لغير الاقتباس

حجم الخط
0

قبل بضع سنوات نشر أرشيف الدولة المحاضر الاكثر سرية لجلسات حكومة اشكول في فترة حرب الايام الستة. ومؤخرا، بختام خمسين سنة على الحرب، نشر الارشيف اخيرا محاضر اللجنة الوزارية لشؤون الامن في تلك الفترة ايضا.
قبل أن أكتب كتابي «امور ترى من هنا ـ ماذا يحصل لزعماء اليمين حين يصعدون إلى الحكم؟»، غطست في أرشيف الدولة. أردت أن أرى هل بيغن غير مواقفه الايديولوجية حقا ووافق على التنازل عن سيناء واقتلاع البلدات اليهودية التي فيها، لأنه انكشف فجأة امام ناظريه من كرسي رئيس الوزراء واقع لم يكن يعرفه من قبل؟ ولكن تتبين من محاضر مداولات حكومة اشكول في فترة حرب الايام الستة الصورة البسيطة منذ قبل عشر سنوات من صعوده إلى الحكم كان بيغن مستعدا لانسحاب كامل من سيناء بل ومن هضبة الجولان مقابل معاهدات سلام.
ولكن المحاضر من مداولات الحكومة بأكملها تناولت احيانا اقوالا قيلت في الجلسة الاكثر سرية للكابنت، اللجنة الوزارية لشؤون الامن. ففكرت أنه ربما، تبين هناك بيغن آخر؟ ذاك من الصورة الصقرية له، الذي يقاتل على كل شبر، وغير مستعد لان يعطي اي تنازلات اقليمية؟
وعليه، فعندما انكشفت مؤخرا هذه المحاضر، عدت وغطست بنفس متوقف إلى هذه الوثائق، والامر الوحيد الذي تبين لي هو العجب: لماذا كان ينبغي على الاطلاق فرض السرية عليها على مدى خمسين سنة؟ فليس فيها اي شيء جديد لم يكن معروفا لمن كان معنيا بها؛ لا اسرار دولة، لا اجراءات عسكرية سرية، لا هياكل في توابيت، لا اخفاقات محرجة ولا شيء.
يمكن للانسان ان يعجب حقا من يقرر فرض السرية المطلقة لخمسين سنة ولماذا. لا الرقابة العسكرية مسؤولة عن ذلك ـ فهذه يفترض بها أن تفحص كل المنشورات في إسرائيل ويحق لها أن تشطب مادة للنشر فقط إذا ما كان هناك على حد قول المحكمة «يقين قريب من ضرر حقيقي بامن الدولة، سلامة الجمهور أو النظام العام». الامور مختلفة بالطبع عندما يدور الحديث عن وثائق اعطيت لها منذ كتابتها تصنيفات السرية الأمنية (سري) فما فوق، التي توجد في ارشيفات الهيئات الامنية، مثلما ايضا في ارشيف الدولة. هكذا هي محاضر الحكومة واللجنة الأمنية لشؤون الامن. ولكن لماذا الانتظار لخمسين سنة؟ كل من يقرأ هذه المحاضر لا يمكنه ان يجد فيها شيئا يمكنه أن يمس بأمن الدولة.
وربما فقط النظام العام سيتضرر قليلا حين يعلم الجمهور ماذا بالضبط فكر فيه زعماؤه في ساعات الاختبار، كيف ترددوا، خافوا، تلعثموا، غيروا رأيهم المرة تلو الاخرى، اخطأوا بشكل متطرف في تقديراتهم للوضع، او هنا وهناك ايضا كانوا محقين جدا في التحليلات والمواقف التي اتخذوها. لا شيء باستثناء تحطيم صور معظم الزعماء او التقدير المحسن بنظرة إلى الوراء لبعضهم ـ من شأنه أن ينشأ عن نشر ابكر لهذه المداولات.
ولكن احدا ما في ارشيف الدولة، ذاك الذي في يده القوة المسكرة لمنع مثل هذا النشر لخمسين سنة، لا يزال واثقا بان في المادة المكتوبة امور رهيبة وفظيعة لا يزال محظور قراءتها. قلم سميك أسود يشطب الكلمات، الجمل واحيانا فقرات كاملة من داخل المحاضر. وأجدني القي نظرة على الجمل المشطوبة واحاول أن اخمن ماذا يمكن أن يكون سريا حتى بعد خمسين سنة.
كل الوقت وهم يتحدثون عن ديمونا أم ربما وزير السياحة أفلت هراء تاما ووزير التعليم كشف شيئا ما عن أم زعيم من قوة عظمى فلانية؟ اي سر دولة عميق انكشف في اسئلة وزير الاديان؟ هل نجح بيغن في أن يغرس اخيرا في النقاش القول اللاتيني المأثور «محبة الوطن هو خبز عيشنا»، والذي كان يبحث طوال السنين عن الفرص لادخاله إلى نقاش ما، ولكن المسؤول عن الاسرار الوطنية لم يجد له صلة بالنقاش فشطبه؟
هل كان المراقب يحرص على أمن الدولة حين منعنا من أن نقرأ رأي وزير الخبز والتسالي عن تركيبة الغذاء في الوجبات المصرية الحربية أم ثمة امورا ارادوا عملها في حينه وكانت لا تزال لديهم القوة أم ان مجرد القوة، قوة الاخفاء، هي التي ادت إلى شطب مواقع من تاريخنا؟ ولانه مثلما لا يوجد اي سبيل لان نشرح لماذا اخفوا عنا حتى اليوم هذه المحاضر، لا يمكننا أن نفهم ابدا لماذا يواصلون اخفاء اجزاء من الجمل، حتى بعد نصف قرن، وحتى وان كان توفي كل ابطال القصة منذ زمن بعيد.
ذات يوم، ربما قبيل عيد المساخر، سأكتب لكم اقتراحاتي لاستكمال الجمل المشطوبة أخشى فقط ان تشطبها الرقابة خوفا من المس بالنظام العام.

معاريف 27/6/2017

لغير الاقتباس
لا نفهم لماذا يتم إخفاء بعض المحاضر فترات طويلة حتى بعد موت المعنيين
آريه الداد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية