لقاء «متشائل» مع الباحث الفلسطيني خليل الشقاقي

حجم الخط
0

قلنديا أكثر بكثير من نقطة عبور بين إسرائيل والضفة. هي درس في مفارقة الاحتلال. أنت تترك من خلفك دولة تنتمي إلى العالم الأول، وتسقط دفعة واحدة نحو الفوضى والفقر والاهمال ووالقذارة التي تلتقيها في أسوأ دول العالم الثالث. تبدأ سفرا منفلت العقال، في طريق مشوّش، بين بيوت بنيت الواحد داخل الآخر، بلا قانون ولا رقابة، بين أسوار تحمل شعارات تؤيد الإرهاب وصور بطولية لعرفات والبرغوثي، وعندها تعود دفعة واحدة إلى الحضارة: طريق مرتب، محيط معتنى به، إشارات ضوئية، إشارات طريق. رحلة عبر العالم الأول، العالم الثاني والعالم الثالث. كل هذا في غضون عشر دقائق: لا توجد وكالة سفر في العالم يمكنها أن تضمن للسائح مغامرة مشابهة. توجد هذه الصورة الكبرى كلها في الأرض السيادية لدولة إسرائيل، في ذاك القسم من الضفة الذي ضم عام 1967 إلى القدس. ترفض حكومات إسرائيل ترفض، وتخاف لفظها. في نقطة درجت أجيال من جنود الجيش الإسرائيلي على تسميتها «مصنع العرق» تنتهي إسرائيل وتبدأ فلسطين. يفترض بك أن تكون قلقا، ولكنك مع ذلك تتنفس الصعداء.
«نحن نسمي هذه أرض الحرام»، يقول خليل الشقاقي، رئيس المركز الفلسطيني للبحوث والاستطلاعات. «استطلاع أجريناه اكتشفنا أن الشعور بالأمن في هذه الأحياء هو الأدنى في الضفة. فالحديث يدور أساسا عن العنف والبغاء والجرائم داخل العائلة. والنساء هن الضحية الأساس».
يعتبر الشقاقي،(65 عاما)، المحلل الأكثر صدقية للمزاج في الشارع الفلسطيني. فالصحافيون الأجانب والدبلوماسيون يدقون بابه. وهو مستقل، صريح وطلق اللسان: ينتقد أبو مازن بحدة، من دون خوف. كانا ذات مرة مقربين، أما الآن فأقل. يتذكرون في إسرائيل أخاه؛ فتحي الشقاقي الذي كان رئيس الجهاد الإسلامي، وصفّاه قاتل إسرائيلي في جزيرة مالطا في 1995. خليل نقي من كل صلة بالإرهاب. منظمته، التي سجلها كشركة غير ربحية، تتغذى أساسا من أموال دول الاتحاد الأوروبي. يجري الاستطلاعات في الضفة والقدس وغزة. أما المؤسسة الإسرائيلية الوحيدة التي يعمل معها في هذه اللحظة، فهي مركز بحوث السلام على اسم تامي شتاينمتس في جامعة تل أبيب. يستطلع اليهود اليهود، والشقاقي يستطلع بالتوازي الفلسطينيين.
