لأنها كانت تريد ان ترتدي ملابس السهرة قبل أن تلقاهم.
وكان تفسير زوج أغاثا الذي أدلاه للصحف والشرطة، أنها أصيبت بحالة غير عادية من فقدان الذاكرة بسبب الكآبة الشديدة، وأنها كانت طوال تلك الفترة في حالة من الذهول، ولم تتذكر أي شيء، ودعم ذلك بادعائه أن أثنين من الأطباء النفسانيين فحصاها وتوصلا إلى هذا الاستنتاج، وقد أيد أغلبية من كتب عن أغاثا هذا الادعاء، إلا أن الشرطة البريطانية كانت تميل إلى الاعتقاد أن الاختفاء لم يكن سوى خدعة دعائية لأغاثا. ولكننا يجب أن ندرس تفاصيل الحكاية بدقة للتوصل إلى استنتاج منطقي، فقد اتضح في ما بعد أن أغاثا قامت بإرسال رسالة لأحد معارفها في اليوم التالي لاختفائها، مفادها أنها ذاهبة إلى منطقة «يوركشاير» وهذا يدحض فرضية فقدانها للذاكرة. كما اتضح في ما بعد أنها وصلت الفندق حاملة مبلغا كبيرا من المال، وقضت وقتها وهي تندمج مع بقية النزلاء، وكانت ترقص كل ليلة هناك، وبدت للجميع في أفضل حال، بل أنها أعطت لإدارة الفندق اسما مستعارا، وكان ذلك اسم عشيقة زوجها، أي أنها تذكرت اسم العشيقة، وذكرت الصحف أيضا أن صحافيا شابا ذهب إلى الفندق قبل وصول الشرطة وتكلم معها وناداها باسمها وذكرت له أنها قد أصيبت بفقدان الذاكرة، إلا أنها بدت له طبيعية جدا، ولكن الصحف لم تكشف سبب وجود ذلك الصحافي هناك. ولزيادة الطين بلة قامت أغاثا أثناء اختفائها بنشر إعلان باسمها المستعار في جريدة «التايمز» الشهيرة حول أمر غامض. وكل هذا يدل على أنها لم تكن مصابة بحالة من الذهول أو الكآبة أو فقدان الذاكرة. وذكر موظفو الفندق أنها وصلت إلى الفندق حاملة حقيبة صغيرة، وإذا كانت قد تركت حقيبتها في السيارة فمن أين جاءت بهذه الحقيبة؟ كما أنها لم تكن مصابة بأي كدمات وهي التي من المفروض قد تعرضت سيارتها لحادث سيئ، ولم تكن أحزمة الأمان في السيارات معروفة آنذاك، فهل كان هناك من ساعدها في هذه الحكاية؟ وذكر زوج شقيقتها بعد وفاة أغاثا أنه قام بالاشتراك مع شقيقتها بتزويدها بالحقيبة والمال قبل ذهابها إلى الفندق، ولكن لماذا لم يكشف الرجل هذه المعلومات أثناء الأزمة؟
والسؤال هنا لماذا قامت أغاثا بكل هذا؟ إن نظرية فقدان الذاكرة ضعيفة، ولكن البعض اقترح أنها أرادت أن تمنع زوجها من الذهاب لقضاء العطلة مع عشيقته، وهذا صعب التصديق لأنها اختفت بعد أن غادر زوجها المنزل، وليس قبله. وقيل إنها كانت تخطط لمواجهته هو وعشيقته، ولكن هذا ضعيف الاحتمال، لأن زوجها كان قد أبلغها منذ فترة بوجود العشيقة ورغبته بتركها هي، وكان الكثيرون على علم بهذا ولم يكن هناك أي سبب لديه للخشية من مواجهة تشمل أغاثا وعشيقته. وقيل أيضا إنها أرادت أن تعطي الانطباع بأنها قد قُتِلَت على يد زوجها، كي تلقي الشرطة القبض عليه وتحاكمه بتلك الجريمة، ولكن إذا كان هذا صحيحا فهل كانت أغاثا تعتقد أنها ستبقى مختفية إلى الأبد؟ وأضاف البعض أنها كانت تنوي الانتحار بطريقة توحي بأن زوجها قد قتلها، ولكنها لم تنتحر ولم يكن هناك ما يوحي بأنها حتى حاولت الانتحار. وسؤال آخر يتبادر إلى الذهن هنا وهوعدم إظهار السلطات البريطانية انزعاجها من هذه الحكاية، على الرغم من الجهود الكبيرة التي بذلتها والتكاليف الباهظة التي تكبدتها في سبيل العثور على أغاثا، وهي التي كانت تقرأ الصحف وتشاهد صورتها على الصفحات الأولى يوميا، أثناء مكوثها في الفندق، وتعلم جيدا أن الجميع يبحثون عنها، ويضاف إلى ذلك أنه من الغريب أن أحدا من نزلاء وموظفي الفندق لم يميز أغاثا طوال تلك الفترة، قبل تلك العاملة. وبعد هذا التحليل قد يكون الاحتمال الأكبر أن الأمر برمته لم يكن سوى حيلة للدعاية لأغاثا وقصصها، ولكنها كانت حيلة غير محبوكة جيدا مثل قصص أغاثا نفسها.
وقد أُنتِج فيلم شهير عن اختفاء أغاثا عام 1979 إلا أنه كان بعيدا عن التفاصيل الحقيقية. للحادثة.
كاتب عراقي
زيد خلدون جميل