سافرنا أنا ومراسل «يديعوت» في المناطق (الفلسطينية) إليئور ليفي إليه في بداية الأسبوع. التقيناه في مكتبه، في أحد المباني التي طلت كالفطريات حول المقاطعة في رام الله.
فبدأ يقول: «ليست هذه المرحلة الأسوأ. المرحلة الأسوأ كانت في نهاية 2015 في ذروة موجة عمليات المخرب الفرد. وكان الغضب على إسرائيل عظيما. والآن أيضا الغضب كبير، ولكنه لا يوشك على الانفجار.
«أبو مازن أقل شرعية مما كان في أي وقت مضى. 70 في المئةيدعونه إلى الاستقالة. في الماضي نزلت شعبيته إلى 65 وإلى 67، ولكنه لم يصل في أي مرة إلى 70».
٭ هل فقدان التأييد في الشارع هو سبب الخطابات الهجومية التي يلقيها مؤخرا ضد ترامب وضد نتنياهو، سألنا.
٭ «ليس هذا السبب الوحيد»، أجاب. «نشأت قطيعة بين أبو مازن وبين مؤيديه». تفضل واشرح رجاء.
«وثق محمود عباس بترامب، فقد اعتقد بأن شخصا مثل ترامب قادر على أن يجلب له ما لم يجلبه أوباما. أوباما قال الكلمات الصحيحة، ولكنه امتنع عن ممارسة الضغط؛ فقد تصرف كالجبان. أما ترامب، كما اعتقد أبو مازن، فقادر على أن يجبر نتنياهو. في الوقت الذي آمن معظم الفلسطينيون، بمن فيهم رجال حماس، بأن انتخاب ترامب بشرى سيئة، أمل هو بالخير.
«لقد كان في واشنطن عشية خطاب ترامب. لم يروِ أحد له ولرجاله بأن ترامب يعتزم الاعلان عن الاعتراف بالقدس عاصمة إسرائيل. وقد أظهر الخطاب عباس كغبي أمام أبناء شعبه. وفاقمت الإهانة الوضع ولكنها لم تكن الأمر الأساس.
«التقى محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، الذي عرض عليه حسب ما تقول الشائعات أن يقيم عاصمته في أبو ديس. وكان خليط إعلان ترامب والعرض السعودي قد دفن كل آماله. لم يقل ترامب في خطابه أنه يعترف بضم شرقي القدس. وكان يمكن لعباس ربما أن يبني شيئا ما على الغموض، ولكن ذكر أبو ديس قتل هذا».
٭ لكن ـ قلنا ـ هو يواصل أمر أجهزة أمنه للتعاون مع اسرائيل. لماذا؟
٭ «لأن التعاون مع إسرائيل هو الضمانة الوحيدة التي تمنع انهيار السلطة»، قال. «التعاون يحرر السلطة من الضغط من الخارج، من جانب إسرائيل، ومن الداخل، من جانب حماس. وهو يشير إلى أن لإسرائيل مصلحة في استمرار وجود السلطة وفي حل الدولتين».

الصورة تنقلب

٭ إلى أين أنتم تسيرون من هنا، سألنا.
٭ «توجد أنباء سيئة وأنباء طيبة»، قال. «ابدأ بالسيئة. يمر الشارع الفلسطيني بمسار تطرف تماما مثل الشارع الإسرائيلي. أكثر من 50 في المئةمن الجمهور، يؤمنون بأن اسرائيل تتآمر على أخذ اراضينا وإبعادنا؛ 30 في المئةيقولون إن إسرائيل تتآمر على أخذ أراضينا وحرماننا من حقوقنا من دون إبعادنا، وفقط 20 في المئةيؤمنون بأن إسرائيل معنية بالتسوية.
«قبل عشر سنوات عام 2008، 70 في المئةأيدوا حل الدولتين. 60 في المئةأيدوا الحل الوسط حسب المبادئ التي تحدث عنها عباس وأولمرت. عدنا إلى الأسئلة إياها في استطلاع أجريناه قبل شهرين. 46 في المئةيؤيدون اليوم حل الدولتين. هبط التأييد للحل الوسط إلى 40 في المائة».
٭ هل يؤمنون بأن حل الدولتين لا يزال ذا صلة، سألنا.
٭ «أقل فأقل»، قال. «معدل الذين يؤمنون بأنه يمكن الوصول إلى حل في السنوات الخمسة القريبة القادمة انخفض إلى 25 في اللمئة».
٭ ما الأنباء الطيبة، سألنا.
٭ «أنه يمكن تغيير هذا»، قال. «تقريبا كل من ترك حل الدولتين، مستعد لأن يعود ليؤمن به، رغم كل ما حصل. 60 في المئةفي الطرفين؛ الفلسطيني واليهود في إسرائيل، يقولون اليوم لا لاتفاق على نمط أولمرت ـ عباس. هذه هي الأنباء السيئة. ولكن إذا اضفت عنصرا آخر، حافزا آخر، فالصورة تنقلب». في كل واحد من الاستطلاعات عرضت سبعة حوافز. 39 في المئةمن المعارضين في الجانب الفلسطيني غيروا رأيهم، عندما قيل لهم إن إسرائيل ستعترف بالنكبة وستدفع تعويضات؛ 37 في المئةمن المعارضين غيروا رأيهم، عندما وعدوا بأن الدولة الفلسطينية ستكون ديمقراطية. فالديمقراطية تعد ملجأ من الفساد والطغيان في الضفة وغزة اليوم. (بين اليهود كان الحافز المظفر هو الوعد بمواصلة السماح لليهود في الحجيج إلى الحرم. رقم 2 كان استمرار التعاون الأمني. نصف المعارضين للاتفاق من أبناء الطوائف الشرقية وافقوا على تغيير رأيهم، عندما قيل لهم إن اليهود من أصول الدول العربية سينالون تعويضا عن ممتلكاتهم).
٭ ما الاستنتاج، سألنا.
٭ «إذا أعطيت الناس أملا، فإنهم يغيرون رأيهم»، قال.
ولكنك لا تؤمن بأن هذا سيحصل، قلنا.
فهز كتفيه. «الزعماء وحدهم يمكنهم أن يحدثوا التغيير»، قال. وهنا أنا متشائم. نحن بحاجة إلى زعماء بسبب رؤياهم أو بسبب الحاجة إلى بقائهم يغيرون الواقع. كان السادات رجل رؤيا؛ عرفات كان رجل بقاء؛ أما أبو مازن فليس هذا ولا ذاك. كان لديه استعداد للحل الوسط ـ أمر مشكوك أن يكون لمن يخلفه».
٭ يوجد بين الفلسطينيين من يفضلون دولة واحدة. قلنا.
٭ «في السوق الفلسطيني توجد فكرتان متنافستان»، قال. «واحدة علمانية؛ تتحدث عن حقوق متساوية لليهود والفلسطينيين في دولة واحدة؛ تعالوا ننتظر، يقول مؤيدو هذه الفكرة: اليمين في إسرائيل يقوم بالعمل نيابة عنا. مع حلول اليوم نضع على الطاولة كل التعابير من عهد الابرتهايد في جنوب إفريقيا، واليهود لن يصمدوا أمام ضغط العالم، والفلسطينيون سيحصلون على كل البلاد.
«الفكرة الثانية دينية. الحركة القومية العربية تموت والحكم في كل المنطقة سيكون دينيا؛ حماس في المناطق الفلسطينية، حزب الله في لبنان، داعش في سيناء، القاعدة. حرب إسرائيل مع إيران يمكن أن تعظم المشاعر الدينية، من دون صلة بمسألة من ينتصر. سيكون النظام في الأردن، ومصر والسعودية في خطر.
«لو كان عندي مال، لراهنت على الحل العلماني، ولكني كنت سأنظر كل الوقت إلى الجانب، لأرى ماذا يحصل في الجانب الديني».
٭ وربما، قلنا، سيحصل ما يأمل نتنياهو أن يحصل: الوضع الراهن يبقى إلى الأبد.
٭ «لا احتمال»، قال الشقاقي. «انظروا إلى أبو مازن وعمره؛ انظروا إلى الوضع في غزة؛ إلى التوتر بينكم وبين إيران؛ انظروا إلى الفلسطينيين في عمر 18 ـ 22. مواقفهم أكثر تصلبا من مواقف آبائهم؛ وبالطبع، انظروا إلى تأثير المستوطنين في ساحتكم السياسية. سنتان من اليوم سنرى التغيير».

ناحوم برنياع
يديعوت 23/2/2018

 

لقاء «متشائل» مع الباحث الفلسطيني خليل الشقاقي

صحف عبرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية